تجاوز إلى المحتوى

من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

فصل فيما يتعلق بترجمة الطغرائي

ومولده ووفاته وذكر شيء من أشعاره مختصرا:

الطغرائي ﵀ هو العميد مؤيد الدين فخر الكتاب ابن إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المنشئ المعروف بالطغرائي، بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، وفتح الراء، وهذه نسبة إلى من يكتب الطغراء، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب، فوق البسملة بالقلم الغليظ، تتضمن نعوت الملك، وألقابه، وهي لفظة أعجمية.

قال ابن خلكان: كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، وذكره السمعاني، وأثنى عليه، وذكر شيئا من شعره، وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة، والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته

المعروفة بلامية العجم، وكان عملها ببغداد سنة خمس وخمسمائة، يصف فيها حاله، ويشكو زمنه، وذكره أبو المعالي الحظيري في كتابه زينة الدهر، وذكر له مقاطيع، وذكره العماد الكاتب في كتابه نصرة الفترة وعصرة القطرة، وهو تاريخ الدولة السلجوقية وأنه كان [ ب] وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وذكر العماد الكاتب في الخريدة، قال: كان متولي ديوان الطغراء، ومالك قلم الإنشاء، وتولى الاستبقاء، وتوشح إلى الوزارة الوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية مَن يضاهيه في الترسل والإنشاء سوى أمير الملك منشئ نظام الملك، قيل: لمّا عزم أخو استاذ الطغرائي على قتله، أمر به أن يُشد إلى شجرة، وأن يقف إلى تجاهه شاب تركي؛ ليرميه بالنبل، وكان الطغرائي يهوى ذلك الشاب، ففعل ذلك، وأوقف إنسانا خلف الشجرة يسمع ما يقول من غير أن يشعر به الطغرائي، وأن يسمع ما يقول، وقال لأرباب السهام: لا ترموه إلاّ إنْ أشرت إليكم؛ فوقفوا والسهام في أيديهم مفوقة؛ ليرموه، فأنشد الطغرائي في تلك الحالة:

ولقد أقولُ لمن يفوق سهمَهُ ... نحوي وأطرافُ المَنِيَّةِ شُرَّعُ ... والموتُ في لحظاتِ آخرِ سهمه ... دوني وقلبي دونَهُ يتقطَّعُ

باللهِ فتِّشْ عن فؤاديَ هَلْ يُرىفيه لغيْرِ هَوى الأَحِبَّةِ مَوْضِعُ
أهوِنْ بهِ لو لم يكنْ في طَيِّهِعهدُ الحبيبِ وسرُّه المستودَعُ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «ولقد أقول لمن يسدد سهمه»

فرق له وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت، ثم إنّ الوزير عمل على قتله فيما بعد وقتله، وكان له ﵀ في حلّ رموز الكيمياء اليد العليا، والسابقية الأولى، وله فيها تصانيف عدة، ومن شعره:

أما العلومُ فقد ظَفِرْتُ ببغْيتيمنها فما أحتاجُ أنْ أتعلَّمَا
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
وعرَفت أسرارَ الخليقةِ كلَّهاعِلماً أنارَ ليَ البهيمَ المُظلما
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
/ودريتُ هُرْمُسَ سِرَّ حكمتِه التيما زال ظنّاً في الغيوب مرجَّما [ أ]
وملكتُ مفتاحَ الكُنوزِ بفطنةٍكشَفتْ ليَ السرَّ الخفيَّ المُبْهَما
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
لولا التَّقِيَّةُ كنتُ أُظهِرُ معجزاًمن حكمةٍ تشفي القلوبَ من العَمى
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
أهوى التكرُّمَ والتظاهرَ بالذيعُلِّمْتُه والعقلُ يَنْهَى عنهما
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
وأُريدُ لا ألقى غبيَّاً موسراًفي العالمينَ ولا لبيباً مُعدِما
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»
والناسُ إمَّا جاهلٌ أو ظالمٌفمتى أُطيقُ تكرُّماً وتكلُّما
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أما العلوم فقد ظفرت ببغيتي»

