من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة
قال رجل من بلعنبر أو بني العنبر - فحذف النون ومثله كثير - إسلامي:
(من الضرب الثاني من البسيط والقافية متواتر).
لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهب بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة بانا
مازن من تميم، والموازن في العرب أربعة: مازن قيس، ومازن اليمن، ومازن ربيعة، ومازن تميم، وهو المراد. لم ستتبح: لم تنتهب. اللقيطة: فعيلة بمعنى مفعولة أي ملقوطة. وخشن: جمع خشنٍ، والحفيظة: الغضب في الشيء الذي يجب حفظه، واللوثة: الضعف، واللوث: القوة. المعنى: قال بعضهم: إن هذا القائل كان من بني مازن إلا أنه يعاتب قومه لأنهم تركوا معاونته حتى انتبهت ابله، فيقول: لو كنت منهم لعاونوني، وهذا كما يقول الرجل لابنه: لو كنت أباك
لأطعتني، وقيل: لم يكن من مازن، وهو الصحيح، والأول خطأ لأنه وصف بني مازن بالشجاعة، ووصف قومه بالخشية والإحجام، فدل اختلاف الصفتين على أن أحد الموصوفين غير الآخر.
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاننا
أبدى: أظهر، والزرافات: الجماعات، ووحدانا: واحداً واحداً، أي إذا سمعوا بذكر الحرب أسرعوا إليها مجتمعين ومتفرقين. المعنى: يصف بني مازن بالحرص على الحرب، والإقدام على الشر، يقول: هم قوم إذا اشتدت الحرب أسرعوا إليها غير سائلين من دعاهم لها حجة عليها، ولا باحثين عن سببها، لأن الجبال يتعلل بذلك فيتباطأ عن الحرب.
لكن قومي وإن كانوا ذوى عدد ليسوا من الشر في شئ وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
المعنى: إن بني مازن كما وصفتهم، لكن قومي بني العنبر لا يدخلون في شيء من الشر وإن خف، يغفرون لمن ظلمهم، ويحسدون إلى من أساء إليهم، يصفهم بالجبن وبهوانهم، لأن العرب تتمدح بالظلم، ويرون ذلك منقبة وفخراً.
كأن ربك لميخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
المعنى: يصفهم بالجبن ونهاية الخور، ويقول: كأن الله تعالى لم يخلق أحداً. يخشاه من الناس غيرهم، فلا يؤذون أحداً. وقد زيد في هذه الأبيات ما لم يتضمنه اختيار أبي تمام، ومنها قوله: "فليت لي بهم".
وقال الفند الزماني - جاهلي واسمه شهل بن شيبان الزماني، وليس في العرب
شهل غيره- زمان ابن مالك بن صعب بن علي بن بكر علي علي بن بكر بن وائل- في حرب البسوس, والفند لقب له لأنه قال في بعض الحروب, وقد أحس فشلًا من قومه أنا فند لكم, وهو الجبل, وإنما لقب به تشبيهًا بالجبل.
(من الهزج الأول والقافية متواتر)
صفحنا عن بني ذهٍل وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذي كانوا
قال بعضهم: إنما هو عنى بني هند لأنه لم يكن بين هذا الشاعر وبني ذهل حرب, وقوله: كالذي كانوا قيل: إنه كالذين كانوا, والعرب تقول: الذي بمعنى الذين, وقيل: الذي بمعنى ما لأنك تعبر بهاما عن شيء واحد, وهو أحسن, وشاهده ما أنشده الفراء:
وإن الذي حانت بفلٍج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد.
المعنى: أساءت بنو ذهل أبنو هند إلينا, فتجاوزنا عنهم لما بيننا من الرحم, وطمعنا في أن تردهم الأيام إلى ما كانوا عليه من قبل.
فلما صرح الشر فأضحى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا
مشينا مشيه الليث عدا والليث غضبان
بضرٍب فيه تفجيع وتأييم وارنان
ويروى فيه توهين وتخضيع واقران, وقوله: دناهم كما دانوا, أي
جازيناهم كما فعلوا, وقوله: عدا من العدوان أي مشينا إليهم كما يمشي السد عاديًا غضبان, وزعم الديمرتي أنه غدا- بالغين- قال: لا يجوز عدا إلا إذا كان الليث دائم العدوان, وقال غيره: هو عدا- بالعين- قال: لا يجوز عدا إلا إذا كان الليث دائم العدوان, قال غيره: هو عدا- بالعين- ولا يجوز غدا لأن الليث لا يغدو ثقة بنفسه إلا لصيد لا يفته متى قصده. قال أبو علي الاستراباذي: وقول
الديمرتي إن ((عدا)) غلط لأن الليث دائم العدوان فغلظ أيضًا, لأنه لا يعدو إلا عند رؤية الصيد وقصده, ولا يكون دائمًا قاصدًا للصيد, وإنما يقصد وقت الحاة, وتوهين تضعيف, وتأييم قتل الرجال حتى تبقى النساء أيامي, وتخضيع أي تذليل, وتفجيع من الفجيعة وهي المصيبة, وقوله: إقران قد أكثروا القول فيه, فقيل: معناه الإطاقة من قوله تعالى: ﴾ وما كنا له مقرنين ﴿, وقيل: معناه تذليل من قولهم: أقرن الرمل إذا لأن, ويقال: غلبة من قولهم أقرن فلان إذا غلب, وقيل: أقران مواصلة لا فتور فيها, المعنى: فلما ظهر الشر من بني ذهل كل الظهور, ولم يبق موضع للعذر فعلنا بهم مثل فعلهم في الإساءة, وقصدناهم كما يقصد الليث إلى فريسته غضبان بضرب, وفي ذلك الضرب قتل الرجال في قول من روى تأييم وتفجيع, وتذليل في قول من روى تخضيع, وقد بينا معنى الأقران:
وطعٍن كفم الزق إذا والزق ملآن
إذا: سال, وجرح غاٍذ أو سائل. المعنى: مشينا لهم بضرب كما وصفه, وبطعن واسع الجرح كثير سيلان الدم, وشبه بالزق الممتلئ إذا سال ما فيه:
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
في الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
المعنى: يعتذر لقومه ولنفسه فيما كان منهم من الإساءة لبني ذهل أو بني هند, يقول: احتملناهم فلم يرتدعوا, والحلم عن الجاهل مع إصراره على الإساءة انقياد للذل, وإذا لم يخلصك الإحسان من أذى صاحبك فخلاصك منه في أن تقابله بمثل ما فعله من السوء, فلذلك قابلناهم بالقتل.
