تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» لأحمد الشرواني (ت ١٢٥٣هـ)

الباب الأول في الحكايات (٢)

أنا بالمركب الذي كنت فيه قد أرسى فلما رأوني أسرعوا إلي وسألوني عن أمري فأخبرتهم فحملوني إلى أهلي ونلت منهم فوق الشرط فعدت بخير وغنى وسلامة.

حكاية: قيل إن ملك الصين بلغه عن نقاش ماهر في النقش والتصوير في بلاد الروم فأرسل إليه وأشخصه وأمره بعمل شيء مما يقدر عليه من النقش والتصوير ليعلقه بباب القصر على العادة فنقش له في رقعة صورة سنبلة حنطة خضراء قائمة وعليها عصفور وأتقن نقشه وهيئته حتى إذا نظره أحد لا يشك في أنه عصفور على سنبلة خضراء ولا ينكر شيئاً من ذلك غير النطق والحركة، فأعجب الملك ذلك وأمره بتعليقه وبادر بإدرار الرزق عليه إلى انقضاء مدة التعليق فمضت سنة إلا بعض أيام ولم يقدر أحد على إظهار عيب أو خلل فيه، فحضر شيخ مسنّ ونظر إلى التمثال وقال هذا فيه عيب فأحضر إلى الملك وأحضر النقاش والتمثال، وقال ما الذي فيه من العيب؟ فأخرج عما وقعت فيه بوجه ظاهر ودليل وإلاّ حل بك الندم والتنكيل، فقال الشيخ أسعد الله الملك وألهمه السداد مثال أيّ شيء هذا الموضوع؟ فقال الملك مثال سنبلة من حنطة قائمة على ساقها وفوقها عصفور، فقال الشيخ

أصلح الله الملك أما العصفور فليس به خلل وإنما الخلل في وضع السنبلة. قال الملك: وما الخلل؟ وقد امتزج غضباً على الشيخ، فقال الخلل في استقامة السنبلة لأن في العرف أن العصفور إذا حط على سنبلة أمالها لثقل العصفور وضعف ساق السنبلة ولو كانت السنبلة معوجا مائلة لكان ذلك نهاية في الوضع والحكمة فوافق الملك على ذلك وسلم.

حكى: عن الشريف المرتضى ﵁: أنه كان جالساً في علية له تشرف على الطريق فمرّ به ابن المطرز الشاعر يجرّ نعلاً له بالية وهي تثير الغبار فأمر بإحضاره، وقال له أنشد أبياتك التي تقول فيها:

إذا لم تبلغني إليكم ركائبيفلا وردت ماء ولا رعت العشبا
للشاعر ابن المطرز، اقرأ القصيدة

فأنشده إياها فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية وقال:

أهذه كانت من ركائبك؟ فأطرق ابن المطرز ساعة، ثم قالك لما عادت هبات سيدنا الشريف إلى مثل قوله:

وخذ النوم من جفونيقد خلعت الكرى على العشاق

عادت ركائبي إلى مثل ما ترى لأنك خلعت ما لا تملكه على من لا يقبل فخجل الشريف

منه وأمر له بجائزة فأعطوه.

حكاية: قيل إن الحجاج خرج يوماً متنزهاً، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه فإذا هو بشيخ من عجل، فقال له من أين أيها الشيخ؟ قال من هذه القرية، قال كيف ترون عمالكم؟ قال شرّ عمال يظلمون الناس ويستحلون أموالهم. قال فكيف قولك في الحجاج؟ قال ذلك ما ولي العراق أشر من قبحه الله تعالى وقبح من استعمله. قال أتعرف من أنا؟ قال لا، قال أنا الحجاج فقال أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال أنا مجنون بني عجل أصرع كل يوم مرتين. قال فضحك الحجاج وأمر له بصلة جليلة.

حكاية: قال بعض الأدباء كنت بمجلس لبعض أمراء بغداد وبين يديه طبق لوزينج إذ دخل عليه مجنون كان حلو الكلام فقال: أيها الأمير ما هذا؟ فرمى إليه بواحدة، فقال ثاني اثنين إذ هما في الغار فرمى إليه بأخرى، فقال فعززناهما بثالث فأعطاه ثالثة، فقال فخذ أربعة من الطير فألقى إليه رابعة، فقال خمسة سادسهم كلبهم فدفع إليه خامسة، فقال في ستة أيام فجعلها ستة، فقال سبع سماوات طباقا فصيرها سبعة، فقال ثمانية أزواج فرمى إليه بالثامنة، فقال وكان في المدينة تسعة رهط فرمى بها إليه، فقال إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر

شهراً فأكمل له اثني عشر، فقال إن يكن منكم عشرون فدفع إليه عشرين، فقال يغلبوا مائتين فأمر برفع الطبق إليه وقال كل يا ابن الفاعلة لا أشبع الله بطنك، فقال والله لو لم تفعل ذلك لقرأت لك وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون.

