من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)
الفلك الدائر على المثل السائر (٦)
أقول: إنا قد ذكرنا تسمية الجزء بالكل كيف يكون، وضربنا لذلك مثالا، فأما هذا الذي ذكره فإنه شيء غلط، قاله أبو الفتح عثمان بن جني في كتاب الخصائص، ووهم فيه؛ لأنه ظن أن المصدر لفظ يدل على أشخاص تلك الماهية، وليس بصحيح، بل المصدر لفظ يدل على مجرد الماهية، وهو القدر المشترك بين الواحد والكل.
فأم الماهية من حيث هي، فلا تستلزم الوحدة والكثرة، لأنها لو استلزمت إحداهما لما كانت مجردة من حيث هي، وقد قرضناها كذلك، فإذن لا المصدر ولا الفعل المشتق من المصدر يدلان على الكثرة وعلى
الوحدة، لكن أبا الفتح ذكر مثل هذا القسم بمثال مطابق فقال: أنا إذا قلت ضربت عمرا، فإني إنما ضربت بعضه.
فأما هذ المصنف فلم يعترض على الكلام كما ينبغي، أما أولا فلأنه ظن أن المصدر ههنا يقوم مقام الفعل الماضي، وليس بصحيح؛ لأنك إذا قلت فعل زيد القيام فقد أقررت أنه صدر عنه أثر ما مفعول حسب صدور الآثار عن المؤثرات، والفعل الماضي ليس بأثر يصدر عن المؤثر، ولا المستقبل أيضا، ولا الحاضر؛ لأن الفعل الذي هو قسيم للاسم والحرف لو كان أثرا لمؤثر لكان اسما لا فعلا.
وأما ثانيا فلأنه لو صح ما قاله لما كان هذا القسم داخلا تحت القسم الأول، لأنه كون أصلا له لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما بنقل اسم أحدهما للآخر، وقد قررنا ذلك فيما تقدم.
قال المصنف: القسم الثاني عشر الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم﴾ معناه فبرحمة من الله. قال: وهذا خطأ، أما أولا فإن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذه الآية دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة.
وأما ثانيا: فإن لفظة "ما" ههنا غير خالية من المعنى، لأنها تعطي من
الفخامة والفصاحة والجزالة ما لا تعطي الآية عند فقدها، كقول الزباء "ولكنه شيمة ما أناس" قال وهذا شيء لا يعرفه إلا أهله.
والغزالي معذور في ألا يعرف ذلك، لأنه ليس من فنه.
أقول إن ما قاله الغزالي وغيره في هذا الموضع مأخوذ من قول شيخنا أبي عبد الله البصيري المتكلم، فإنه قال: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ونقصان ولا نقل، والمجاز ما لا ينتظم لفظه معناه إلا لزيادة ونقصان أو نقل، كزيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ فإنا لو أسقطنا الكاف استقام المعنى. ومثال النقصان قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، فإنا إذا زدنا فيه لفظة الأهل استقام المعنى. ومثال النقل قولنا: رأيت أسدا، تعني به الرجل الشجاع، فإنه منقول من السبع.
وإذا أردنا الكلام على هذا الوجه، كان قوله "فيما رحمة" مجازا، لأنه لا ينتظم اللفظ معناه إلا بحذف "ما".
قلنا: لا نسلم أن هذا مجاز، بل هذه دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة، فيقال له أما أولا فإن القوم حدوا المجاز بحد هو موجود في هذا الموضع، ولا يجوز أن يقال لمن حد أمرا بحد: لم قلت إن هذا هذه؟ لأن القوم قد اختاروا أن يضعوا اللفظ المجاز لما كان بهذه الصفة. والمنازعة بعد ذلك لهم منازعة لفظية.
وأما ثانيا فلأن "ما" في هذا الموضع حرف، والحروف لا يدخلها المجاز بالذات؛ لأنها غير مستقلة بأنفسها بالمفهومية، بل لا بد أن تنضم إلى شيء آخر لتحصيل الفائدة، فإن انضمت إلى كلام يرتبط به، ويخل إسقاطها بالمعنى المفهوم منه فالمركب حقيقة، وإلا فهو مجاز.
ولا شبهة في أن "ما" في هذا الموضع ليست مرتبطة بغيرها ارتباطا مفهوما للمعنى المطلوب.
فأما جوابه الثاني فيلزم عليه أن يكون قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل﴾ حقيقة لا تعطي من الفخامة والفصاحة ما لا تعطيه الآية عند حذفه وكذلك القول في سائر المجازات.
فإن قال إنني لم أجعل إفادة هذه اللفظة الفخامة والجزالة مخرجة لها من باب المجاز، وإنما منعت قول من قال إنه لا فائدة فيها أصلا، قيل له: فإذا اعترفت أنها من باب المجاز فقد سلمت قول الغزالي، فلأي معنى تنتقصه، وتقول هو معذور في ألا يعرف هذا؛ لأنه ليس من فنه؟ والغزالي إنما أراد بقوله إن "ما" زائدة لا معنى لها في خصوص المقصد المطلوب بالآية لا غير ذلك.
قال المصنف: القسم الثالث عشر تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فسمى النكاح هبة.
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، للمشابهة بين النكاح والهبة في التمكين من الانتفاع والتصرف.
أقول: إن هذا الاعتراض الذي ذكره صحيح لا منازعة فيه، ثم إنا نقول إن تمثيل هذا القسم بالنكاح هبة فلم يسم الشيء بحكمه، بل بما يفيد مثل حكمه، وفرق بين الحكم وبين المفيد لمثل الحكم. على أن أكثر المفسرين لم يذهبوا إلى أنه سمي النكا هبة، بل جعلوا لفظة الهبة حقيقة صريحة في هذه الواقعة.