وقال أبو الغول الطهوي, وهو منسوب إلى طهية- قبيلة- إسلامي.
(من الوافر الأول والقافية متواتر)
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني
فوارس لا يملون المنايا إذا دارت رحى الحرب الزبون
الزبون: الدفوع من الزبن وهو الدفع, ويروى ((الطحون)) أي كثير الطحن. المعنى: نفسي ومالي فدى لفوارس صدقوا ظنوني في ثباتهم في الحرب ودفعهم للعدو, وهم لا يملون الموت والجرح إذا اشتدت الحرب ويروى ((صدقت فيهم ظنوني)).
ولا يجزون من حسٍن بسيٍء ولا يجزون من غلٍظ بليٍن
المعنى: يصفهم بالشجاعة والشدة, ومقابلتهم الناس بما يستحقون أي لا يحسنون إلى من لا يحسن إليهم, ولا يلينون لمن لا يلين لهم.
ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينًا بعد حين
المعنى: يصفهم بالشجاعة والثبات على الشدة, وإن معاودتهم الحرب بعد الحرب لا تضعف جلادتهم, ولا تنقص شجاعتهم.
هم منعوا حمى الوقبى بضرٍب يؤلف بين أشتات المنون
فنكب عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون
الوقبى والقلهي مقصوران: موضعان لبني تميم, ويقال: القبى. المعنى: هؤلاء الفارس الذين فداهم حفظوا حمى الموضع الذي يسمى الوقبى بضرب هلكت به جماعة, لولاه لماتوا في مواضع متفرقة وأوقات مختلفة, فبعد عنهم ذلك الضرب قصد الأعادي, وعالجوا من إساءة القوم إليهم بمثلها.
ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا أرض الهدون
الهدون: السكون, ومنه سمي الصلح هدنة, لما فيه من السكون, (ويروى) ((ولا روض الهدون)). المعنى: يصفهم بالشجاعة وقلة الميل إلى طلب الراحة, يقول: لا يرعون نواحي الدعة والسكون إذا نزلوا.
وقال جعفر بن علبة, إسلامي وجعفر نهر وجمعه جعافر, وعلبة هي المحلب وجمعها علب.
(الثاني من الطويل والقافية متواتر)
ألهفى بقرى سحبٍل حين أحلبت علينا الولايا والعد المباسل
قرى: موضع, سحبل: واد عظيم, كانت فيه وقعة لبني الحرث بن كعب, وأحلبت: أعانت, ويروى ((أجلبت)) بمعنى شغبت والولايا: العشائر
ومن يقرب, وأصله من الولي وهو القرب, وقيل: الولايا: النساء لأنهم كانوا يحملون أهلهم معهم إلى الحرب إذا أرادوا الثبات فيها, فعلى هذا يكون معناه أعانت نساؤنا أي منعتنا من الانصراف عن الحرب مخافة أسرهن, والمباسل: الشجاع, ورد إلى اللفظ فلهذا وحد. ويروى بدل الولايا الموالي وهم بنو الأعمام. المعنى: دعوت لهفي بقري سحبل حين أعانت عليها عشائرنا.
فقالوا لنا ثنتان لابد منهما صدور رماح أشرعت أسلاسل
فقلنا لهم: تلكم إذا بعد كرٍة تغادر صرعى نوؤها متخاذل
لنا ثنتان: يريد خصلتان, نوؤها أي نهوضها, وكل نهوض بلا سرعة فهو نوء. المعنى: إذا العشائر والأعداء هددونا وقالوا: لابد من أن نقتلكم بالرماح طعنًا أو نجمعكم في السلاسل شدًا أجبناهم بأن ذلك إنما يكون بعد عطفة وحملة منا عليكم يكثر منها قتلى وجرحى لا يستطيعون القيام.
ولم ندر أن جضنا من الموت جيضًة كم العمر باٍق والمدى متطاول
جضنا: عدلنا, وجاض إذا عدل, وكذلك جاض إذا عدل, المعنى: يقول: ثبتنا لمناولتهم ولم ندر إن عدلنا عن الحرب كم يكون بقاؤنا في الدنيا, والزمان طويل نذكر فيه بما يكون منا, فلم نؤثر ذم الدهر بعيش.
إذا ما ابتدرنا مأزقًا فرجت لنا بأيماننا بيض جلتها الصياقل
المعنى: نحن مشهورون بالنجدة والبأس فإذا استبقنا إلى مضيق في الحرب انكشفت الناس لنا خوفًا من سيوف بأيماننا.
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبٍل ولي منه ما ضمنت عليه الأنامل
المعنى: حديدة سيفي لأعدائي يوم الحرب ببطحاء سحبل. ومضبضه لي, فيكون مقبضه في يدي ونصله فيهم.