حكاية: قيل إن الهادي العباسي كان مغرماً بجارية تسمى غادر وكانت من أحسن الناس وجهاً وأكثرهن أدباً وألطفهن طبعاً وأطيبهن غناء، فبينما هي تنادمه ذات ليلة وتغنيه إذ تغير لونه وظهر أثر الحزن عليه، فقالت ما بال أمير المؤمنين لا أراه الله ما يكره؟ فقال وقع في فكري الساعة أني أموت وإن أخي هارون يلي الخلافة بعدي وإنك تكونين معه كما أنت معي الآن، فقالت لا أبقاني الله بعدك أبداً وأخذت تلاطفه وتزيل هذا الخيال من خاطره، فقال لابد أن تحلفي لي أيماناً مغلظة أن لا تقربي إليه بعدي فحلفت على ذلك وأخذ عليها العهود والمواثيق الغليظة، ثم خرج وأرسل إلى أخيه هارون وحلفه أن لا يخلو بغادر بعده وأخذ عليه من المواثيق والعهود ما أخذ عليها، فلم يمض إلا شهر حتى مات الهادي وانتقلت الخلافة إلى هارون فطلب الجارية فحضرت فأمرها بالأخذ في المنادمة، فقالت

وكيف يصنع أمير المؤمنين بتلك الأيمان والعهود، فقال قد كفرت عنك وعن نفسي، ثم خلا بها ووقعت من قلبه موقعاً عظيماً بحيث لم يكن يصبر ساعة عنها. فبينما هي ذات ليلة نائمة في حجره إذ استيقظت مذعورة، فقال ما بالك فدتك نفسي؟ قالت رأيت أخاك ينشد هذه الأبيات:

أخلفت عهدي بعدماجاورت سكان المقابر
ونسيتني وحنثت فيأيمانك الزور الفواجر
ونحكت غادرة أخيصدق الذي سماك غادر
لا يهنك الألف الحديد ولا تدر عنك الدوائر
ولحقتني قبل الصباح وصرت حيث غدوت صائر

وأظن أني لاحقة به في هذه الليلة فقال فدتك نفسي إنما هذه أضغاث أحلام فقالت كلا، ثم ارتعدت واضطربت بين يديه حتى ماتت، أقول لقد صدق القائل كل له من اسمه نصيب، وأما نقض العهود وعدم المروءة والوفاء فمن شأن أكثر النساء ولله در القائل:

إن النساء شياطين خلقن لنانعوذ بالله من شرّ الشيطان

وقد أخطأ من قال:

إن النساء رياحين خلقن لكموكلكم يشتهي شم الرياحين

حكاية: قيل لما استوزر المنصور الربيع بن يونس وكان ذا عقل وأدب جعل الربيع لا يسأله حاجة أبداً، فاستظرف المنصور ذلك فأحضره يوماً وقال يا ربيع تنقبض عن مثلي بحوائجك، فقال يا أمير المؤمنين ما تركت ذلك أني وجدت لها موضعاً غيرك ولكنني ملت إلى التخفيف فقال له اعرض عليّ ما تحب، فقال له يا أمير المؤمنين حاجتي أن تحب ابني الفضل، فقال له ويحك إن المحبة لا تقع ابتداء ولكن تقع بأسباب، فقال أوجدك الله السبيل إليها. قال وما ذاك؟ قال تنعم عليه فإذا أنعمت عليه أحبك فإذا أحبك أحببته. قال فتبسم المنصور وقال له ويحك لقد حببته إليه قبل أن يقع من هذا شيء بل أخبرني كيف اخترت المحبة دون غيرها؟ فقال يا أمير المؤمنين لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه وصغر عندك كبير إساءته وكانت حاجته لديك مقضية وذنوبه لديك مغفورة.

حكاية: رأيت في بعض التواريخ أن بعض الأعراب في البادية أصابته حمى في أيام القيظ

فأتى الأبطح وقت الظهيرة فتعرى في شديد الحرّ وطلى بدنه بزيت وجعل يتقلب في الشمس على الحصى، وقال سوف تعلمين يا حمى ما نزل بك وبمن ابتليت عدلت عن الأمراء وأهل الثراء ونزلت بي وما زال يتمرغ حتى عرق وذهبت حماه وقام وسمع في اليوم الثاني قائلاً قد حمّ الأمير بالمس، فقال الأعرابي أنا والله بعثتها إليه، ثم ولى هارباً.

حكاية: قيل إن بعض العلماء تخاصم مع زوجته فعوم على طلاقها، فقالت له اذكر طول الصحبة، فقال والله مالك عندي ذنب سوى ذلك.

حكاية: قيل إن امرأة كانت في المدينة شديدة الإصابة بالعين لا تنظر إلى شيء إلا دمرته فدخلت على أشعب تعوده وهو محتضر يكلم ابنته بصوت ضعيف ويقول يا ابنتي إذا مت فلا تنوحي عليّ وتندبيني والناس يسمعونك تقولين واأبتاه أندبك للصلاة والصيام والفقه والقرآن فيكذبونك ويلعنوني والتفت أشعب فرأى المرأة فغطى وجهه بكمه، فقال لها يا فلانة سألتك بالله إن كنت قد استحسنت شيئاً مما أنا فيه فصلي على النبي وآله، فقالت سخنت عينك وفي أيّ شيء أنت حتى أستحسنه إنما أنت في آخر رمق، فقال أشعب قد علمت ذلك ولكن قلت لئلا تكوني قد استحسنت خفة الموت عليّ وسهولة النزع فيشتد ما أنا فيه

فخرجت من عنده وهي تشتمه فضحك من كان حوله حتى أولاده ونساؤه، ثم مات رحمه الله تعالى.

حكاية: قيل إن ضبة بن أدّ كان له ابنان سعد وسعيد فخرجا إلى سفر فهلك سعد ورجع سعيد، ثم خرج والدهما ضبة بعد ذلك في الأشهر الحرم يسير ويتفحص عن ابنه وكان معه الحرث بن كعب، فبينما هما ذات يوم يتحدثان سائرين إذ مرابمكان، فقال الحرث لقيت بهذا المكان شاباً صفته كذا وكذا فقتلته وهذا سيفه، فقال له ضبة أرني السيف فأعطاه إياه وإذا هو سيف ابنه سعد، فقال له ضبة (الحديث ذو شجون) ثم إن ضبة قتل الحرث فلامه الناس على استحلال الشهر الحرام، فقال (سبق السيف العذل) فصار مثلاً.