قال المصنف: القسم الرابع عشر النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، نحو قوله: "ثم يرم به بريئا" أي شخصا، وكحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقمه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها.
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن الصفة لازمة للموصوف. وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ دل على الساكن بالمسكن.
قال: فهذه الأقسام المجاز التي ذكرها الغزالي قد انتهت في تقسيمها، وإنما يرجع إلى ثلاثة أقسام: التوسع، والتشبيه، والاستعارة.
أقول: قد تكرر منا إيضاح غلطه في إعادة هذه الأقسام إلى القسم الأول،
الذي يتوهم عودها إليه؛ لأن الصفة لو لازمت الموصوف لما كانت من باب المشابهة الموجودة في السبع والشجاع، بل كانت بابا آخر، وكذلك الدلالة بالمسكن على الساكن، هي مجاز باعتبار آخر غير ذينك الاعتبارين.
وكل قسم من هذه الأقسام له خصوصية ينفرد بها، ويمتاز عن غيره بها، ولو أن هذا الرجل يقف على التقسيمات العقلية الدقيقة في العلوم الحكمية والكلامية التي يمتاز كل قسم منها على الآخر بما هو أدق من الشعر، ولا يفهمه إلا الراسخون في العلم، لكانت هذه التقسيمات في امتياز بعضها عن بعض أجلى من فلق الصبح، لأنه ليس فيها من الغموض ما يوقع في مثل هذا الغلط.
على أنه زعم أنه قد أعادها إلى ثلاثة: وهي الاستعارة، والتشبيه، والتوسع، ولم يعد منها إلى التشبيه شيئا أيضا.
قال المصنف: ومن شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، كما قال بعض كتاب مصر في تشبيه حصن من حصون الجبال: "هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة": فإنه أخطأ في قوله أنملة، وأي مقدار للأنملة بالنسبة إلى حصن على رأس جبل؟ قال: فإن قلت فقد قال الله ﷿:
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح﴾ فشبه نوره نما هو دونه، وقد قال سبحانه في القمر: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم﴾ فشب بما هو دونه، قلت: هذه الآية تشبيهها لطيف غريب، لأنه أراد به النبي ﷺ وآله، لأن قلبه ﵇ وما هو عليه من الصفاء والشفافية كالزجاجة التي كأنها كوكب قلبه ﵇ وما هو عليه من الصفاء والشفافية كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءته، والشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية هي ذات النبي ﷺ وعلى آله وسلم؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى المشرق ولا إلى المغرب، وزيت هذه الزجاجة مضيء من غير أن تمسه نار، معناه أن فطرته صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة الأنوار، فهذا هو المراد من التشبيه من هذه "الآية".
وأما الآية الثانية فإنه تعالى شبه الهلال بالعرجون في نحو له واستدارته لا في مقداره؛ لأن مقدار الهلال عظيم لا نسبة للعرجون إليه، لكنه شبهه به في الهيئة والشكل.
أقول إن التشبيه يحسن ويقبح باعتبار الجهة التي وقع التشبيه فيها، فإذا شبه العظيم مقدارا "بأقل منه" في المقدارية قبح، وكانت القضية كاذبة. فإن شبه به لا في المقدار، بل في أمر آخر يتناسبان فيه كان حسنا، وهذا كقوله تعالى في صفة لصحابة ﵃: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، فإن عقلا
لا يقول: هذا التشبيه قبيح؛ لأن أجسام الصحابة وجثثهم أكبر وأعظم مقدارا من الزرع، لأنه ما أراد التشبيه في المقدارية، بل في أمر آخر.
وهكذا قوله: "حتى عاد كالعرجون القديم" لا يريد مقداره، بل شكله. وكذلك تشبيه الكافر بالكلب في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾.
لا يعني الصورة والجثة، بل معنى آخر، وكذلك هذا الكتاب المضري. والذي حمل هذا الرجل على أن عابه بما عاب به نفسه، حسده له.
وهو لا يعني أن الحصن العظيم على ذروة الجبل الشاهق كالأنملة في مقدارها وجثتها، بل بينه وبين الأنملة مشابهة لطيفة وهي أن الأنملة جسم صغير ناتئ من جسيم كبير وهو البدن، وكذلك الحصن على الجبل، وهذا هو الذي أراده الرجل، والأمر فيه واضح بين.
فأما تفسير الآية النور فظريف جدا، أما أولا فلأنه سبحانه لو قال:
"مثل نوري كالنور الذي في قلب محمد ﷺ" لكان ركيكا.
وأما ثانيا فلأنه قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
فإذا كان قلب النبي ﷺ وآله وسلم هو الزجاجة، ولا شبهة أن المصباح الذي فيها هو النور، والمشكاة ما هي؟ فقد زعم أنها ذات النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، فإنه قد قال إن ذات النبي هي الشجرة المباركة، فلا يبقى للمشكاة ما تحمل عليه.
وأما ثالثا فإن الله تعالى وصف الشجرة بأنها زيتونة لا شرقية ولا غربية، ونرى هذا المفسر قد فسر قوله لا شرقية ولا غربية، ولم يفسر قوله زيتونة، وقد كان الواجب عليه أن يفيدنا بتفسير ذلك.
وأما رابعا فلأن غلاة الباطنية الذين يقولون في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ المراد به على بن أبي طالب أعذر في تأويلاتهم، وأقرب إلى الأذهان من هذا الرجل.
