تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحسن ما قيل في الخمر وكأسها

قال: وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكأسها، وهو:

ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرّغاحتى إذا ملئت بصرف الراح
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
خفّت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة

وهذا معنى مبتدع، أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويرق كما رقت لطفا ويفوح كما فاحت نشرا.

أقول: هما لأبي علي إدريس اليماني، وأصل المعنى لابن المعتز حيث قال:

وزنّا الكأس فارغةً وملأىفكان الوزن بينهما سواء
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «شربت وصحبتي يوما بغمر»

ولكنه زاده مبالغة، وهي أن الكؤوس استفادت بالخمر خفة، ثم إنه أراد لذلك مثالا في الخارج فلم يجده إلا في الروح والجسم.

ومثل هذا قول الخوارزمي:

رأيتك إن أيسرت خيمت عندنالزاما وإن أعسرت زرت لماما
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءهأغبّ وإن زاد الضياء أقاما
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا»

أخذ المعنى في الأصل من قول إبراهيم بن العباس الصولي في ابن الزيات:

يعرف الأبعد إن أثرى ولايعرف الأدنى إذا ما افتقرا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

ولما أراد أن يضرب لذلك مثالاُ في الخارج، لم يجده إلا في القمر وضوئه. وهكذا حال إدريس اليماني مع ابن المعتز.

ولابن حميدس هذا المعنى بعينه، فإنه قال:

وكاس نشوان فيها الشمس بازغةٌباتت تديم إلى الإصباح لثم فمه
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «وكأس نشوان فيها الشمس بازغة»
تخفّ ملأى وتعطي الثقل فارغةًكالجسم عند وجود الروح أو عدمه
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «وكأس نشوان فيها الشمس بازغة»

وقال أيضاً:

جسامٌ تجمّع شربه لذاتناوعقولنا بالسكر منه تبدّد
ويخف ملآنا ويثقل فارغاكالجسم يعدم روحه أو يوجد
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ومضمن راحا يشف زجاجه»

على أن ابن حمديس أتى بالمعنى كاملا في بيت واحد، وإدريس اليماني إنما أتى به في بيتين. ولكن نظم إدريس أعلق بالقلب، وأوقع في النفس، وأعذب في السمع.

وقريب من هذا المعنى قول أبي العلاء المعري في اللزوميات:

لم يكن الدنّ غير نكرٍسلافة الراح عرّفته
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
كآدمٍ صيغ من ترابٍونفخة الروح شرفته
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وكلاهما تسلق على هذا المعنى، ونقله إلى الثقل والخفة، وإلا فهو هو.

وعلى ذكر الخفة في الخمر والطيران، فما أحلى قول أبي الحسين الفكيك:

بكرٌ خطابٌ إذا ما الماء خالطهاأبدت لنا زبدا في سورة الغضب
كادت تطير نفارا حين واقعهالولا شبابيك ما صاغت من الحبب

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.