حكاية: أتى مكفوف نخاساً، فقال له اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتثر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق لا يصادم في السواري ولا يدخلني تحت البواري، إن أقللت علفه صبر وإن كثرته شكر وإن ركبته هام وإن تركته نام، فقال له اصبر إن مسخ الله القاضي حماراً قضيت حاجيتك.

حكاية: أخبر الكلبي عن رجل من بني أمية قال حضرت معاوية وقد أذن للناس إذناً عاماً فدخلت امرأة فرفعت لثامها عن وجه كالقمر ومعها جاريتان لها فخطبت للقوم خطبة بهت لها كل من كان هناك، ثم قالت وكان من قدر الله تعالى أنك قربت زياداً واتخذته أخاً وجعلت له في آل أبي سفيان نسباً، ثم وليته على رقاب العباد يسفك الدماء بغير حلها ولا حقها وينتهك المحارم بغير مراقبة فيها ويرتكب من المعاصي أعظمها لا يرجو لله وقاراً ولا يظن أنه له معادا وغداً يعرض عمله في صحيفتك وتقف على ما اجترأ به بين يدي ربك، فماذا تقول لربك يا ابن أبي سفيان غداً وقد مضى من عمرك أكثره وأسرّه وبقي لك شره، فقال لها من أنت فقالت امرأة من بني ذكوان وثب زياد المدعي أنه من بني أبي سفيان على وراثتي من أبي وأمي فقبضها ظلماً واستولى على ضيعتي وممسكة رمقي، فإن أنصفت وعدلت فهو المراد وإلا وكلتك وزياداً إلى الله تعالى وإن أبقيت ظلامتي عنده وعندك فالمنصف لي منكما الحكم العدل فبهت معاوية منها وصار يتعجب من فصاحتها، ثم قال ما لزياد لعنه الله تعالى مع من ينشر مساوينا، ثم قال لكاتبه اكتب إلى زياد أن يرد لها ضيعتها ويؤدي لها حقها.

حكاية: قيل إن جارية مليحة الوجه حسنة الأدب كانت لفتى من قريش وكان يحبها حباً شديداً فأصابته ضيقة وفاقة

فاحتاج إلى ثمنها فحملها إلى العراق وكان ذلك في زمن الحجاج فابتاعها منه فوقعت عنده بمنزلة فقدم عليه فتى من أقاربه فأنزله قريباً منه وأحسن إليه فدخل على الحجاج يوماً والجارية تكبسه وكان للفتى جمال فجعلت الجارية تسارقه النظر ففطن الحجاج بها فوهبها له فدعا له وانصرف بها فباتت معه ليلتها وهربت بغلس فأصبح لا يدري أين هي وبلغ الحجاج ذلك فأمر منادياً ينادي برئت ذمة من رأى وصيفة صفتها كذا وكذا فلم يلبث أن أُتي له بها، فقال لها الحجاج يا عدوة الله كنت عندي من أحب الناس إليّ فاخترت لك ابن عمي وهو شاب حسن الوجه ورأيتك تسارقيه النظر فعلمت أنك شغفت به وبحبه فوهبتك له فهربت في ليلتك، فقالت يا سيدي اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال هات، قالت كنت للفتى القرشي فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما دنونا منها دنا مني فوقع عليّ فسمع زئير الأسد فوثب وسلّ سيفه وحمل عليه وضربه فقتله وأتى برأسه، ثم أقبل عليّ وما برد ما عنده ثم قضى حاجته وإن ابن عملك هذا الذي

اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ وإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف فضرط ثم غشي عليه فمكث زماناً طويلاً وأنا أرش عليه الماء وهو لا يفيق فخفت أن يموت فتتهمني فيه فهربت فزعاً منك فما ملك الحجاج نفسه من شدة الضحك وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحداً، قالت شرط أن لا تردني إليه، قال لك ذلك.

حكاية: قيل إن بعض الحكماء لزم باب كسرى في حاجة دهراً فلم يلتفت إليه فكتب أربعة أسطر في رقعة ودفعها للحاجب فكان السطر الأول الضرورة والأمل أقدماني عليك، والسطر الثاني العديم لا يكون معه صبر عن المطالبة، والسطر الثالث الانصراف من غير فائدة شماتة الأعداء، والسطر الرابع إما نعم مثمرة وإما لا مريحة فلما قرأها كسرى دفع له بكل سطر ألف دينار.