وأما خامسا فإنه لم ينفصل من السؤال، لأنه لو سلم له جميع ما ذكره، أليس قد شبه الله تعالى نوره بنور محمد ﵌؟ ونور محمد دون نور الله تعالى لأنه مستافد من نوره، وما يستفاد من أصل يكون دون الأصل المستفاد منه، وقد توه الإشكال.
قال المصنف: فأما التجريد فهو إخلاص الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك.
قال: وهو نوعان: تجريد بمعنى التوسع فقط، وتجريد حقيقة. فأما التجريد بمعنى التوسع، فكقول الصمة القشيري:
حننت إلى ريا ونفسك باعدتمزارك من ريا وشعبا كما معا
فإنه قال بعد أبيات:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من حره أن تقطعا
فانتقل إلى ذكر نفسه، ولو لم يقل "وأذكر أيام الحمى" لقضينا عليه بأنه تجريد حقيقة.
ومثال التجريد الحقيقي قول الحيص بيص:
إلام يراك المجد في زي شاعروقد نحلت شوقا فروع المنابر
فإنه لم ينتقل إلى هدا بعد ذكر نفسه، بل استمر على التجريد؛ لأنه قال بعد هذا البيت:
كتمت بعيب الشعر علما وحكمةببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس المقال ومحيي الدراسات الغوابر
وإنك أغنيت المسامع والنهىبقولك عما في بطون الدفاتر
أقول: إنه قد انتقل بعد هذا إلى ذكر نفسه، فعدل عن كاف الخطاب، إلى ياء الضمير، إلى تاء المتكلم فقال:
تطاول ليلى ما أرى ذا نباهةيجلى دجى ظلمائه عن خواطري
سهرت لبرق من ديار ربيعةولم أك للبرق اللموع بساهر
قال: كأن الصمة القشيري في شعره لم يأت بالتجريد الحقيقي، لعوده بعد أبيات عن كاف الخطاب، فالحيص بيص مثله.
قال المصنف: وقد قال أبو علي الفارسي ﵀ إن العرب كانت تعتقد في الإنسان معنى كامنا فيه، كأنه حقيقته ومحصوله، فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان، كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو بعينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه ومتميزا منه.
وهذا ليس بتجريد، بل هو تشبيه مضمر الأداة، وتقديره لتسألن منه كالبحر، ولتلقين منه كالأسد، وليس هو من التجريد المشار إليه في الأبيات الشعرية، ولا حقيقة التجريد موجودة فيه.
أقول إن الحد الذي حد هذا الرجل التجريد به لم يأت فيه نص من كتاب الله تعالى، ولا ورد عن رسول الله، وإنما هو حد اختاره هو، وفسر التجريد به، فإنه حجر على أبي علي ﵀ أن يجعل التجريد شيئا آخر. ومعلوم أن هذه الاصطلاحات والمواصفات موكولة إلى آراء العقلاء واختياراتهم، فأبو علي
رحمه الله قد اختار أن يسمى قولهم "إذ سألت زيدا سألت البحر" تجريدا، وقد شرح ذلك وأوضحه بقوله إن ظاهر هذه اللفظة أن المسئول غير زيد؛ لأن ألفاظها تقتضي ذلك، ألا ترى أنك تقول صحبت زيدا فاقتبست منه العلم، وقتلت فلانا فأخذت منه السلب. فيقتضي ظاهره بأن العلم غير المصحوب، وأن السلب غير المقتول، فهكذا يقتضي ظاهر قوله سألته فسألت منه البحر، أن البحر غيره.
فأبو علي ﵀ سماء تجريدا، وهو غير مانع لك من اصطلاحك ولا مساح لك في حدك الذي ذكرته، للتجريد، فكذلك أنت لا تجور ولا تضايقه في اصطلاحه وتجريده.
قال المصنف: وأيضا فهذا يتنتقض بقول العرب: لئن رأيت الأسد لترين منه هشبة، ولئن لقيته، لتلقين منه الموت. فأي معنى لتخصيص أبي على ذلك بالإنسان؟ مع أن العرب تستعمل هذا اللفظ في الإنسان وغيره.
أقول إن أبا علي لم يرد أن هذا الاستعمال مقصور على الإنسان فقط، ولا صرح بذلك، ولا كنى عنه، ولا هو مفهوم من فحوى قوله إن العرب تعتقد في الإنسان معنى كامنا فيه لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وإنما مثل بالإنسان؛ لأنه أشهر، ولأن استعماله فيه ودورانه على ألسنتهم وفي ألفاظهم أكثر.
قال المصنف: وقد سبق القول: بأن التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد، بل المراد شيئا آخر، وهذا لا يوجد في هذا الموضع؛ لأن قوله إن لقيته لتلقين منه الأسد، لم يجرد عن المنقول عنه شيئا، وإنما شبه بالأسد في شجاعته، وأداة التشيه مضمرة، وما أعلم كيف ذهب هذا عن أبي علي رضي الله عنه.
أقول: قد بينا أن المنازعة في هذا الموضع لفظيه لاطائل تحتها، ولو أن أبا علي رضي الله تعالى عنه اختار أن يسمى المجاز تجريدا بمعنى أنه لفظ قد جرد عن موضوعه الأول، أي خلع عنه، وجعل لغيره، واصطلح هو ونفسه، أو هو وأصحابه على ذلك، هل كان لنا أن نخاصمهم، وننازعهم، ونقول لهم قد أخطأتم في هذا الاصطلاح وهذه المواضعة؟ وهل المعاني تستحق الأسماء المخصوصة لذاتها حتى يكون الإنسان مخطئا إذا وضع لفظ مخصوصا لمعنى مخصوص؟ وقد فسرنا نحن قول أبي علي ﵁ المقصد الذي قصده.