وقال أيضًا:
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية متدارك)
لا يكشف الغماء إلا ابن حرٍة يرى غمرات الموت ثم يزورها
قوله: إلا ابن حرة أي لم تلده أمة, والعرب تمدح أولاد الحرائر لأن أنفتهم عظيمة. المعنى: لا يكشف الأمر الشديد عن القوم إلا كريم الطرفين يرى شدائد الحرب ثم يقصدها بسيوف مصقولة غير مفكر فيها.
نقاسمهم أسيافنا شر قسمٍة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
المعنى: نجعل أسيافنا بيننا وبينهم, فنعطيهم عنها شر قسمة بأن نجعل أغمادها علينا وحدائدها فيهم.
وقال أيضًا وكان محبوسًا:
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية متدارك)
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
مصعد: أي ذاهب مسرعًا, وهذا الرجل كان مقيدًا بمكة قومًا يقصدون اليمن فقال هذا. والمعنى: هوى قلبي مع القوم المتوجهين إلى اليمن ذاهبًا معهم وجسمي موثق بمكة.
عجبت لمسراها وأني تخلصت إلى وباب السجن دوني مغلق
عجبت لمسراها وسرب سرت به تكاد له الأرض البسيطة تشرق
المعنى: إن هذا الشاعر المحبوس رأى خيال صاحبته في النوم فقال: عجبت لمجيئها ليلًا, وعجبت للظباء التي مرت بها, وهي تكاد الأرض تضيء بضوئها أي أنها قطعت إلى المفاوز ليلًا, يتعجب لمجيئها من أرض اليمن إلى مكة.
أتتنا فحيت ثم قامت فودعت فلما تولت كادت النفس تزهق
تزهق: أي تخرج وتزول. المعنى: يصف مجيء خيالها وسرعة زوالها وشدة الأسف على فراقها حتى كادت نفسه تزهق لذلك, ويروى ((ألمت)).
فلا تحسبي أني تخشعت بعداكم لشيٍء ولا أني من الموت أفرق
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
ولكن عرتني من هواك صبابة كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
ويروى ((ولا أن قلبي يزدهيه)) ويروى ((ولا أنا مما تزدهيه ضمانة)), وقوله: يزدهيها أي يستخفها. المعنى: يصف جلادته إلا في هواه يقول: لا تحسبيني متخشعًا بعد فراقكم لشيء ولا حذرًا من الموت, ولا محتفلًا بوعيد قومك, ولا زائل العقل لأجل الحبس والقيد, ولكن أصابني وأنا محبوس ما كان يصيبني من هواك وأنا مطلق فتخشعت لهواك لا للقيد والحبس.
وقال أبو عطاء السندي, إسلامي, واسمه أفلح, ويقال: مرزوق, وهو أصح:
(من الضرب الأول من الطويل والقافية من المتراكب)
ذكرتك والخطي يخطر بيننا وقد نهلت مني المثقفة السمر
المعنى: يصف صدق هواه لمن يحبها يقول: ذكرتك في الحرب عند المطاعنة وقد كثرت الجراحات فيما بيننا, وذلك وقت يذهل فيه الإنسان إلا عن نفسه يقول: لم أنسك في هذا الوقت لفرط محبتي لك.
فوالله ما أدري وإني لصادق أداء عراني من حبابك أم سحر
فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى وإن كان داًء غيره فلك العذر
حبابك: مصدر حاببته, ويروى ((جنابك)) أي من عندك. المعنى: يقسم بالله يقول: ما أدري إن الذي أصابني سحر وخديعة من جهتك أو داء من جهة غيرك, فإن كان سحرًا فاقبلي عذري, فأنت سحرتني, وإن كان داء فأنت معذورة لأنه ليس منك.
وقال بلعاء بن قيس الكناني مخضرم, وبلعاء لقب به لقوله: ((كأنما طعاما فابتلع)) واسمه خميصة.
(من الضرب الأول من البسيط والقافية متراكب)
وفارٍس في غمار الموت منغمٍس إذا تألى على مكروهٍة صدقا
غشيته وهو في جأواء باسلٍة عضبًا أصاب سواء الرأس فانفلقا
بضربٍة لم تكن مني مخالسًة ولا تعجلتها جنبا ولا فرقا
الجأواء: الكتيبة الكثيرة السلاح, وسواء الرأس: وسطه. المعنى: رب فارس داخل في زحمة الحرب إذا حلف على أمر شديد صدق لشجاعته ضربت وسط رأسه سيفًا قاطعًا فانفلق به من ضربة لم اختلسها لتمكني منها, ولم استعجلها من جبن ولا فرق, ولم اضربه وحده وإنما كان في جمع كثير من الشجعان الكثيرة الأسلحة.
وقال ربيعة بن مقروم الضبي, مخضرم, والربيعة: بيضة السلاح, والمقروم البعير يقرم أنفه بمروة أي يحتز, والربيعة أيضًا الحجر الذي يرتبع لامتحان القوة. وعن ابن الأعرابي هي المرأة القصيرة.
(من الضرب الأول من الكامل والقافية متدارك)
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها بسليم أوظفه القوائم هيكل
فدعوا نزال فكنت أول نازٍل علام أركبه إذا لم أنزل
الهيكل: الطويل إلى السماء, ونزال لفظه تستعملها العرب في الحرب وهو
الأمر. المعنى: لقد حضرت الفرسان عن المطاردة بفرس طويل لا عيب في قوائمه. فصاح الناس نزال فسبقتهم إلى النزول لأني كنت أحرصهم على الحرب, وأقلهم فكرًا بالموت, ثم قال: وعلى أي شيء أركب إذا لمن أنزل وقت الحاجة إلى النزول في الحرب.
وألد ذي حنٍق علي كأنما تغلي عداوة صدره في مرجل
أرجيته عني فأبصًر قصده وكويته فوق النواظر من عل
أي رب حنٍق علي تغلي في الصدر عداوته كما يغلي الماء في المرجل, أرجيته: أخرته, فأبصر مقصده: أي ولي فانهزم حتى ضربته بالسيف من علو هامته وهو مدبر.
وقال سعد بن ناشب المازني, مازن تميم, إسلامي, وناشب فاعل من نشب إذا علق.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سأغسل عني العار بالسيف جالبًا على قضاء الله ما كان جالبا
المعنى: أزيل العار عن نفسي بأن أعمل سيفي فيمن يروم ظلمي فادفعه ما دفعه به عني, ولا أنقاد لظلمه غير مبال بما يجلبه قضاء الله.
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذمة حاجبا
المعنى: أن هذا الرجل كانت له دار موروثة, وكان يلحقه من قومه ضيم, وقدروا أنه يحتمل ولا يفارق داره فقال: اصرف قلبي عن داري واتركها تهدم, وذلك أهون علي من أن أقيم عليها معترفًا بالذل فأذم به, فاجعل هدم داري مانعًا لي من مذمة باقية كي لا يقال: إنه أقام على الذل ضنا بداره.
ويصفر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
المعنى: يستهين بالمال المتوارث, وهو أعز عندهم من المستطرف ويقول: لا أبالي بذهاب أنفس الأموال إذا أدركت ما طلبته.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراث كريٍم لا يبالي العواقبا
أخي غمراٍت لا يريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبا
ويروى ((أخي عزمات)). المعنى: أنا مفارقكم ولا أعرج على داري, فإن هدمتموها غدرًا فإنها أرث كريم لا يفكر في عواقب الأمور, يمضي لما يعزم عليه, ولا يريد صاحبًا يعينه على ما يهتم به من صواب الأمور:
إذا هم لم تردع عزيمة همه ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
المعنى: يصف نفسه بالجرأة والأقدام على ما يعزم عليه, ولا يثنيه دونه شيء.
فيا لرزاٍم رشحوا بي مقدما إلى الموت خواضًا إليه الكتائبا
ويروى ((الكرائبا)) ويروى ((قدروني مقدما)). المعنى: يقول: لرزام واعدًا لهم ما يراه في نفسه من القوة والجرأة, قدروني مقدما إلى الحرب دخالًا في جماعة الفرسان في القتال, فاني أهل لذلك.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
المعنى: يصف نفسه إذا عزم على شيء صمم عليه وتبع مراده إلى أن يظفر به, ولا يفكر في العواقب, ويستبد برأي نفسه, ولا يستعين إلا بسيفه.
وقال تأبط شرًا واسنه ثابت بن جابر, جاهلي, وإنما سمى تأبط شرًا لأنه يأخذ تحت ابطه سيفًا إذا أراد أن يقتل رجلًا, فقالت أمه: تأبط شرًا, فلقب به, وقيل: إنه قتل غولًا, وجاء برأسه تحت إبطه, فقيل: جاء تأب شرًا فلزم به هذا اللقب, والأول أثبت.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول إذا سد منه منخر جاش منخر
ويروى ((ما عاش قلب)). حول: كثير الحيلة, وقلب: كثير التقلب, جاش منخر: أي ظهر. المعنى: إذا ترك المرء الحيلة وقد اشتد به الأمر أضاع أمره, واحتمل الشدة ثم لم يفلح, ولكن الحازم الذي ينظر في العواقب, خير في زمانه فلا يضيع, ومتى سد عليه ما ظهر له طريق آخر يتخلص منه.
أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الجحر معور
هما خطتا إما إسار ومنهوإما دم والقتل بالحر أجدر
وأخرى أصادي النفس منها وإنها لمورد حزٍم إن فعلت ومصدر
الوطاب: أوعية اللبن يهدي فيها اللبن إلى المسالم, معور: ظاهر العورة والخلل, إما أسار ومنة- بالرفع والخفض- فمن خفض فإنه أضاف ولم يعبأ بإما فاصلة, ومن رفع أراد خطتان فحذف النون والمراد ثبوتها والعرب تفعل ذلك. المعنى: أقول للحيان وقلبي خال من مودتهم ويومي شديد, هما أمران إما أسر ومنة وإما قتل والقتل أولى بالحر, وأمر أخر أدبره وفيه أول الحزم وأخره, يعني صب العسل على الصخر والخلاص به.
فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ عبل ومتن محضر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحًة والموت خزيان ينظر
عبل: ضخم عظيم, خزيان: مستحي لأنه طمع أن يحتوي علي. المعنى: لما دبرت في الخطة الأخرى وبلغت قرار الأرض من غير خدشه أصابت صدري, ووصف صدره بالعبالة ومتنه باللطافة.
فأبت إلى فهٍم ولم أك آبيا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
ويروى ((ولم آل آبيا أي رجعت إلى عقل, ولم آل: لم أقصر, يحتمل رجعت إلى قبيلتي التي هي فهم, وقوله: وهي تصفر من الصفير يعني المنية لما أعجزتها من أن تلحقني جعلت تصفر أسفًا وخجلًا, ومن عادة العرب إذا فاتهم شيء إن يقولوا: هو هو ثم يصفرون من خلفه بمعنى أنه بعد. المعنى: نجوت من تلك الورطة وعدت إلى قبيلتي وكم محنة مثل هذه المحنة فارقتها ونجوت منها وتركتها.
وقال أبو كبير الهذلي واسمه عامر بن حليس, جاهلي.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد سريت على الظلام بمغشٍم جلٍد من الفتيان غير مثقل
صعب الكريهة لا يرام جنابه ماضي العزيمة كالحسام المقصل
المغشم: الذي لا يبالي ما يفعله, وهو الغشوم أيضا، وجلد أي شديد صلب. المعنى: يصف جرأته وسراه برفيق جلد.
ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبل
كنى عن النساء ولم يتقدم لهن ذكر, والعرب تفعل ذلك إذا لم يشكل, والحبك: جمع الحبيك والحبيكة, وهو ما تكسر من ثوب أو ماء, وقيل: جمع الحباك وهو الأزار, فشب: ارتفع يعني رفيقه. غير مهبل: أي غير ملعن لأن العرب تقول لمن تسترذله: هبلته أمه وأمه هابل, يقول: صاحبي ليس ممن يقال له: هبلته أمه أي ثكلته لأنه محمود الطرائق, ممن حملن به يعني أن أمه حملت به في ليلة الزفاف وهي في ثياب زينتها, لأن النطاق ليس من ثياب من يخدم ويعمل. والعرب تقول: إن الحمل إذا كان ليلة الزفاف كان الولد أنجب. المعنى: أن صاحبي الذي سريت به كان ممن حملت به أمه ليلة الزفاف فجاء نجيبًا.
ومبرٍأ من كل غبر حيضٍة وفساد مرضعٍة وداٍء معضل
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به ببراءته من كل عيب يكون من جهة الأمهات, ويروى ((وداء مغيل)).
حملت به في ليلٍة مزؤودٍة كرهًا وعقد نطاقها لم يحلل
فأنت به حوش الفؤاد مبطنا سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
مزؤودة: مذعورة, ويروى بالنصب والخفض, والنصب على الحال, وحوش الفؤاد أي خفيف الفؤاد, سهدًا قليل النوم, والهوجل: الأحمق الثقيل.
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بأن أمه حملته وهي خائفة مكرهة, وكذلك تكون المرأة ليلة الهواء, ثم ولدته خفيف الفؤاد وقليل النوم لأن ثقيل النوم يصعب عليه السرى.
فإذا نبذت له الحصاة رأيته فزعا لوقعتها طمور الأخيل
الطمور: الوثب, والأخيل: الشقراق, ولا يكون في الطير أشد حذرًا منه, ونصب ((طمورًا)) لأنه كمن قال: (يطمر طمور الأخيل) يطمر طمور الأخيل لأن الفزع يقتضي النفر. المعنى يصف صاحبه بفرط التيقظ, ويروى ((ينزو لوقعتها)).
وإذا يهب من المنام رأيته كرتوب كعب الساق ليس بزمل
الرتوب: الثبات, والزمل: الضعيف. المعنى: يصف صاحبه بالجدة والشدة وقلة الفتور والكسل.
ما إن يمس الأرض إلا جانب منه وحرف الساق طي المحمل
أي ليس هو ممن يتقلب على الأرض إذا نام, وإنما ينام على جانب واحد, ويريد بالمحمل حمالة السيف معناه طوي هو طي المحمل. المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بشدة النفس وصلابة الأعضاء.
وإذا رميت به الفجاج رأيته يهوى محارمها هوى الأجدل
المعنى: يصف صاحبه الذي سرى به بالخفة والسرعة, وحسن الطاعة فيما توجه له.
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
الأسرة: الخطوط. المعنى: يصفه بطلاقة الوجه.
وقال تأبط شرًا, جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
إني لمهٍد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك
أهز به في ندوة الحي عطفه كما هز عطفي بالهجان الأوارك
المعنى: إني قاصد شمس بن مالك بمدحي, ندوة الحي: مجلسهم ومحدثهم, والعطف: الجانب, والأوراك من الإبل: التي ترعى الأراك واحدها آرك. المعنى: أفرح ابن عمي بالمدح حتى يرتاح له كما فرحني بالإبل الكرام أعطانيها.
قليل التشكي للمهم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك
المعنى: يصفه بقلة الجزع والشكوى من الأمر المهم إذا أصابه. يصفه بكثرة الإرادات واختلاف طرقه ومذاهبه.
يظل بموماة ويمسي بغيرها جحيشًا ويعرورى ظهور المهالك
الموماة: المفازة أي يكون نهاراً في مفازة، وجحيشاً أي بعيداً ويعرورى ظهورها: يدخلها بغير دليل. المعنى: يصفه بكثرة سلوك المفاوز وسرعة قطعه إياها.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي بمنخرقٍ من شده المتدارك
ينتحي: يقصد، المتدارك: المتوالي. المعنى: يصف سرعة عدوه إذا عدا حتى انه يسبق الريح.
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل له كاليء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبهإلى سلة من حد أخلق باتك
الكاليء: الحافظ، وشيحان: جاد مجد، والفاتك؛ الذي يفتك بعدوه أي يقتله ويروى ((حاص عينيه)) وعناه خاط. المعنى: يصف قلبه حتى انه لينام بعينيه ويحفظ نفسه بقلبه أي لا يغفل عما يحدث.
إذا طلعت أولى العدي فنفره إلى سلة من صارم الغرب باتك
إذا هزه في عظم قرن تهللت نواجذ أفواه المنايا الضواحك
العدي: الرجالة سموا بذلك لأنهم يعدون كأنه جمع عاد كغاز وغزى، والسلة استلال السيف، والباتك: القاطع أي كأن المنية تضحك عند سل هذا السيف سروراً. المعنى: يصفه بالجرأة يقول: إذا ظهر أول أصحاب الحرب لم يفزع إلا إلى سيف قاطع متى ما هزه في عظم شجاع حل به الموت.
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
أم النجوم قالوا: المجرة لأنها تجمع النجوم كالأم لها، وقوله: يرى الوحشة الأنس الأنيس يفسر على وجهين أحدهما: أنه قد اعتاد سلوك المفاوز والتوحش على الناس فقد استأنس بالوحدة، والآخر أنه كثير الأعداء لكثرة ما أغار على الناس وانتهت أموالهم، فهو يستوحش إذا رأى الناس، وهذه عادة اللصوص. والأول أجود لأن في الثاني معنى الجبن. المعنى: يصفه بأنه اعتاد سلوك المفاوز ويهتدي فيها إلى ما يهتدي اليه النجوم.