حكاية: قيل إن رجلاً من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمه وصار يدخل على حريمه من غير استئذان، وكان له وزير كثير الحسد فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه لابد من مكيدة على هذا البدوي فإنه قد أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله وصنع له طعاماً وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي قال له احذر أن تقرب من الأمير فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى لذلك فإنه يكره رائحته، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به، وقال إن البدوي

يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر، فلما أتى البدوي طلبه المعتصم، فلما قرب منه جعل كمه على فمه مخافة أن يشم الأمير منه رائحة الثوم فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال إن الذي قاله الوزير عن البدوي صحيح فكتب المعتصم كتاباً إلى بعض عماله يقول إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله، ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له امض به إلى فلان وجيء سريعاً بالجواب فامتثل البدوي ما رسم به المعتصم وأخذ الكتاب وخرج به من عنده بينما هو بالباب إذ لقيه الوزير، فقال له أين تريد؟ قال أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي ينال من التقليد مالاً جزيلاً، فقال له ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟ فقال له أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي افعل، فقال هات الكتاب فدفعه إليه وأعطاه الوزير ألفي دينار فركب الوزير وصار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ

العامل الكتاب أمر بضرب عنقه وبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير فأخبر بأن له أياماً ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب المعتصم من ذلك وأمر بإحضار البدوي وسأله عن حاله فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال أنت قلت عني أني أبخر؟ فقال معاذ الله يا أمير المؤمنين كيف أتحدث بما ليسلي به علم؟ وإنما كان ذلك مكراً منه وخديعة وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه، فقال المعتصم قاتل الله الحسد بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي واتخذه مكانه وزيراً وراح الوزير بحسده.

حكاية: قيل كان بالمدينة قينة من أحسن الناس وجهاً وأكملهم عقلاً وأكثرهم أدباً قد قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية فوقعت عند يزيد بن عبد الملك بمنزلة فأخذت بمجامع قلبه، فقال لها ذات يوم أمالك قرابة أو أحد تحبين أن أضيفه أو أسدي إليه معروفاً؟ فقالت يا أمير المؤمنين أما قرابة فلا ولكن بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاي وأحب أن ينالهم من خير ما صرت إليه فكتب إلى عامله بالمدينة في إحضارهم إليه، وأن يدفع إلى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم. فلما وصولا إلى باب يزيد بن عبد الملك استؤذن لهم فدخلوا عليه فأكرمهم غاية الإكرام وسألهم عن حوائجهم، فأما اثنان فذكرا حوائجهم فقضاها

وأما الثالث فسأله عن حاجته؟ فقال يا أمير المؤمنين مالي حاجة فقال ويحك ولم؟ ألست أقدر على ما تطلب؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها فقال ويحك سلني فإنك لا تطلب حاجة إلا قضيتها. قال ولي الأمان يا أمير المؤمنين قال نعم ولك الأمان فقال إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تامر جاريتك فلانة التي أكرمتنا من اجلها أن تغني لي ثلاث مرات أشرب عليها ثلاثة أرطال فافعل قال فتغير وجه يزيد وقام من مجلسه ودخل على الجارية وأعلمها فقالت وما عليك يا أمير المؤمنين فأمر بإحضار الفتى على كرسي ثالث ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ثم قال للفتى سل حاجتك فقال تامرها يا أمير المؤمنين أن تغني فغنت:

لا أستطيع سلوّاً عن مودتهاولو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدنيحتى إذا قلت هذا صادق فزعا

ثم شرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية وقال للفتى سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين

تأمرها أن تغني فغنت:

مني الوصال ومنكم الهجرحتى يفرق بيننا الدهر
والله لا أسلوكم أبداًما لاح بدر أو أضا فجر

ثم شرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية وقال للفتى سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين تأمرها أن تغني فغنت:

أشارت بطرف العين خيفة أهلهاإشارة محزون ولم تتكلم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني»
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباوأهلاً وسهلاً بالحبيب المتمم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا قل لهند إحرجي وتأثمي»

قال فلم تتم الجارية الأبيات حتى خرّ الفتى مغشياً عليه، فقال يزيد للجارية قومي انظري إليه فقامت وحركته فإذا هو ميت، فقال لها يزيد ابكيه. فقالت يا أمير المؤمنين لا أبكيه وأنت حي، فقال ابكيه فوالله لو عاش لما انصرف إلا بك فبكت الجارية وبكى أمير المؤمنين بكاء شديداً، ثم أمر بالفتى فجهز ودفن وأما الجارية فلم تمكث بعده إلا أياماً قلائل وماتت.

حكاية: قيل دخل حسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره الخليف،

وقال أصبي يتكلم في هذا المقام؟ فقال يا أمير المؤمنين إن كنت صبياً فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت أكبر من سليمان ﵇ إذ قال أحطت بما لم تحط به، ثم قال ألا ترى أن الله تعالى فهم الحكم لسليمان ولو كان الأمر بالأكبر لكان داود أولى.

حكاية: قيل إن الهدهد قال لسليمان ﵇ إني أريد أن تكون في ضيافتي، فقال له سليمان أنا وحدي؟ فقال لا بل أنت والعسكر في جزيرة كذا يوم كذا، فمضى سليمان وجنوده إلى هناك وصعد الهدهد إلى الجو وصاد جرادة وكسرها ورمى بها في البحر، وقال يا نبي الله كلوا فمن فاته اللحم لم تفته المرقة فضحك سليمان وجنوده وأخذ بعض الشعراء فقال:

وكن قنوعاً فقد جرى مثلإن فاتك اللحم فاشرب المرقة

حكاية: عن الجاحظ قال دخلت المدينة يوماً فوجدت فيها معلماً في هيئة حسنة فسلّمت عليه فرد عليّ السلام أحسن رد ورحب بي فجلست عنده وباحثته في القرآن والقراءة فإذا هو

