تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الاعتراض

وما عليه اعتراض في نبوتهوهو الصدق فثق بالحق والتزم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الاعتراض, هو أن يؤتى في أثناء الكلام, أو بين كلامين متصلين معنى, بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب -لنكتة- سوى دفع الإبهام, فخرج الاحتراس. وسماه قدامة -لالتفات الصاحب بن عباد - حشو اللوزينج. ومتى خلا عن نكتة سمي حشوا, فلا يعد حينئذ من البديع, بل هو من المستهجن. والنكتة في الاعتراض كثيرة: - منها التنزيه.

كما في قوله تعالى "ويجعلون لله البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون" فإن قوله (سبحانه) جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت في أثناء الكلام, لأن قوله (ولهم ما يشتهون) عطف على قوله (لله البنات), والنكتة فيه تنزيه الله وتقديسه عما ينسبون إليه.

ومنها الدعاء كما في قول الشاعر:

إن الثمانين وبلغتهاوقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

فقوله (وبلغتها) يفيد الدعاء, وهو جملة معترضة بين اسم إن وخبرها, والواو فيه اعتراضية ليست عاطفة ولا حالية.

ومثله قول عبد الرحيم بن عبد المالك يخاطب أخاه وهو في حبس الرشيد:

فلو بك ما بي لا يكن بك لا أغتديإليك وراح البر بي والتقرب
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

ومنها التنبيه كما في قوله:

وأعلم فعل المرء ينفعهأن سوف يأتي كل ما قدرا

وقول الشاعر:

لو أن الباخلين وأنت فيهمرأوك تعلموا منك المطالا

و (منها) تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر علق بهما: كقوله تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك" فقوله (أن أشكر لي ولوالديك) وقوله (حملته) إلى آخره, اعتراض بينهما, إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا, وتذكيرا لحقها العظيم مفردا. ولذلك قيل: حق الوالد أعظم وحق الوالدة ألزم.

ومنها المطابقة والاستعطاف كما في قول أبي الطيب:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبهيا جنتي لرأيت فيه جهنما

فقوله (يا جنتي) اعتراض للمطابقة مع جهنم وللاستعطاف.

ومنها بيان السبب لأمر فيه غرابة كما في قول الشاعر:

فلا هجره يبدو وفي اليأس راحةولا وصلة يصفو لنا فنكارمه

فإن كون هجر الحبيب مطلوبا للمحب أمر غريب, فبين سببه: بأن في اليأس راحة.

ومنها المدح كما في قول أبي محمد الخازن:

فأية طربة للعفو أن الكريم وأنت معناه طروب
للشاعر أبو محمد الخازن الأصفهاني، اقرأ القصيدة

ومما جاء بين كلامين متصلين معنى وهو أكثر من جملة أيضاً, قوله تعالى "قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم" فإن قوله تعالى (والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) ليس من قول (أم) مريم وإنما هو اعتراض من كلام الله سبحانه, والنكتة فيه تعظيم الموضوع وتجهيلها بقدر ما وهب لها منه, ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت, وما علق به من عظائم الأمور, وجعلها وولدها آية للعالمين, وهي جاهلة بذلك لا علم لها به, ولذلك تحيرت وتحزنت. ثم زاده بيانا وإيضاحا بالجملة الثانية من الاعتراض فقال: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها.

قال السعد التفتازاني: ومثل هذا الاعتراض كثيرا يلتبس بالحال, والفرق دقيق أشار إليه صاحب الكشاف, حيث ذكر في قوله تعالى "ثم اتخذ تم العجل من بعده وأنتم ظالمون". إن قوله (وأنتم ظالمون) حال, أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها, واعتراض, أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. انتهى.

وحاصله أن الحال مقيد, فيراد بالظلم اتخاذ العجل, وعلى تقدير الاعتراض, لا يختص الظلم به بل يراد المطلق, وأيضا يراد الدوام على تقدير الاعتراض دون الحال, وبينهما فروق أخر تطلب من مظانها.

ولنذكر جملة من محاسن أمثلة هذا النوع على جاري عادتنا في هذا الكتاب, من غير تنبيه على النكت, اعتمادا على فهم الناظر.