وقال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال: انها لبشامة بن حزن النهشلي وقال البرقي: أنها للمرقش، والقيس مصدر قاس: والبشامة شجرة: والمرقش المزين من الترقيش وهو التزيين:
(الأول من البسيط والقافية متواتر)
إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
وأن دعوت إلى جلي ومكرمة يوماً سراة كرام الناس فادعينا
المعنى: يصف نفسه وقومه بالكرم والغناء والكفاية في دفع الأمر العظيم والإغاثة لمن استنجدهم وافتتح كلامه بالتحية فجمع في البيت الغزل والفخر.
إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
نصب بني نهشل على التحصيص والمدح. المعنى: يفتخر بابيه ويقول: أبونا نهشل في الجلالة بحيث لا نبغي العدول عنه في الافتخار، فلا نطلب بدلاً عنه، ولا هو يبيعنا بأبناء غيرنا، ولا يطلب منا بدلاً لما من المناقب.
إن تبتدر غاية يوماً لمكرمةٍتلق السوابق فينا والمصلينا
المعنى: يصف نفسه وقومه بنهاية الكرم وسبق الناس فيه.
وليس يهلك منا سيد أبداً إلا افتلينا غلاماً سيداً فينا
افتلينا: فطمنا، وأصله القطع، وهو افتعل من فليت رأسه بالسيف وفلوته إذا ضربت به، والمهر فلو حين يفطم عن أمه. المعنى: يقول: أن السيادة فينا عريقة لا يهلك سيد إلا وفينا من يصلح للسيادة، فلا تزول السيادة عنا.
إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ولو نسام بها في الأمن اغلينا
أي نجعل أنفسنا رخيصة. المعنى: أنا نجود بأرواحنا يوم الحرب، وفي غير الحرب يصعب الوصول اليها، لأن القتل في الحرب مفخرة وفي غيرها مذلة.
بيض مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
ويروى ((بيض مغارفنا)) جمع مغرفة. ومن رواه قال: هذا أولى لمشاكلته ما بعده. واختلف في ((بيض مفارقنا))، فقال بعضهم: معناه نحن أصحاب حروب، فقد شابت مفاقنا من كثرة الشدائد التي مرت عليها، وقيل: معناه نحن كرام نكثر
استعمال الطيب فابيضت لذلك لأنه يقال: من أكثر استعمال الطيب أسرع الشيب إليه. وقيل: نحن مكشوفو الرأس لا عيب فينا، فعبر عن النقاء بالبياض، والعرب تقول في مدح الرجل، أبيض، وقيل: معناه نحن كرام فشابت مفارقنا دون القفا لأنه يقال: شيب الكرام يبدو في المفارق كما قال الشاعر:
يشيب لئام الناس في نقرة القفاوشيب كرام الناس يعلو المفارقا
وقيل: المفارق ها هنا مفارق الطرق يقول: قد ابيضت مفارق الطرق التي تؤدي إلى رحالنا لكثرة ما ينتابنا من الضيفان، فهي بيض لائحة، وهذا الوجه أولى لمشاكلته ما بعده وهو قوله: ((تغلي مراجلنا)) وقوله: ((نأسو بأموالنا))، أي نعطي جنايات أيدينا من قتل وجرح، فلا نمكن أحداً من قصاصنا، وقيل: معناه من يقتل من أصحابنا معنا في الحروب لا نضيعه في أهله وحرمه، وقيل: ندفنهم أن ماتوا ونأسوهم أن جرحوا، قاله أبو سعيد السيرافي: وهو بعيد. المعنى: يفتخر بالكرم والعزة والمنعة.
إني لمن معشر أفنى أوائلهم قول الكماة ألا أين المحامونا
المحامون: المحافظون. المعنى: إني من الشجعان الذين هلك أولوهم في إجابة دعاء الشجعان إذا استغاثوهم، وبالغ في قوله: ((قول الكناة)) لأنه جعل الكماة تستصرخهم.
لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس خالهم إياه يعنونا
المعنى: قد شهرنا بالفروسية حتى إذا كان الواحد منا بين جمع كثير، فنودي من فارس ظن أنه هو المدعو.
إذا الكماة (تنحوا) أن ينالهم حد الظبات وصلناها بأيدينا
المعنى: يصف جرأتهم وإقدامهم إذا أحجمت الشجعان وجبنت.
ونركب الكره أحياناً فيفرجه عنا الحفاظ وأسياف تواتينا
نركب الكره: أي نأتي الأمر الشديد تكرهه الناس. المعنى: يقول: نحن نأتي الأمور الصعاب التي تكرهها النفوس فيكشفه عنا قيامنا برعاية الحرم وضربنا بالسيوف التي تمضي في الضرائب.
وقال قطري بن الفجاءة، القطري، منسوب إلى موضع يقال له: قطر، والفجاءة: البغتة:
(من الضرب الأول من الوافر والقافية متواتر)
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لا تراعي
فانك لو سألت بقاء يومٍ على الأجل الذي لك لن تطاعي
لها: يعني النفس، والشعاع: المتفرق، لا تراعى: من الروع. المعنى: يذكر تشجيعه نفسه، وتعريفه إياها بعد ما استشعرت الفزع أن الأجل مقدر، وأن الزيادة لا تلحقه.
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي وداعيه لأهل الأرض داع
أخي الخدع: الذليل، واليراع: الرجل الذي لا قلب له جبان تشبيهاً بالقصبة. المعنى: يشجع نفسه ويبين أن أحداً لا يخلد في الدنيا، ولا بد من الموت وأن البقاء ليس بمجد فيمنع الذليل الجبان.