في ذلك ماهر، ثم باحثته في الفقه والنحو والصرف وعلم المعقول وأشعار العرب فإذا هو فيها كامل محقق، فقلت هذا والله مما يقوّي عزمي، قال فكنت أختلف إليه وأزوره فجئت يوماً لزيارته وإذ بالكتاب مغلق ولم أجده فسألت عنه فقالوا مات له ميت فحزن عليه فجئت إلى بيته فطرقت الباب فخرجت إليّ جارية وقالت لي ما تريد، فقلت أريد فلاناً فدخلت وخرجيت، فقالت ادخل بسم الله ودخلت إليه فإذا به جالس وحده فقلت عظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة كل نفس ذائقة الموت فعليك بالصبر، ثم قلت هذا الذي توفي ولدك، قال لا قلت فأخوك، قال لا قلت فما هو منك قال حبيبتي قلت في نفسي هذه أول القبائح فقلت يا سبحان الله النساء كثيرة وتجد غيرها، فقال أتظن أني رأيتها فقلت هذه شنيعة ثانية قلت له كيف عشقت من لم تره، فقال اعلم أني كنت جالس في هذا المكان وأنا أنظر إلى الطاق إذ رأيت رجلاً عليه برد وهو يقول:

يا أم عمرو جزاك الله مكرمةردي عليّ فؤادي أينما كانا

فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه بديعة الجمال فائقة على أمثالها ما قيل فيها الشعر فعشقتها فلما كان بعد يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

لقد ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار

فقلت أنها ماتت فحزنت عليها وجلست في العزاء، قال الجاحظ فتعجبت عجباً شديداً وعلمت أنه مغفل فودعته وسرت.

حكاية: قال الجاحظ ما أخجلني أحد قط إلا امرأة عارضتني في الطريق وقالت لي فيك حاجة فسرت في أثرها وذهبت بي إلى صائغ وقالت مثل هذا ومضت فبقيت مبهوتاً وسألت الصائغ. فقال هذه امرأة أرادت أني أعمل لها صورة شيطان فقلت ما أدري كيف صورته فجاءت بك وفي الجاحظ يقول الشاعر:

لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياًما كان إلا دون قبح الجاحظ

حكاية: قيل نزل رجل من الأكالين بصومعة راهب، فقدم له أربعة أرغفة وذهب ليحضر له عدساً فحمله وجاء به فوجده أكل الخبز، فذهب وأتى إليه بالخبز وحده فوجده أكل العدس ففعل ذلك معه عشر مرات فسأله الراهب أين مقصدك؟ فقال إلى الري، فقال له لماذا قصدت؟ قال بلغني أن بها طبيباً حاذقاً أسأله عما يصلح معدتي فإني قليل الاشتهاء للطعام،

فقال له الراهب إن لي إليك حاجة. قال وما هي؟ قال إذا ذهبت وصلحت معدتك فلا تجعل رجوعك إليّ ثانياً.

حكاية: قيل اجتمع أبو نواس ودعبل وأبو العتاهية في مجلس من مجالس الشراب فأقاموا فيه ثلاث أيام، فلما كان اليوم الرابع انصرفوا يريدون منازلهم، فقال أبو العتاهية عند من نحن اليوم بعد خروجنا من هذا المجلس؟ فقال أبو نواس في كل منكم فضيلة تعالوا نمتحن قرائحنا في شيء من الشعر فمن كان أشعر كنا عنده فبينما هم يتحدثون إذ أقبلت فتاة كأنها الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة مكللة بالزبرجد موشحة بالعسجد محلاة بالحلي والحلل مبرأة من النقائص والعلل وعليها ثلاثة أثواب من الحرير الأعلى أبيض والأوسط أسود والأسفل أحمر، فقال ابو نواس الحمد لله الذي فتح لنا بهذا فليقل كل منا في ثوب، فقال أبو العتاهية في الثوب الأبيض:

تبدى في ديبقي بياضبأجفان وألحاظ مراض
فقلت له عبرت ولم تسلموإني منك بالتسليم راضي
تبارك من كسا خديك ورداًوقدك مثل أغصان الرياض
فقال نعم كساني الله حسناًويخلق ما يشاء بلا اعتراض
فثوبي مثل ثغري مثل نحريبياض في بياض في بياض

فقال دعبل في الثوب الأسود:

تبدى في السواد فقلت بدراًتجلى في الظلام على العباد
فقلت له عبرت ولم تسلموأشمّت الحسود مع الأعادي
تبارك من كسا خديك ورداًمدى اليام دام بلا نفاد
فقال نعم كساني الله حسناًويخلق ما يشاء بلا عناد
فثوبي مثل شعري مثل بختيسواد في سوادٍ في سوادِ

فقال أبو نواس في الثوب الأحمر:

تبدى في قميص اللاذ يسعىعذولي يلقب بالحبيب
فقلت من التعجب كيف هذالقد أقبلت في زيّ عجيب
أحمرة وجنتيك كستك هذاأم أنت صبغته بدم القلوب
للشاعر إسماعيل صبري، اقرأ القصيدة
فقال الشمس أهدت لي قميصاًقريبُ اللونِ من شفقِ الغروب
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»
فثوبي والمدام ولون خديقريبٌ من قريبٍ من قريبِ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «أتاني في قميص اللاذ يسعى»

فما فرغوا من الأبيات إلا والجارية عندهم، فقالت السلام عليكم، فقالوا وعليك السلام. قالت لا بد من إطلاعي عليكم وعلى ما أنتم عليه وكيف انتهى بكم الحال فأخبروها بالقصة، فقالت والله لقد أجاد أبو نواس، ثم فارقتهم ومضت لشأنها.

حكاية: قال الشعبي وجهني عبد الملك إلى ملك الروم، فلما قدمت إليه ورأى مني جواباً مفحماً. قال لي من أهل بيت الخلافة أنت؟ قلت لا ولكني رجل من العرب فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إليّ، فلما قرأها عبد الملك قال أتدري ما فيها قلت لا، قال: فيها العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف جعلوا أمورهم إلى عيره ثم قال أتدري ما أراد بهذا؟ قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن أقتلك، فقلت إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك فبلغ بعد ذلك ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي، فقال لله دره ما عدا ما في نفسي.

حكاية: قيل دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فقال يا بثينة ما أرى فيك شيئاً مما كان يقوله فيك جميل؟ قالت يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو لي بعينين ليستا في رأسك. قال فكيف كان في عشقه؟ قالت كان كما قال:

لا والذي تسجد الجباه لهمالي بما تحت ذيلها خبر
ولا هممت ولا غمزت لهاما كان إلا الحديث والنظر

حكاية: قال الأصمعي بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر كتوبة عليه هذا البيت:

أيا معشر العشاق بالله خبرواإذا حل عشق بالفتى كيف يصنع

فكتبت تحته:

يداري هواه ثم يكتم سرهويخشع في كل الأمور ويخضع
للشاعر الأصمعي، من قصيدة «أيا معشر العشاق»

ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوباً تحته هذا البيت:

وكيف يداري والهوى قاتل الفتىوفي كل يوم قلبه يتقطع
للشاعر الأصمعي، من قصيدة «أيا معشر العشاق»

فكتبت تحته:

إذا لم يجد صبراً لكتمان سرهفليس له شيءٌ سوى الموت ينفعُ

فعدت في اليوم الثالث، فوجدت شاباً ملقى تحت ذلك الحجر ميتاً وكتوب تحت هذه الأبيات:

سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغواسلامي إلى من كان للوصل يمنع
هنيئاً لأرباب النعيم نعيمهموللعاشق المسكين ما يتجرع

حكاية: قيل اجتمعت بنو هاشم يوماً عند معاوية فأقبل عليهم وقال يا بني هاشم إن خيري لكم ممنوع وإن بابي لكم مفتوح فلا يقطع خيري عنكم ولا يرد بابي دونكم ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمراً مختلفاً ترون أنكم أحق بما في يدي مني وإن أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم أعطانا دون حقوقنا وقصر بنا عن قدرنا فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم، قال فأقبل عليه ابن عباس ﵁ وقال والله ما منحتنا حتى سألناك ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله أوسع من خيرك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفنّ عنك نفوسنا، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ولولا حق لنا في هذا المال لم يأتك منا زائر أكفاك أم أزيدك؟ قال كفاني يا ابن عباس.

حكاية: قيل دخل عقيل بن أبي طالب ﵁ على معاوية بعدما كف بصره فأجلسه معاوية على سريره، ثم قال له: أنتم يا معاشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم، فخجل معاوية ولم يردّ جواباً.

حكاية: أخبر الحسن بن سهل قال كنت يوماً عند يحيى بن خالد البرمكي، وقد خلا في مجلسه لإحكام أمر من أمور الرشيد، فبينما نحن جلوس إذ دخل علينا جماعة من أصحاب الحوائج، فقضاها لهم ثم توجهوا لشأنهم فكان آخرهم قياماً أحمد بن أبي خالد الأحول فنظر يحيى إليه والتفت إلى الفضل ابنه، فقال يا بني إن لأبيك مع أب هذا

الفتى حديث فإذا فرغت من شغلي هذا فذكرني أحدثك به، فلما فرغ من شغله قال له ابنه الفضل أعزك الله يا أبت أمرتني أن أذكرك حديث أبي خالد الأحول، فقال نعم يا بني لما قدم أبوك إلى العراق أيام المهدي كان فقيراً لا يملك شيئاً فاشتد بي الأمر إلى أن قال لي من في منزلي إنا قد كتمنا حالنا وزاد ضرنا، ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيء نقتات به قال فبكيت لذلك يا بني بكاء شديداً وبقيت حيران مطرقاً مفكراً، ثم تذكرت منديلاً كان عندي فقلت لهم ما حال المنديل قالوا موجود، فقلت افعوه إليّ فأخذته ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت له بعه بما تيسر فباعه بسبعة عشر درهماً فدفعتها إلى أهلي وقلت لهم أنفقوها إلى أن يرزق الله

غيرها، ثم بكرت من غد إلى باب أبي خالد وزير المهدي، فإذا الناس وقوف على دوابهم ينتظرون خروجه، فخرج عليهم راكباً، فلما نظر إلي سلم عليّ وقال كيف حالك؟ فقلت يا أبا خالد ما حال رجل بيع بالأمس من منزله منديل بسبعة عشر درهماً، فنظر إليّ نظراً شديداً وما أجابني جواباً، فرجعت إلى أهلي كسير القلب وأخبرتهم بما اتفق لي مع أبي خالد، فقالوا بئس والله ما فعلت، مررت برجل كان يرتضيك لأمر جليل كشفت له سرك وأطلعته على مكنون أمرك، فأزريت عنده بنفسك وصغرت عنده منزلتك بعد أن كنت عنده جليلاً فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين، فقلت قد مضى الأمر الآن بما لا يمكن استدراكه، فلما كان من الغد بكرت إلى باب الخليفة فلما بلغت باب الخليفة استقبلني رجل فقال لي وقد ذكرت الساعة بمجلس أمير المؤمنين فلم ألتفت إلى قوله فاستقبلني آخر وقال لي كما قال الأول ثم استقبلني حاجب أبي خالد، فقال لي أين كنت قد أمرني أبو خالد أن أجلسك عندي إلى أن يخرج من عند أمير المؤمنين فجلست حتى خرج فلما رآني دعاني وأمر لي بمركوب فسرت إلى منزله، فلما نزل قال عليّ بفلان وفلان فأحضرا فقال ألم تشتريا مني غلات السواد بثمانية عشر ألف درهم؟ قالا نعم قال ألم أشترط عليكما شركة رجل معكما؟ قالا بلى قال هذا الرجل الذي اشترط شركته لكما، ثم قال لي قم معهما، فلما خرجنا من عنده قالا لي ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون لك فيه الربح الهنئ، وقالا إنك تحتاج في هذا الأمر إلى وكلاء وأمناء وكيالين وأعوان فهل لك أن تبيعنا شركتك بمال نجعله لك فتنتفع به ويسقط عنك التعب والنصب، فقلت لهما كم تبذلان لي، فقالا مائة ألف درهم

فقلت لا أفعل، فما زالا يزيداني وأنا لا أرضى إلى أن قالا ثلاثمائة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا فقلت حتى أشاور أبا خالد قالا ذلك لك فرجعت إليه وأخبرته فدعا بهما، وقال هل وافقتماه على ما ذكر؟ قالا نعم، قال اذهبا فسلما إليه المال الساعة ثم قال لي أصلح أمرك وتهيأ فقد قلدتك العمل فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني فما زلت في زيادة حتى صار من أمري ما صار، ثم قال لولده الفضل يا بنيّ فما تقولوا في ابن من فعل مع أبيك هذا الفعل فما جزاؤه؟ قال لعمري ما أجد له جزاء غير أن أعزل نفسي وأوليه ففعل ذلك.

حكاية: قيل خرج هارون الرشيد متنكراً إلى بعض الفرج فوجد صبياناً يلعبون وفيهم غلام

دميم ضعيف البدن قاعد يحفظ ثيابهم، وهو يقلب ثوباً ثوباً وينشد شعراً ويقول:

قولي لطيفك ينثنيعن مقلتي عند الهجوع
كيما أنام فتنطفينار توقد في ضلوعي
أما أنا فكما عهدتفهل لوصلك من رجوع
دنف تقبله الأكفعلى فراش من دموع

قال فتعجب الرشيد من قوله مع صغر سنه وشرع يؤانسه ويحادثه ويقول لمن هذا الشعر والغلام يصد عنه ثم اعترف أنه شعره فعظم ذلك عند الرشيد فقال له إن كان شعرك حقاً كما زعمت فابق المعنى وغير القافية فأنشد في الحال وقال:

قولي لطيفك ينثنيعن مقلتي عند المنام
كيما أنام فتنطفينار توقد في عظامي
أما أنا فكما عهدتفهل لوصلك من دوام
دنف تقبله الأكفعلى فراش من سقام

فتعجب الرشيد وقال له أحسنت إلا أن هذا محفوظ معك قال فامتحن قال فغير القافية واترك المعنى فأنشد في الحال وقال:

قولي لطيفك ينثنيعن مقلتي عند الرقاد
كيما أنام فتنطفينار توقد في فؤادي
أما أنا فكما عهدتفهل لوصلك من نفاد
دنف تقبله الأكفعلى فراش من قتاد

فقال الرشيد: أخبرني من أنت؟ فأخذ ثياب الصبيان على رأسه وصاح قاق قاق فعلم الرشيد أنه ديك الجن.

حكاية: قيل إن بهرام الملك خرج يوماً للصيد فانفرد ورأى صيداً فتبعه طامعاً في لحاقه حتى بعد عن أصحابه فنظر إلى راع تحت شجرة فنزل عن

فرسه ليبول، وقال للراعي احفظ عني فرسي حتى أبول فعمد الراعي إلى العنان وكان ملبساً ذهباً كثيراً فاستغفل بهرام وأخذ سكيناً وقطع طرف اللجام فرفع بهرام طرفه إليه فاستحى وأطرق ببصره إلى الأرض وأطال الجلوس حتى أخذ الرجل حاجته فقام بهرام وجعل يده على عينيه، وقال للراعي:

قدم إليّ فرسي فإنه دخل في عيني تراب من سافي الريح فما أقدر على فتحها فقدمه إليه فركب وسار إلى أن وصل إلى عسكره فقال لصاحب مركبه طرف اللجام وهبته فلا تتهم به أحداً.

حكاية: قيل إن كسرى أنوشروان كان أشد الناس تطلعاً إلى خفايا الأمور وأعظم خلق الله في زمانه بحثاً على الأسرار، وكان يبعث الجواسيس على الرعايا في البلاد ليقف على حقائق الأحوال ويطلع على غوامض القضايا فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب ويجازي المصلح بالإحسان ويقول متى غفل الملك عن تعرّف ذلك فليس له من الملك إلا اسمه وسقطت من القلوب هيبته. وكان ممن تيقظ لأمر الرعية في سياسة الحكم وأمور البلاد الملك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان معاوية بن أبي سفيان قد سلك طريق في ذلك.

حكاية: عن بعض مشايخ أهل المدينة قال كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ جارية مغنية يقال لها عمارة، فلما وفد عبد الله على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده فأخرجها إليه، فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه ولم يزل يكتم أمره إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال له أن أمر عبد الله لا يرام ولا يبيعها بشيء أبداً وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال فاطلب لي رجلاً من أهل العراق عاقلاً ظريفاً أديباً له معرفة ودراية فطلبوه فجاؤوا به، فلما دخل عليه استنطقه فرأى بياناً وحلاوة في كلامه فقال له إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فلك عندي الجائزة العظمى ثم أخبره بأمره فقال يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر ﵁ أمره لا يرام إلا بالخديعة ولن يقدر على ما سألت إلا رجل فأرجو أن أكون هو بحول الله وقوته فأعني بالمال يا أمير المؤمنين قال خذ ما أحببت فأخذ واشترى من طرف الشام ومتاعها للتجارة ومن كل شيء حسن حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر ﵁ وأكثر تنزلاً إلى جانبه، ثم توسل إليه

وقال أنا رجل من أهل العراق قدمت بتجارة وأحببت أن أكون بجوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهارمته، وقال أكرموا جارنا وأوسعوا له في المنزل، فلما اطمأن العراقي وعرفه نفسه هيأ له بغلة فارهة وثياباً من ثياب العراق وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها يا سيدي إني رجل

تاجر ذو نعمة من الله سابغة وقد بعثت إليك بشيء من اللطائف وهو كذا ومن الثياب والعطر وهو كذا وبعثت إليك ببغلة فارهة وطيئة الظهر، وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله ﷺ أن تقبل هديتي ولا توحشني بردها فإني محب لك ولأهل بيتك وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يديه وسلم عليه فلما نظر إلى فصاحته وبلاغته أحبه وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطائف وطرف إلى عبد الله، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً فقد ملأنا شكراً وأعيانا عن مجازاته، وإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة، فلما تعشيا وطاب لهما المقام وسمع العراقي غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في إعجابه إذ رأى ذلك يسر عبد الله إلى أن قال له أرأيت مثل عمارة؟ قال لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها ولا تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه في حسنها ولطافتها. قال كم تساوي عندك؟ قال ما لها ثمن إلا الخلافة قال تقول هذا لما ترى من رائى فيها ولتجلب سروري قال والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد. وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلباً للربح ولو أعطيتها لي بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد الله بعشرة آلاف دينار؟ قال نعم ولم تكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار فقال عبد الله كالمازح إني أبيعكها بعشرة آلاف دينار؟ قال قد أخذتها، قال هي لك، قال قد وجب البيع وانصرف العراقي، فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله بعث العراقي بالمال؟ قالوا نعم بعشرة آلاف دينار. قال هذا ثمن عمارة فردها إليه، وقال إنما كنت مازحاً وأعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء. قال له عبد الله ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك عليه ولكني كنت أمازحك وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها وموقعها مني، فقال

العراقي أن كنت مازحاً فإني مجد وما أطلعت على ما في نفسك وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بالثمن وليست تحل لك وما من أخذها بد، فلما رأى عبد الله الجد منه قال بئس الضيف هذا - إنا لله وإنا إليه راجعون - ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بمالها من الثياب والطيب فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال أوصل الجارية

مع ما معها وقل له هذا لك ولك عندنا عوض ما أكرمتنا به فقبض العراقي الجارية وخرج بها، فلما برز من المدينة قال لها يا عمارة إني والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين وأنت له وبعثني في طلبك فاستتري مني فإن تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف بعده ابنه معاوية فأقام الرجل أياماً ثم تلطف بالدخول عليه فشرح له القصة فقال له هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهد الله أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة ونزل قريباً من عبد الله بن جعفر فدخل عليه بعض خدمه، وقال هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل. قال مه أنزلوا الرجل وأكرموا مثواه فأرسل إلى عبد الله أن أذنت لي جُعلت فداك في الدخول عليك دخلت دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج، فأذن له فلما دخل عليه أخبره بالقصة وحلف بالله العظين أنه ما راى لها وجهاً إلا عنده وها هي حاضرة، فأدخلها الدار فلما رآها أهل الدار تصايحوا ونادوا عمارة عمارة، فلما رأت عبد الله خرّت مغشية عليها وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمه ويقول يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله قد علم الله كيف كان الأمر والحمد لله على كل حال ثم أنعم على العراقي وأعطاه عشرين ألف دينار فأخذها العراقي وانصرف وهو شاكر له.

حكاية: قال الأصمعي دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي اكتب يا أصمعي ولو على تكتك أو طرف ثوبك هذا البيت:

عش موسراً إن شئت أو معسراًلابد في الدنيا من الهمِّ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «عش موسرا إن شئت أو معسرا»

قال فكتبت البيت. وعنه أيضاً قال: بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو

يتلهب ويتوقد حرّاً إذ أبصرت جارية سوداء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة مملوءة ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان وتقول:

حر وجد وحر هجر وحرأي عيش يكون ذا أمر

قال فقلت يا جارية ما شأنك؟ فقالت إني جارية لأمير المؤمنين المأمون وأنا أحب عبداً له

أسود وقد هجرني ولا أقدر أن أظهر حبي لأحد. قال فمضيت واستأذنت على المأمون وإذا هو نائم فأذن لي وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان فدخلت عليه وهو في مرقده، فقال ما جاء بك يا أصمعي في هذا الوقت؟ قلت يا أمير المؤمنين أتهب لي جاريتك فلانة السوداء وعبدك الأسود فلاناً، فقال قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت فخرجت من عنده وأحضرتهما وجمعت بينهما بعد أن جمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد، ثم عدت إلى المأمون وقلت له يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني اريد الآن ما أجهزهما به فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه.

النص من طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر (١٣٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.