فمن المستحسن منها قول العباس بن الأحنف:

قد كنت أبكي وكنت راضيةحذار هذا الصدود والغضب
إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولاثم فمالي في العيش من أرب

وقول أبي الفتح البستي:

أراح الله قلبي من زمانمحت يده سروري بالإساءة
فإن حمد الكريم صباح يوموأنى ذاك لم يحمد مساءه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «أراح الله من زمان»

وقول الفقيه عمارة اليمني:

له راحة ينهل جود بنانهاووجه إذا قابلته يتهلل
ترى الحق للزوار حتى كأنهعليهم وحاشا قدره يتطفل

على أنه أخذه من قول أبي الطيب:

وتحتقر الدنيا احتقار مجربيرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

وأخذه أبو الحسين الجزار أيضاً فقال:

ويهتز للجدوى إذا ما مدحتهكما اهتز حاشا وصفه شارب الخمر
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «عفا الله عما قد جنته يد الدهر»

وأخذه ابن الساعاتي أيضاً فقال:

يهزه المدح هز الجود سائلهأولا وحاشاه هز الشارب الثمل
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «مابعد لقياك للعافين من أملِ»

وقول ابن اللبانة في ناصر الدولة صاحب ميورقة:

وغمرت بالإحسان أفق ميورقةوبنيت فيها ما بنى الإسكندر
فكأنها بغداد أنت رشيدهاووزيرها وله السلامة جعفر
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

فقوله (وله السلامة) من مليح الاعتراض, مع ما فيه من التلميح إلى قصة جعفر البرمكي.

وقول أبي الوليد محمد بن يحيى بن حزم:

أتجزع من دمعي وأنت أسلتهومن نار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علقتوأنت ولا من عليك حبيبها

وقول القاسم صاحب أذربيجان:

سعاد تسبني ذكرت بخيروتزعم أنني ملق خبيث
وإن مودتي كرب ومينواني بالذي أهوى بثوت
وليس كذا ولا رد عليهاولكن الملول هو النكوث
رأت شغفي بها ونحول جسميفصدت هكذا كان الحديث

وقول السراج الوراق:

إن عيني وهو عضو دنفما على ما كابدته جلد
ما كفاها بعدها منك إلىأن دهاها وكفيت الرمد

ومثله قوله:

وما بي إلى ماء النيل حاجةولو أنه أستغفر الله زمزم

وقول ابن النبيه:

سقيا لأيامنا التي سلفتكانت بطيب الحياة مقترنة
لو بيع يوم منها وكيف بهكنت بعمري مسترخصا ثمنه
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقول الشريف الرضي ﵁:

لا تحسبيه وإن أسأت بهيرضى الوشاة ويقبل العذلا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لا تحسبيه وإن أسأت به»
لو كنت أنت وأنت مهجتهواشي هواك إليه ما قبلا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لا تحسبيه وإن أسأت به»

ويعجبني قول السيد عز الدين المرتضى:

أفي الحق أن يمضي ثلاث وأربعوخمس وسبع بعدهن ثماني
وما أن أرى شمس الضحى قمر الدجىولا هو حاشاه الخسوف يراني
نأى لا نأى لما دنا الهجر لا دنافيا ليت ذا ناء وذلك داني

ومنه قولي:

لاموا على كثر البكا ناظريولم يروا منظره الناضرا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لاموا على كثر البكا ناظري»
ولو رأى العاذل لي لا أرىأصبح لا أصبح لي عاذرا

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله:

فإن من أنفذ الرحمن دعوتهوأنت ذاك لديه الجار لم يضم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وابن جابر لم ينظم ذلك النوع.

وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:

فلا اعتراض علينا في السؤال بهأعني الرسول لكي أنجو من الضرم

وبيت ابن حجة قوله:

فلا اعتراض علينا في محبتهوهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم

وبيت بديعية الطبري قوله:

لي منك عهد عسى أني أكون بهأرعى بدون اعتراض من ذوي الخدم

وبيت بديعيتي هو:

وما عليه اعتراض في نبوتهوهو الصدوق فثق بالحق والتزم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

وبيت المقري قوله:

صلى الإله ووالاها عليك كماصلت ظباك على القتلى ولم تضم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.