وما للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع
أي من لم يمت شاباً مات هرماً، يقال: اعتبط الرجل إذا مات في شبابه أي يسأم ما يعتريه فحذف مفعول يسأم وهو ما يعتريه. المعنى: يشجع النفس ويشعرها أن قصاراها الموت على كل حال، والسقط رديء المتاع.
قال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وتروى للسموءل بن عادياء
اليهودي، السموءل- بالهمز- طائر، وبغير الهمز الحجر، وعادياء فاعلاء من العدو، وهذا الشاعر يضرب به المثل في الوفاء فيقال: ((أوفي من السموءل)) لأن امرأ القيس بم حجر أودعه ودائع، لأنه كان في حصن حصين، فجاء أعداء امرئ القيس فطالبوه بالودائع وأسروا ابناً له وقالوا: أن أخرجت الينا الودائع [رددناه إليك] وإلا قتلناه، قال: لا أردها إلا على صاحبها، فذبح ابنه وهو ينظر إليه لم يخرج اليهم ودائع امرئ القيس.
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
المعنى: إذا سلمت النفوس من اللؤم لم يقبح صاحبها خلوقة الثياب.
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
المعنى: إذا لم يحصل الرجل على نفسه ما يلزمه من مؤن الناس لم يثن عليه، وإنما يكثر الثناء عليه إذا سمح لهم بماله وأغضى لهم جفونه.
تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا شباباً تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل
تعيرنا: أي الجارية. المعنى: يقول: عابتنا هذه الجارية بقلة عددنا فأجبتها بأنا كرام والكرام قليل أي جمع قليل، وما ضرنا قلة عددنا مع كمال عزتنا، حتى يعز المستجير بنا، مع ذل المستجير بغيرنا: والكرام وأن كان جمعاً فأنه يجيء على بنائه اسم الواحد مثل حمار وصراط وغيرها، وكل ما هذا سبيله جاز رده إلى اللفظ والمعنى.
لنا جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجم فرع لا ينال طويل
لا ينال: يعنى به الجبل، وإنما هو مثل ضربه للعزة والمنعة أي من أجرناه، فكأنما حصل على جبل بهذه الصفة لا يناله أحد. يحتله: ينزله، وهو يفتعل من الحلول، وقوله: يرد الطرف وهو كليل أي يرجع الطرف كليلاً أي ضعيفاً، ولا يبصر فرع ذلك الجبل. المعنى: يصف عزهم وأن من أجاروه لا يقدر عليه، كما لا يقدر على من حصل على الجبل الذي ضربه لعزهم مثلاً.
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول
المعنى: يصف نفسه وقومه بالجرأة، ويرمي عامراً وسلولاً بالجبن، ويروى ((نحن أناس ما نرى القتل)).
يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول
المعنى: يقول: نحن من شجاعتنا نحرص على القتل ولا نبالي بالموت فلا تطول أعمارنا لذلك، وعامر وسلول من الجبن يكرهون الموت فيعمرون طويلاً، ويروي ((يقصر)).
وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا وليست على غير الظبات تسيل
ويروي ((سيد في فراشه)) ويروي ((على غير السيوف تسيل)). المعنى: بين في البيت الأول أنه ما مات أحد منهم حتف أنفه أي على فراشه: ويروى ((في فراشة)) ولم يقل كيف مات لأنه يعلم أنه من لم يمت على هذه الجهة مات قتلاً، فبين شجاعتهم في المصراع الأول، ودل على عزهم ومنعتهم في المصراع الثاني بقوله: ولا طل منا، لأن الذليل لا يقدر على الانتقال وطلب الثأر، وبين في الثاني وجه موتهم أنه قتل بالسيوف، فمعنى البيتين وصف الشجاعة.
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا اناث أطابت حملنا وفحول
علونا على خير الظهور وحطنا لوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا كهام ولا فينا يعد بخيل
أطابت حملنا: على ظهر صحيح بنكاح صحيح من غير سفاح، أي كنا في خير أصلاب ثم حصلنا في خير أرحام أي أنهم كرام الآباء والأمهات، ومعنى حطنا انزلنا، فنحن كماء المزن لأن ماءه أطهر المياه، ويجوز أن يريد به السخاء أي نحن كالغيث ننفع الناس. المعنى: يصف نفسه وقومه بالسلامة من العيوب، ويصفهم بطيب المولد، وكرم الآباء والأمهات، وأنهم في الصفاء والسخاء كماء المزن، ليس في جملتهم من يذكر بعيب.
وننكران شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيدقؤول لما قال الكرام فعول
المعنى: يصف انقياد الناس لهم وعراقتهم في السيادة وأنهم لا يخلون من سيد يوفى على السيادة قولًا وفعلًا، ويروى "قضى قام سيد".
وما أُخمدت نار لنا دون طارق ولا ذمنا في النازلين نزيل
يقول: نحن كرام لا نصرف الضيف عنا بإخماد نارنا، لأن اللئيم يخمد ناره كي لا يهتدي إليه ويقول: نحن نكرم الزوار والأضياف، ولا يذمنا أحد ارتحل عنا. المعنى: يصف قومه بالكرم وحسن القرى.
وأيامنا مشهورة في عدونا لها غرر معروفة وحجول
ويروي "لها غرر معلومة"، وغرر وحجول أي علامات تعرف بها كما يعرف الأغر المحجل، وأيامنا: أي وقائعنا، وأيام العرب: وقائعهم التي كانت بينهم. المعنى: يصف قومه بكثرة النكاية في عدوهم، فإن آثارهم في الحرب ظاهرة لا تخفي.
وأسيافنا في كل شرق ومغرب بها من قراع الدارعين فلول
معودة ألا تُسل نصالها فتُغمد حتى يُستباح قبيل
ويروى "أن لا تسل" يصفهم بضرب السيوف واعتياد الظفر. يقول: أسيافنا منفلة من كثرة ضربنا أصحاب الدروع، وقد عودناها ألا نخرجها من أغمادها فنردها إليها إلا بعد قتل جماعة مختلفين.
سلي إن جهلت الناس عنا وعنكم فليس سواءً عالم وجهول
فإن نبي الديان قطب لقومهم تدور رحاهم حولهم وتجول
ويروي "سلي إن جهلت الناس عنا فتخبري". المعنى: يصف قومه بني
الديان بأنهم أعز قبائلهم وأكرمهم وأمكنهم من الرياسة، ويقول للجارية التي عيرتهم قلة عددهم: سلي الناس لتعلمي أن الأمر كما أخبرتك.
وقال الشميذر الحارثي، مخضرم، والشميذر: السريع، وقال البرقي في أن اسم هذا الشاعر الشميذر، والشميذر دابة، ذكره ابن دريد، وتروى لسويد ابن صميع المرثدي، وسويد تضغير أسود مرخمًا، وصميع تصغير أصمع، وهو اللطيف الأذن.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
في دفنتم القوافيا قولان: أحدهما أنكم انهزمتم بصحراء الغمير ولم تفعلوا بها ما استوجبتم به المدح، فلا تذكروا الشعر فليس لكم ما تفتخرون به بعد هذه الوقعة. والآخر: أنه قتل شاعرهم بصحراء الغمير أي لا تتكلفوا ما لستم من أهله. المعنى: يزجرهم عن قول الشعر ليعريهم عن استحقاق المدح.
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلة فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا
ولكن حكم السيف فيكم مسلط فنرضى إذا ما أصبح السيفا راضيا
تصيبون سلة: أي تقتلون سرقة لأنهم كانوا قتلوا أخا هذا الشاعر، فأخذ
ديته ثم قتل قاتله، ويقال: أسل فلان إذا سرق، وقيل: سلة معناه فردًا أي سلولا عن أصحابه، والأول أجود. المعنى: إنا نقتل جهارًا لثقتنا بأنفسنا ونحكم السيف فيكم ضربًا إلى أن ينفل، ولسنا مثلكم قتلتم منا سرقة، ولا نقبل الضيم، ولا نرضى بقول الحكم.
وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا بني عمنا لو كان أمرًا مدانيا
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا
جرت الحرب: أي جنت والجريرة الجناية، والمداني المقارب وفي "أسأنا التقاضيا" قولان أحدهما: القتل بعد أخذ الدية، والآخر قتل جماعة لواحد، ويحتمل أن يكون المعنى قتلنا واحدًا بواحد، وأسأنا بذلك عندهم، ولم نظلم لأن القصاص العدل، وهو أولى لئلا ينقض قوله: "فلم نكن ظلمنا". المعنى: يصف تحزنه بما أسفرت الحرب عنه من قتل أقاربه، وينفي عنه الظلم لأنه كان قصاصًا.
وقال وداك بن ثميل المازني، ثميل تصغير ثمل وهو السكران ويقال: نميل - بالنون - تصغير نمل، إسلامي.
(من الضرب الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
رويدًا بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدًا خيلي على سفوان
تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغي إذا ما غدت في المأزق المتداني
عليها الكماة الغر من آل مازن أولات طعان عند كل طعان
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم على ما جنت فيهم يد الحدثان
على ما جنت فيهم يد الحدثان يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون على متصلة بنفس الصبر كقولك: عجبت من صبره على الضرب. والآخر: أن على معنى مع، وسفوان ماء من البصرة على ستة أميال، وكانت بنو شيبان توعد تميمًا وتزعم أن سفوان لهم، وأرادوا إجلاء بني مازن ومن كان معهم من تميم عنه، والمأزق المتداني: هو المضيق في الحرب، وأولات طعان: أصحاب طعان. المعنى: تأنوا يا بني شيبان ولا تعجلوا فستجيئكم خيلي معتادة الحرب عليها أبطال طاعنون فتعرفوا صبرهم على الحرب.
مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل دقيق الشفرتين يمان
المعنى: يصف قومه بأنهم الكماة الطاعنون عند الطعان، الضرابون بالسيوف اليمانية، ويجمعون بين الطعن والضرب.
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان
المعنى: يقول: من حرصهم على الحرب إذا استنصرهم صارخ ودعاهم إلى الحرب لم يطلبوا علة يتأخرون بها عن الحرب، فيقولون لأنه حرب دعونا وأين القوم؟ ولكن يستبقون إليها حرصًا عليها.
وقال سوار بن المضرب السعدي، سعد بني تميم، وسوار من السورة وهي الوثبة، إسلامي.
(من الضرب الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فلو سألت سراة الحي سلمى على أن قد تلون بي زماني
لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي فكل قد بلاني
بذبي الذم عن حسبي بمالي وزبونات أشوس تيحان
على أن قد تلون بي زماني: أي مع أن زماني قد غيرني عما كنت عليه من الجلادة، الزبونات: الدفاعات يعني الحملات والزبن الدفع والأشوس: الذي ينظر إلى جانب تكبرًا، والتيحان: النشيط يعني فرسه، يروي "وهمتي ناب أشوس" فيكون أشوس نعتًا لعدوهم، وألهتهم: الكسر يصف نفسه بالكرم والغناء ويقول: لو سألت هذه الجارية كرام الحي مع تغير الزمان لخبرها كرام قومي وأعدائي بأني أذب الذم عن حسبي بمالي وبحملات فرس كريم نشيط.
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع