تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الفصل الأول في الطرفين

وهما إما حسيان كما في تشبيه الخد بالورد, والقد بالغصن, والفيل بالجبل في المبصرات, والصوت الضعيف بالهمس, وأطيط الرجل بأصوات الفراريج في المسموعات, والنكهة بالعنبر والمسك في المشمومات, والريق بالعسل والخمر في المذوقات, والجلد الناعم بالحرير, والخشن بالمسح في الملموسات. وإما عقليا, كتشبيه العلم بالحياة, والجهل بالموت.

وإلى هذا أشار الشاعر بقوله:

أخو العلم حي خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرىيظن من الأحياء وهو عديم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

رب حي كميت ليس فيهأمل يرتجى لنفع وضر
وعظام تحت التراب وفوق الأرض منها آثار حمد وشكر

وإما مختلفان بأن يكون المشبه عقليا, والمشبه به حسيا, أو بالعكس, فالأول كتشبيه المنية بالسبع, فإن المنية وهو الموت, عقلي, لأنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة والسبع حسي.

والثاني كما في تشبيه العطر بخلق كريم, فإن العطر -وهو الطيب- محسوس بالشم, والخلق وهو كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة, عقلي.

قال الزنجاني في المعيار: وهذا القسم -أعني تشبيه المحسوس بالمعقول- غير جائر, لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها, ولذلك قيل: من فقد حسا فقد علما. وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول, فتشبيهه به يكون جعلا للفرع أصلا, والأصل فرعا, وهو غير جائز. ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس في الظهور, والمسك في الطيب, فقال: الشمس كالحجة في الظهور, والمسك كخلق فلان في الطيب, كان سخيفا من القول. وأما ما جاء في الأشعار من تشبيه المحسوس بالمعقول, فوجهه أن يقدر المعقول محسوسا, فيجعل كالأصل في ذلك المحسوس على طريق المبالغة, فيصح التشبيه حينئذ. انتهى.

واعلم أن المراد بالحسي المدرك -هو أو مادته- بإحدى الحواس الخمس الظاهرة, وهي البصر, والسمع, والشم, والذوق؛ واللمس. فدخل فيه الخيالي, وهو الذي فرض مجتمعا من أمور كل واحد منها مدرك بالحس.

كما في قوله:

كأن محمر الشقيقإذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

فان الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لم يدركه الحس, لأن الحس إنما يدرك ما هو موجود في المادة, حاضر عند المدرك, على هيئات محسوسة مخصوصة به لكن مادته التي تركب هو منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد, كل واحد منها محسوس بالبصر.

والمراد بالعقلي, ما لا يكون -هو ولا مادته- مدركا بإحدى الحواس الخمس الظاهرة. فدخل فيه الوهمي, أي ما هو غير مدرك بها, ولكنه بحيث لو أدرك لكان مدركا بها.

كما في امرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فان الأنياب الأغوال مما لا يدركه الحس لعدم تحققها, مع أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر. وعليه قولع تعالى "طلعها كأنه رؤوس الشياطين". ودخل فيه أيضاً ما يدرك بالوجدان كالشبع والجوع واللذة والألم الحسيين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.