قال المصنف: وقول أبي علي إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنا كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فغير العرب أيضا تعتقد ذلك.
الكامن معنى الإنسانية، وهو الاستعداد للعلوم والصنائع، فكل أحد يعرف ذلك، ولا خصوصية للعرب فيه. وإن عنى بالمعنى الكامن الأخلاق كالشجاعة والسخاء، فليس هذا مختصا بالإنسان، بل جميع الحيوانات يوجد فيها ذلك، كالشجاعة في الأسد، والسخاء في الديك، وما أعلم ما أراد أبو علي بهذا الكلام.
على أن هذا القسم الأخير ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، فإنه لا يقال في حده حيوان شجاع، ولا حيوان سخي، بل حيوان ناطق، فقد أخطأ أبو علي من وجهتين: أحدهما أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه، والثاني أنه أدخل في التجريد ما ليس منه.
أقول: إن أبا علي ﵁ لا يلزمه تفسير ما كانت العرب تتخيله وتتوهمه في الإنسان، ولا هذا من وظيفته، ولكن أبا علي قال إننا لما وجدنا العرب الذين صناعتنا البحث عن مجاري كلامهم يخاطبون في الشعر أنفسهم، فيقولون: قلت لقلبي، وقال لي، وقلت لنفسي، وقالت لي، ويقولون: سألت مه لما سألته البحر، فيأتن بلفظة منه، كما يأتون بها في قولهم غصبت منه السيف، وأخذت منه الثوب، فيفيد ظاهر كلامهم أن المسئول منه غيره، كما أن المغصوب منه غيره، أفادنا إكثارهم من هذا وتكرارهم لاستعماله أنهم يتوهمون أن في هذه البنية المشاهدة أمرا كامنا، هو محصول الإنسان، وهذا الهيكل الظاهر هو
كالقالب لذلك المعنى، وكالقشر لذلك اللب، ومن الجائز أن يكون هذا المعنى الباطن غير القسمين اللذين قد ذكرهما المصنف، وهما مجرد الاستعداد للعلوم والخلق فليناظر في نقيض، خصوصا ومذاهب العقلاء في هذا الموضع كثيرة جدا، وكلها خارجة عن هذين القسمين اللذين قد ظن هذا الرجل أنه لا يمكن تفسير ما توهمه العرب إلا بواحد منهما، ثم يقال له لم لا تفسر قول أبي علي ﵀ بالوجه الأول وهو قولك إن غير العرب أيضا تعتقد ذلك، فيقال لك إن أبا علي ما قال إنه لا يعتقد ذلك أحد من الأمم إلا العرب خاصة، وإنما كانت صناعته البحث عن مجاري كلام العرب، وقال إنهم لا يعتقدون كذا وكذا؛ لأنه لا ينظر في لغة أمة أخرى غير العرب، وإنما كتبه وتصانيفه مقصورة على البحث عن لغاتهم خاصة، فلا يدل كلامه على نفي هذا الحكم عن غير العرب.
وأيضا فلو فسر قوله بالتفسير الثاني -وإن كنا نعلم أنه ﵀ لم يرده- لما توجه عليه ما اعترض به؛ لأنه لم يفرد الإنسان خاصة من دون سائر الحيوان بهذا الحكم، وإنما ضربه مثلا؛ لأنه النوع الأعرف.
ومن العجب قوله: ولا أعرف ما أراده أبو علي بقوله: إنهم يتوهمون في الإنسان معنى كامنا هو حقيقته ومحصوله، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.
ولا شبهة أن هذا الرجل ما وقف على أقوال العقلاء في هذا الموضع، فإن مذاهبهم كثيرة، وكل منهم يذهب إلى أن حقيقة الإنسان ومحصوله أمر وراء
هذه البنية المشاهدة، ولم يذهب منهم ذاهب إلى أحد هذين القسمين اللذين قد توهم هذا الرجل أنه لا يمكن المصير إلى غيرهما.
فأما قوله إن أبا علي ﵁ أخطأ حيث جعل حقيقة الإنسان عبارة عن الخلق، فإن أبا علي ﵁ أخطأ، وقال هذا الكلام لا عن نفسه ولا عن غيره، أما إنه لم يقله عن نفسه فمعلوم، وأما إنه لم يقله عن غيره فلأنه قال عن العرب إنهم اعتقدوا أن في الإنسان معنى كامنا كأنه حقيقته ومحصوله، فصرح بأداة التشبيه وهي كأن، وما قال عنهم إنهم قالوا إن ذلك المعنى هو حقيقة الإنسان، ليقول لهم ذلك المعنى وهو خلقه، وخلقه غير داخل في حده وحقيقته.
وينبغي للناس إذا حكوا شيئا شرعوا في نقضه أن يتأملوا ما حكوا، ثم ينقضوا، وبالجملة فمقام الشيخ أبي علي ﵁ مقام جليل يقتضي أن يحترم ويصان، ولا يستعمل معه التسرع بالتخطئة والرد، وإذا وجد في كلامه ما يستدرك استدرك مع استعمال الأدب.
قال المصنف في الالتفات: هو الانتقال من خطاب الحاضر إلى الغائب وبالعكس، وما يجري مجرى ذلك. وقال إن الزمخشري قال إن الرجوع من أحد هذين النوعين إلى الآخر إنما استعمله العرب تقننا في الكلام، وانتقالا من أسلوب إلى أسلوب تطرية لسماع السامع، وإيقاظا للاستماع إليه.
