من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الجمع مع التفريق
ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجىوقدره الشمس لم تدرك ولم ترم
هذا النوع عبارة عن أن يدخل المتكلم شيئين في معنى واحد, ثم يفرق جهتي الإدخال كقوله تعالى "يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى" أدخل النفسين في حكم التوفي, ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك والإرسال, أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض, والنفس التي لا تقبض, فيمسك الأولى ويرسل الأخرى.
ومن أمثلته في الشعر قول مروان بن أبي حفصة:
تشابه يوماه علينا فأشكلافما نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر أم يوم بأسهوما منهما إلا أغر محجل
فإنه أدخل يوميه في التشابه والإشكال, ثم فرق بينهما, فجعل أحدهما للبذل والسماحة, والثاني للنجدة والشجاعة.
وقول البحتري:
ولما التقيا والنقا موعد لناتعجب رائي الدر حسنا ولاقطه
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
فجمع المرئي من الدر والملقوط منه في كونهما متعجبا منهما, ثم فرق بينهما, فجعل الأول مجلوا عند الابتسام وهو ثغره, وجعل الثاني مسقطا عند المحادثة وهو حديثه.
وقول الفخر عيسى:
تشابه دمعانا غداة فراقنامشابهة في قصة دون قصة
فوجنتها تكسو المدامع حمرةودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي
وما ألطف قول مهيار الديلمي في هذا الباب:
جاءت تثنى بين ريحانةتعبق مسكا وكثيب يهال
فلا وعينيها وأردافهاوشقوة الدعص بها والغزال
ما قدها هز نسيم الصباوإنما ميل غصنا فمال
حتى إذا الليل قضى ما قضىخفت مع الفجر خطاها الثقال
أبكي وتبكي غيران الأسىدموعه غير دموع الدلال
أخذه السيد أحمد الصفوي فقال:
صه يا حمام فلست المشوقولا بات حالك فيها كحالي
فما من تباكي كما من بكىودمع الأسى غير دمع الدلال
ومنه قول التهامي:
قالوا تأس بجفنها في سقمهشتان بين سقامه وسقامي
سقم الجفون وإن تزايد صحةأبدا وسقمي قد أذاب عظامي
وحدث يعقوب بن بشر, قال: كنت مع إسحاق الموصلي في نزهة, فمر بنا إعرابي فوجه إسحاق خلفه فوافانا, فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال:
بكرت تحن وما بها وجديوأحن من وجد إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بهاودموع عيني قرحت خدي
وبساكني نجد كلفت ومايغني لهم كلفي ولا وجدي
لو قيس وجد العاشقين إلىوجدي لزاد عليه ما عندي
قال فما انصرف إسحاق إلا محمولا سكرا, وما شرب إلا على هذه الأبيات.
ومنه قول العفيف التلمساني:
بين فؤادي وخدها نسبكلاهما بالجحيم يلتهب
هما سواء والفرق بينهماأنهما ساكن ومضطرب
وقول الوطواط: فوجهك كالنار في ضوئها=وقلبي كالنار في حرها وقول الآخر: وسهيل كوجنة الحب في اللو_ن وقلب المحب في الخفقان وقولي في مطلع القصيدة:
ما بين قلبي وبرق المنحنى نسبكلاهما من سعير الوجد يلتب
قلبي لما فاته من وصل ساكنهوالبرق إذ فاته من ثغره الشنب
وبيت بديعية الصفي قوله:
سناه كالنار يجلو كل مظلمةوالبأس كالنار يفني كل مجترم
أدخل السناء والبأس في كونهما كالنار, ثم فرق بينهما, بأن وجه إدخال السنا فيه أنه يجلو الظلام, وإدخال البأس فيه أنه يفني المجرمين, كما تفني النار الحطب.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
فلذ بمن كفه والبحر ما افترقاإلا بكف وبحر في كلامهم
وبيت بديعية عز الدين الموصلي, شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين فقال:
وعزمه النار في جمع يفرقهووجهه النور يجلو ظلمة الغشم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
سناه كالبرق أن أبدوا ظلام وغىوالعزم كالبرق في تفريق جمعهم
وبيت بديعية الطبري قوله:
كالشمس في الجمع والتفريق ملتهوفي الضيا وجهه يا حسرة الظلم
وبيت بديعيتي هو:
ضياؤه الشمس في تفريق جمع دجىوقدره الشمس لم تدرك ولم ترم
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله: إن أنكروا الشمس منه فهي مقل=تعشي وفي مقل تجلو دجى الظلم قال ناظمه في شرحه: جعل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كالشمس, ثم فرق ما جمع فقال: إنها في عيون جلاء, وفي عيون عشاء, انتهى بنصه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع