تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

نفي الشيء بإيجابه

نفى بإيجابه عنا بسنتهجهلا نضل به عن وأضح اللقم

لأهل البديع في تفسير هذا النوع عبارتان إحداهما ما فسره به ابن رشيق في العمدة, وهو أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء, وباطنه نفيه, بأني نفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن. والثانية ما فسره به غيره, وهو أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له. وسماه بعضهم: نفي الشيء بنفي لازمه.

ومنه قوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي ليس لهم سؤال فيكونوا ملحفين, فإذن لا سؤال لهم أصلا, أو ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار, بناء على أن المضطر من شأنه الإلحاف في السؤال, فانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى, أي لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون.

وقوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) الغرض نفي الشفيع رأسا, وإنما ضمت إليه الصفة ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر لا نزاع فيه, وبالغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة.

ومثله قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم ...

ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ في صفة مجلس رسول الله ﵌: لا تنثني فلتانه, أي لا فلتات ولا انثناء.

وقول الشاعر:

لا تفزع الأرنب أهوالهاولا ترى الضب بها ينجحر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

أي لا أرنب يفزعها هول, ولا ضب ولا انجحار.

وقول امرئ القيس (على لاحب لا يهتدي بمناره) أي لا منار ولا اهتداء.

وقول سويد بن أبي كاهل:

من أناس ليس في أخلاقهمعاجل الفحش ولا سوء الجزع

أي لا فحش ولا جزع أصلا.

وقول مسلم بن الوليد بن يزيد بن مزيد:

لا يعبق الطيب خديه ومفرقهولا يسمح عينيه من الكحل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وقصده نفي الطيب والكحل مطلقا, ولذلك قال الممدوح لما أنشده الشاعر هذا البيت لقد حرمتني الطيب والكحل ما بقيت.

حكى مسلم المذكور قال: خلت على الأمير يزيد بن مزيد وهو جالس على كرسي, وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة وبيده هو مرآة ومشط يسرح لحيته, فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد أيها الأمير, قال: فأنشدني.

فأنشدته قصيدتي التي أولها:

أجررت حبل خليع في الصبا غزلوشمرت همم العذال في عذلي
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»
رد البكاء على العين الطموح هوىمفرق بين توديع ومرتحل
أما كفى البين أن أرمى بأسهمهحتى رماني بسهم الأعين النجل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

فلما صرت إلى قولي منها في مدحه:

لا يعبق الطيب خديه ومفرقهولا يمسح عينيه من الكحل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وضع المرآة في غلافها وقال للجارية: انصرفي, فقد حرم علينا مسلم الطيب والكحل.

ومنه قول أبي الطيب المتنبي:

أفدي ظباء فلاة ما عرفن بهامضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
للشاعر ابن شيخان السالمي، اقرأ القصيدة
ولا برزن من الحمام مائلةأوراكهن صقيلات العراقيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مراده أنهن لا يدخلن الحمام مطلقا, لأنهن بدويات لا يعرفن الحمام, وإن كان ظاهر الكلام أنهن لا يبرزن من الحمام على تلك الهيئات, والغرض أن حسنهن مستغن عن التصنع والتطرية.

كما قال قبله:

ما أوجه الحضر المستحسنات بهكأوجه البدويات الرعابيب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»
حسن الحضارة مجلوب بتطريةوفي البداوة حسن غير مجلوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:

لا يهدم المن منه عمر مكرمةولا يسوء أذاه نفس متهم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

فمراده نفي المن والإساءة, وإن قديهما بالمكرمة والمتهم.

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

لم ينف ذما بإيجاب المديح فتىإلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم

هذا البيت ليس فيه من نفي الشيء بإيجابه إلا لفظا النفي والإيجاب, وأما المعنى الذي تقرر في تفسير هذا النوع فليس فيه بوجه. وقال ناظمه في شرحه: معناه أنه ما نفى الذم بإيجاب المديح كريم إلا وكان النبي ﵌ قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى, قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود, فإنه هو الأصل في الأسباب الخيرية. هذا كلامه بنصه, فلم يزد إلا بعدا عن الغرض من هذا النوع.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

لا ينتفي الخير من إيجابه أبداولا يشين العطا بالمن والسأم

ظاهره نفي انتفاء الخير في إيجابه ﵌, والمن والسأم في العطاء, والمراد نفي ذلك مطلقا.

وبيت بديعية الطبري قوله:

لم ينف إيجاب ما أعطاه آملهبالمن مستكثرا حاشاه من وصم

مراده عدم نفي إيجاب ما أعطاه مطلقا, وإن قيده بالمن والاستكثار.

وبيت بديعيتي هو:

نفى بإيجابه عنا بسنتهجهلا نضل به عن وأضح اللقم

ظاهره نفي الجهل الموصوف بالضلال به عن واضح سواء الصراط, والغرض نفي الجهل مطلقا. واللقم بالتحريك: وسط الطريق.

وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:

ما راع جارا رعاه وجه حادثةولا انثنى مازجا دمعا جرى بدم

قال ناظمه في شرحه: إنه نفى ارتياع جاره من وجود الحادثات فقط, فكأنها تطرقه ولا تروعه. ومراده نفي الحوادث من أصلها, والزيادة قوله: رعاه, فكأنه نفى ارتياع جار رعاه فقط, والمراد نفيه عنه مطلقا. وكذلك قوله: ولا انثنى مازجا, ظاهره نفي مزج الدمع بالدم, والمراد نفي البكاء من أصله.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.