قال: وليس الأمر كما ذكر؛ لأن هذا الكلام يتضمن أن السامع قد يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره لينشط المستمع للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل:
أقول: لكم قلت إنه إذا كان حسنا لا يمل، وهل الملال إلا من الملذ؟ ألا تراهم كيف يقولون مل فلان التنزه في البستان، ويقولون قد مللت من أكل الحلواء. ومللت من سماع الأغاني؟ ولأن الأشياء الكريهة المملولة لا يقال لها مللتها، ألا تراهم يستقبحون قول من يقول قد مل المحبوس من الحبس، والمضروب من الضرب؟ فالذي ذكره المصنف عكس الصحيح.
قال المصنف: وأيضا فلو صح ما قاله لكان الالتفات إنما يوجد في الكلام المطول الذي من شأنه أن يمله السامع لطوله، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنا قد وجدنا الالتفات في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومجموع الجانبين معا لا يبلغ عشرة ألفاظ.
أقول: لما كان مراد الواضع الإفهام للسامع، وكان الإفهام لا يحصل إلا بالإصغاء، احتال الواضع لتحصيل الإصغاء بكل طريق، فكان من تلك الطرق نقل الخطاب من الحضور إلى الغيبة وبالعكس، ليجد السامع ما يوقظه
وينبه على الاستماع؛ لأنه باستمرار الخطاب على نمط واحد ربما قد يمل، فنقل من أسلوب الخطاب إلى أسلوب آخر مستأنف، ليطرأ على ذلك السهو الذي عساه حصل فيزيله، ثم لفرط العناية بالإفهام وقع ذلك في قصير الكلام حسب وقوعه في طويله، لا في كل قصير منه، كما أنه لم يقع في كل طويل منه، ولكن بحسب ما تقتضيه المصلحة.
ولهذه العلة أنزل في القرآن الكريم ألفاظ وحروف غير مفهومة، مثل طسم والمص وغيرها، ليعارض المشركون فيها عند سماعها، فيكون ذلك كالاستجرار لهم إلى سماع غيرها من الآيات المنزلة، فإنها إذا قرعت أسماعهم قرعها أمر غريب تنزع النفس عند سماعه، وتتشوق إلى معرفته، فينبعث الداعي إلى سماع ما بعدها ليفسر ما به، كما يفسر بعض الكلام ببعض، فتحصل الفائدة من وقوفهم على فصاحة القرآن وسر إعجازه.
ونظير اعتراض المصنف وهو قوله: لو كان هذا خوفا للملال لكان في طويل الكلام دون قصيره، أن يعترض هنا المثال الذي قد مثلنا به فيقال: لو كن هذا هو المراد من هذه الحروف لكانت في ميع السور بل في السورة الواحدة مرات كثيرة، لتكون أدعى للمشركين إلى تأمله. والجواب عن الموضعين واحد، وهو أن ذلك إنما يكون بحسب ما تقضي به المصلحة، ولهذا كرر سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مرارا كثيرة في سورة واحدة، لما كانت
المصلحة تكراره فالمخاطب أعرف بما يخطاب به، وأدرى بما يتوصل به إلى اجتناء ثمرة المخاطبة، سواء كان الباري سبحانه أو واحدا منا.
قال المصنف: وعلى هذا فيجب إذا وجدنا كاملا قد استعمل فيه الإيجاز أو الإطناب -ولكنه لم يقع فيه الالتفات لكن كل واحد من لطرفين واقع موقعه- أن نقول هذا ليس بحسن إذا لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا قول ما فيه، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة.
أقول: إن هذا الاعتراض من أظرف ما يحكى وذلك أن الزمخشري ما جعل حسن الكلام مقصورا على الالتفات كالشروط التي تقدم عند عدم شروطها، ولكنه قال إن الالتفات مما تستعمله العرب، ووجه استعمالها أنه يحصل منه نوع تنبيه ما للسامع وتجديد لنشاطه إلى سماع الخطاب، فلا يلزم من ذلك أن كل خطاب لا التفات فيه فإنه لا يكون حسنا، كما إذا قلنا إنما حسن استعمال المطابقة والتجنيس في الشعر لكذا وكذا، لا يلزم منه أن يكون كل شعر لا تجنيس فيه ولا مطابقة غير حسن.
وغير هذا الكلام أن محسنات العشر والخطابة أمور كثيرة، فإذا فقد بعضها قام غيره مقامه، فحصل الحسن المطلوب.
لكن لو فقدت كل الحسنات لزم لا محالة ألا يكون الكلام حسنا.
فقد بان أن هذا الموضع ما ذهب على الزمخشري، وإنما ذهب على من اعترضه.
ثم يقال: ألست القائل: قد يعدل عن لفظة الغيبة إلى لفظة الحضور تعظيما، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنه عدل عن لفظ الغيبة وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن العبادة أعظم من الحمد، فجعل العبادة بكاف الخطاب لعظم شأنها، وكاف الخطاب أصرح وأدل من هاء الغيبة، فجعل الأعظم للأعظم، فيقال لك: فقد قال سبحانه في موضع آخر ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجب أن تكون هذه الآية غير حسنة لفقد المعنى الذي ذكرته، كما قلت إنه لو كان الألتفات حسنا كما قاله
الزمخشري لوجب أن يكون كل خطاب واقع موقعه، والألتفات فيه غير حسن، فكل ما يجيب به فهو جواب الزمخشري.
قال المصنف: وقد يؤكد الضمير المتصل، كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ وقد يؤكد الضمير المنفصل بالمنفصل: وذلك مثل قول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديارخف الهوى وتولت الأوطار
ومثل قول المتنبي:
قبيل أنت أنت وأنت منهموجدك جدك الملك الهمام
أقول: إن هذين البيتين لا يصلح أن يمثل بهما على توكيد الضمائر، وذلك أن التوكيد ما لو حذف وبقي المؤكد يبقى اللفظ دالا على المعنى، إلا أنه غير مؤكد له كالآية التي استشهد بها، فإنه لو حذف أنت لبقي أنك الأعلى، وهو كلام مفيد للمعنى، إلا أنه غير مؤكد.
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وكقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ولو حذف أنت الثانية من بيت أبي تمام أو من بيت المتنبي لخرج الكلام عن الإفادة أصلا. وكيف يفيد هو مبتدأ وخبر، وقد حذف الخبر؟ ومراد أبي تمام لست أيتها المرأة كما كنت أعهد ولا الديار كما كنت أعهد، ولو قوله لا أنت أنت من باب التوكيد لكان قوله ولا الديار ديار من باب التوكيد.
وكذلك قول القائل:
فما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وفي ذلك امتزاج أبواب البيان بعضها ببعض، وهو غير جائز.
ومراد المتنبي بقوله أنت أي أنت المشهور الذي يستغنى عن شرح صفاته وممادحه، كما يقول: قد قتل زيد بينه أسدا والأسد الأسد. وكقول الراجز:
"أنا أبو النجم وشعري شعري"
وهذا معنى آخر غير التوكيد، ولكنه قد اشتبه على هذا المصنف لا محالة.
قال المصنف: ومثال تأكيد الضمير المتصل بالمتصل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ثم شرع يبين لماذا قال لك ها هنا، وقال من قبل ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ ولم يقل لك في خرق السفينة.
أقول: أما قوله لك فوجهه مشهور قد قاله الناس من قبل، وذكره من يتعاطى استخراج الدقائق والمعاني الغامضة من القرآن، وليس غرضنا الآن عن البحث في صحة ذلك وفساده، ولكن تمثيله بهذه الآية على تأكيد الضمير المتصل فليس من هذا الباب أصلا، وإنما عدى الفعل منها إلى المفعول بحرف الجر لا غير، ولو كان هذا توكيدا للضمير لكان قولنا مررت بزيد تأكيدا للضمير، وهذا مالا يقوله أحد.
وكيف يتوهم أن قوله لك تأكيد للضمير في قوله إنك، وأين أحدهما من الآخر؟ نعم لو قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ كان قوله أنا تأكيد للضمير في قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ فيكون تأكيدا للمتصل بالمنفصل لا بالمتصل.
فإن قيل لعله لم يتكلم في التأكيد على الاصطلاح النحوي، بل على اصطلاح آخر يرجع إلى علم البيان والبلاغة، فلا يلزمه ما ذكرت.
قيل: لعمري إن غرضه البحث في علم البيان، ولكنه لم يخرج هذا الفصل
والكلام فيه إلا على الاصطلاح النحوي، فلما أراد أن يطبق الآيات والأشعار عليها وقع في الغلط كما رأيت.
قال المصنف في باب العام والخاص إنه تعالى قال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل بضوئهم؛ لأن الضوء نور وزيادة.
فلو قال بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا، لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءا، فقال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأنه إذا أزال النور فقد أزال الضوء أصلا.
أقول: إن هذا الرجل قد شحن كتابه بأمثال هذه الترهات، وأطال فيها وأسهب وأعجب بها، وظن أنه أتى بغريب.
وهذه المعاني قد صنفت فيها الكتب الكثيرة، وتكلف الناس من قبله في استنباط أمثال هذه الوجوه الغامضة والمعاني الخفية من القرآن العزيز، وإنه لم أتى بهذه اللفظة دون تلك، ولم قدم هذا وأخر هذا؟ وقد قيل في هذا الفن أقوال طويلة عريضة أكثرها باردغث، ومنها ما يشهد العقل وقرائن الأحوال أنه مراد.
وقد ورد إلينا في مدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة رجل من وراء النهر كان يتعاطى هذا، ويحاول إظهار وجوه نظرية في هذه الأمور في جميع آيات الكتاب العزيز، نحو أن يقول في قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
ثم قال: لم قال "ما" ولم يقل "لا" ولم قال "يأتيهم" ولم يقل "يجيئهم"، ولم قال "من ذكر" ولم يقل "من كتاب" ولم قال "من ربهم" ولم يقل "من إلههم". ولأي حال قال في وضع آخر "من الرحمن" وما وجه المناسبة في تلك الآية في لفظها وسياقه كلامها وبين لفظة الرحمن؟ وما وجه المناسبة بين هذه الآية وسياقها؟ وبين لفظة ربهم.
وعلى هذا القياس.
وكذلك كان يتكلف تعليل كل ما في القرآن من الحروف التي تسقط في موضع وتثبت في موضع، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ لم أثبت الواو هناك، وأسقطها ها هنا، ونحو قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ لم فك الإدغام في موضع ولم يفكه في موضع آخر؟.
كنا نعجب منه ونستظرفه، حتى وصل إلينا هذا هذا الكتاب، فقلنا إنه فوق كل ذي علم عليم.
ولو أخذنا تناقضه في هذا لأطلنا كما أطال، وسمجنا كما سمج.