ومن شعره:

ولا تستودِعَنَّ السِرَّ إلاَّفؤادَك فهو موضِعُه الأمينُ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «ولا تستودعن السر إلا»
إِذا حُفَّاظُ سِرِّك زيدَ فيهمفذاك السرُّ أضيعُ ما يكونُ
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «بدا الحركات ثم انفك عنها»

ومن شعره في الزهد:

إِذا ما لم تكنْ ملكاً مُطَاعَاًفكنْ عبداً لخالقِه مُطِيعَا
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «إذا ما لم تكن ملكا مطاعا»
وإِن لم تملكِ الدنيا جميعاًكما تهواه فاتركْهَا جميعَا

قال الشارح: يقال أن أول ما ظهرت الكيمياء في جبابرة قوم هود، وتعاطوا ذلك، وبنوا مدينة من ذهب وفضة، لم يخلق مثلها في البلاد، وكان ابن التيميّة ﵀ ينكر ثبوتها، وصنف رسالة في إنكارها، وأمّا الإمام فخر الدين ﵀ فإنه عقد في المباحث الشرقية فصلا في إمكانها، وقد ردّ على الفلاسفة في قولهم بعدم إمكانها، واستدل على إمكانها في الملخص، قال: وأمّا الوقوع فالوصول إليه عسير، فهو يقول أيضا بوقوعها، لكن يعسر، وكذلك/ قال ابن باجة الأندلسي عن الشيخ أبي نصر الفارابي، والظاهر من حال [ ب] الطغرائي ﵀ أنه لم يدبر شيئا من الكيمياء، إنما كان يعلمها علما لا عملاً، ألا تراه يقول:

ولولا ولاةُ الجَورِ أصبحتُ والحصَى بكفَّيَ أنَّى شِئتُ دُرٌ وياقوتُ

وصاحب الشذور من جملة أئمة هذا الفن، صرح بأن نهاية الصنع إلقاء الواحد على الألف، ألا تراه يقول ﵀ في الفائيَّة:

فعادَ بلطْفِ الحلِّ والعقد جوهراًيطاوعُ في النِّيْرانِ واحدهُ الألفُ

وفي قوله في القصيدة القافيّة:

فَذانِ هما البدرانِ فاغْنَ بعلمنا تنلْ بهما ما يصبغُ الألفَ دانقه

وكان بعضهم يقول: إنّ المقامات، وكليلة ودمنة رموز على الكيمياء، وكل ذلك من شغفهم وحبهم لها، نسأل الله العافية بلا محنة، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ مغرما بها، وأنفق فيها مالا وعمرا، وقد صحّت كيمياء العشق مع جمال الدين علي بن النبيه حيث يقول:

تعلَّمتُ علمَ الكيمِياءِ بِحُبِّهِ غزالٌ بجسمي ما بِعينَيْهِ مِن سُقْمِ

فَصعَّدْتُ أنفاسي وقطَّرْتُ أدمُعي فصحَّ من التدبيرِ تصْفيرُهُ جسمي

وقال أيضا:

صُنْعِةُ الكِيْمٍياءِ صحَّتْ لعيني حيث يزدادُ إذْ يَراني احمِرارا

فإذا ما ألقيْتُ إكْسيرَ لحظي في لُجينِ الخدُودِ عادَ نَضارا

وأمّا هذه القصيدة اللامية فإنها سُمِّيت بلامية العجم تشبيها لها بلامية العرب؛ لأنها تضاهيها في حِكمِها وأمثالها، ولامية/ العرب هي التي قالها الشنفرى وأولها: [ أ]

أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيَّكُمفَإِنّي إِلى قَومٍ سِواكُم لَأَمَيلُ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ترجمة الطغرائي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.