ومتى يتسع الوقت لمناقضة هذه التكلفات القبيحة؟ ولكنا قد نكلمه. في بعض المواضع منها لكيلا يخلو كتابنا هذا عن مجادلته في هذا الفن بالكلية، فنقول له: لم قلت إن الضوء نور وزيادة؟ أمن كتب اللغة أخذت هذا؟ أم من غيرها؟ فقد تصفحنا كتب اللغة فلم نجد ما نشاهده بما ذكرت، ولا الاصطلاح مساعدا لك في عرف الناس ومواضعاتهم.
وإذا لم يكن موجودا في أصل اللغة ولا الاصطلاح العرفي لم يجز لك أن تحمل كلام الله تعالى عليه وتفسره به.
وقد قال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق -وهو عين الكتب اللغوية، ومصنفه إمام الناس كلهم في اللغة، ومن لا يختلف اثنان في كتبه- في باب فعل وفعل باختلاف المعنى: النير علم الثوب والنور الضياء شيئا واحدا.
وليس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ما يدل على اختلاف المعنيين، ولا قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ما يدل على اختلاف المعنيين.
قال المصنف: وإنما قال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل أذهب الله نورهم؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به، لأن قولنا ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى حالته الأولى، وليس كذلك أذهبه.
أقول: إن قوله إن الله تعالى ذهب بنورهم معناه أنه استصحبه ومضى، كما يقول القائل مررت بزيد وعنده سيف فذهبت به، أي أخذته ومضيت، وكما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ معناه أخذوا يوسف صحبتهم ومضوا، فإن قال نعم هكذا تفسير الآية فهذا كفر وتهجم. فأما قوله: كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، بمعنى أنه أعدمه عن الوجود أصلا، لكنه قد أذهبه عن موضعه الأول الذي أخذ منه.
واعلم أن الغلط دخل عليه من اشتراك لفظة ذهب، فإنها تستعمل في معنيين أحدهما قولهم ذهب فلان في الطريق الفلاني، أي مضى فيه ونفذ فيه
ومنه سمي السبيل مذهبا؛ لأنه يذهب فيه أي يمضي فيه. وسمي قول الشاعر ويره مذهبا، كأنه صار طريقا فسلكه الفقهاء وغيرهم.
والمعنى الثاني ذهب بمعنى عدم وفقد، وقولهم ذهب الشباب وذهب العمر، أي فنى وعدم.
ولعل هذا الاعتبار الثاني هو الحقيقة الأصلية، والمحمل الأول هو المجاز، لأنه لما مضى زيد في تلك الطريق، فقد تقدم بالنسبة إلى غيرها، فسمى مضيه فيها ذهابا.
وإذا بان لك اشتراك اللفظ ظهر غلطه، لأنه توهم أن قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ مثل قولنا: ذهب زيد بثياب عمرو واحتملها ومضى، وقد صرح بتفسير الآية على هذا الوجه، وهذا معنى لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى، لأنه لا تصح عليه الحركة، ولا استصحاب الأشياء واحتمالها من مكان إلى مكان، وعلى أنه لو صح عليه سبحنه ذلك لكان قوله أذهب الله نورهم أبلغ في المعنى من قوله ذهب الله بنورهم على هذا التفسير؛ لأن إعدام النور بالكلية أبلغ من قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُون﴾ من أين يذهب بالنور بالتفسير الذي زعمه فيكون للنور وجود في الجملة، وإنما نقل من موضع إلى موضع؟
وإذ ظهر لك غلطه فاعلم أن معنى قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ هو معنى قوله: "أذهب الله نورهم".
كلا اللفظتين تدل على معنى واحد، كما أن قولك فقدت بزيد مثل قولك فقدت زيدا، لا فرق بين الكلامين؛ لأن الأفعال اللازمة إذا أردت تعديتها عديتها تارة بحرف الجر وتارة بالهمزة، وتقول ذهب الشباب وذهب
الدهر بالشباب وأذهب الدهر الشباب، كما تقول خرجت بريد من البلد، وأخرجت زيدا من البلد، ولست تعني بقولك خرجت بزيد من البلد أنك استصحبت زيدا معك.
كلا ليس هذا هو المراد من تعدية اللازم، بل محض قولك أخرجت زيدا لا زيادة على ذلك.
قال المصنف. فأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها وبين أحدهاتاء التأنيث فإنه متى أريد النفي كان استعمال أحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، نحو قوله تعالى في قصة نوح: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾.
كان أبلغ في نفي كونه ضالا من أن يقول ليس بي ضلال، كما لو قيل: ألك تمر؟ فقلت في الجواب: ما لي تمرة. فإنه أنفى للتمر، ولو قلت: ما لي تمر لم يؤد المعنى الذي أداه القول الأول.
قال: ولا يظن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين من قولك ضل يضل كان القولان سواء؛ لأن الضلالة في هذه الآية ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة الواحدة، كما يقال ضربت ضربة وأكلت أكلة، بمعنى مرة واحدة، فإذا نفي نوح عن نفسه المرة الواحدة من الضلال فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة.
أقول إن الذي غير صحيح، لا إن كانت لفظة ضلالة في الآية مصدرا ولا إن كانت المرة الواحدة.
أما الأول فلأنه إذا كانت هذه اللفظة مصدرا وقد وافق على أن ضلال مصدرا أيضا وجيب أن تكون دلالتهما سواء في نفي كونه ضالا على الإطلاق، فلايكون أحد اللفظين أبلغ في الدلالة من الآخر، لأنهما معا يدلان على نفي ماهية الضلال نفسه، فإن المصدر يدل على الماهية فقط من غير دلالة على شيء آخر، فإذا نفي فقد نفيت الماهية نفسها، فلا فرق على هذا التقدير بين الضلال والضلالة.
وأما الثاني وهو أنه لا يصح ما قاله بتقدير أن يكون المراد بالضلالة المرة الواحدة؛ لأنه لو قال قائل ما عندي تمرة بمعنى تمرة واحدة وعنده تمر كثير يصح ذلك، ولم يكن كاذبا.
ألا يرى أنه لو ظهر ما أضمر فقال ليس عندي تمرة واحدة فقط، بل عندي تمر كثير، لم يكن فيما قاله متناقضا؟ فالمثال الذي ذكره يدل على عكس ما أراده.
وقول نوح "ليس بي ضلالة"، لو كان يريد به العدد بمعنى ليس بي ضلالة واحدة كما زعم هذا الرجل، ثم تركناه وظاهر اللفظ، لم يكن نافيا لكونه ضالا؛ لأنه إذا كانت الضلالة مختلفة الأنواع، وقال: ليس بي ضلالة واحدة فقط، لم يكن هذا اللفظ مفيدا لانتفاء كونه ضالا، لجواز ألا تكون ضلالة واحدة بل ضلالاته مختلفة متنوعة، فاللفظ لو تركناه وظاهره لم يدل على
انتفاء كونه ضالا، بتقدير أن يراد بالضلالة المرة على الواحدة على ما قد توهمه هذا الرجل.
وأما قوله إذا نفي عن نفسه المرة الواحدة من الضلالة فقد نفي ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة، فكلام من لم يمعن النظر في قوله المرة الواحدة، لأنه إذا أخذ في تفسير الضلالة أن تكون واحدة، وجعلت الضلالات أشياء متعددة مختلفة كالضربات المختلفة والأكلات المتنوعة، ثم نفى عن نفسه ضلالة واحدة مشروطا فيها أن تكون واحدة، لم يلزم من انتفائها بهذا القيد أن تنتفي عنه ضلالات كثيرة، لأن وجود الضلالات الكثيرة ملحوظا فيها كونها كثيرة لا ينافي اقتضاء الضلالة الواحدة عنده، لأن معنى الواحدة ليس معها غيرها، ومن وجدت عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه وجدت عنده ضلالة واحدة، بمعنى أنه ليس معها غيرها.
واعلم أن مراده تعالى بقوله حاكيا عن نوح "ليس بي ضلالة" نفي الضلالة الذي هو المصدر؛ لأنه هو الذي بانتفائه ينتفي كون نوح ضالا انتفاء مطلقا، لا كما توهمه هذا الرجل من أنه عبارة عن المرة الواحدة واللفظ واضح، والمعنى ظاهر، وعند التعمق الزلل.
قال المصنف: واعلم أن القياس يقتضي أن يقال: "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" لأنه إذا قدم الصغيرة لم يحتج إلى
أن يقول ولا كبيرة؛ لأن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة، وإذا لم يعف عن الصغيرة لم يعف عن الكبيرة.
وإذ قدم في اللفظ الكبيرة احتاج إلى أن يقول ولا صغيرة؛ لأنه لم يعف عن الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة، فاحتاج إلى أن يذكر ما قال.
غير أن الكتاب العزيز أحق أن يتبع فيقاس عليه، فوجب ترك القياس لأجل هذه الآية.
أقول: أما أولا فإن هذه الآية لم تذكر لبيان المؤاخذة والعفو، ولا أن معنى قوله "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء والعد.
ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ "ليس المراد فيه" العقاب والغفران، بل معناه الإحصاء والعد؟ ألا ترى قوله: ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ فهو أمر راجع إلى إحاطة علم الباري سبحانه بأفعال العباد خفيها وظاهرها وجليلها وحقيرها، فالذي توهمه هذا الرجل من كون هذه الآية لتفصيل أحوال المؤاخذة توهم باطل.
وأما ثانيا فلأن هذه الآية وردت لبيان أنه تعالى يعلم الكبائر من الذنوب والصغائر، وللناس خلاف مشهور في الكبائر والصغائر من الذنوب ما هي؟ فمعنى الآية أنه تعالى يعلم كبائر الذنوب وصغائرها.
وعلى هذا التفسير إذا قدم الصغيرة لا يلزم منه أن يستغني عن ذكر الكبيرة؛ لأنه ليس إذا علم الصغائر كان بأن يعلم الكبائر أولى، كما يقول القائل إذا أبصرت من عشرة فراسخ كنت بأن أبصر من فرسخ واحد أولى؛ لأنه ليس أحد نوعي الكبائر والصغائر بالنسبة إلى عالميته تعالى أجلى من الآخر على جميع مذاهب العقلاء، والأبصار على حد فرسخ واحد أولى لمن يبصر على حد عشرة فراسخ.
وأما ثالثا فلو سلمنا أنه لم يعن كبائر الذنوب وصغائرها، بل عنى الخفي من أفعال العباد وهي أفعال القلوب، والجلي الظاهر منها وهي أفعال الجوارح، فإنه لا يمكن حمل الآية إلى على أحد هذين المحملين ولا ثالث لهما، فلم يقتض القياس أن يقول لا يغادر صغيرة ولا كبيرة؛ لأنه قد قال التفسير عوض، وذلك بأن يقول ما لهذا الكتاب لا يغادر خفيا ولا جليا إلا أحصاه؛ لأن كل من أثبت أن البارئ تعالى عالم بأفعال الجوارح أثبته عالما بأفعال القلوب، كالدلالة على أنه تعالى بعلم الجزئيات عامة في القسمين، وليس أحدهما أولى بالتقدم من الآخر.
النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع