من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التفريق
قاسوه بالبحر والتفريق متضحأين الأجاج من المستعذب الشبم
التفريق في اللغة ضد الجمع لا الاجتماع كما وهم ابن حجة, وضد الاجتماع إنما هو الافتراق لا التفريق. وفي اصطلاح البديعيين هو إيقاع تباين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره.
كقول الشاعر:
قاسوك بالغصن في الثنيقياس جهل بلا أنتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعىوأنت غصن بلا خلاف
وقول رشيد الدين الوطواط:
ما نوال الغمام وقت ربيعكنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عينونوال الغمام قطرة ماء
وقد تلاعب الشعراء بمعنى هذين البيتين كثيرا, فللوأواء الدمشقي:
من قاس جدواك بالغمام فماأنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبداوهو إذا جاد دامع العين
ولبعضهم فيه:
من قاس جدواك يومابالسحب أخطأ مدحك
السحب تعطي وتبكيوأنت تعطي وتضحك
وللأديب يعقوب النيسابوري:
رأيت عبيد الله يضحك معطياويبكي أخوه الغيث عند عطائه
وكم بين ضحاك يجود بمالهوآخر بكاء يجود بمائه
ولأبي الفتح البستي:
يا سيد الأمراء يا من جودهأوفى على الغيث المطير إذا همى
الغيث يعطي بالحيا متجهماونداك يعطي بالجدا متبسما
ولشرف الدين النجاري:
ما قست بالغيث العطايا منك إذيبكي وتضحك إذ توالي للندى
وإذا أفاض على البرية جودهماء تفيض لنا غيوثك عسجدا
وقلت أنا في ذلك:
من قاس جدوى راحتيك إذا همتبالغيث أخطأ في القياس وما درى
إذ أنت تعطي ضاحكا مستبشروالغيث يعطي باكيا مستعبرا
وقلت أيضاً:
من قاس جدوى يديك يومابالغيث ما بر في امتداحك
الغيث ينهل وهو باكوأنت تعطي وأنت ضاحك
وما أبدع قول البديع الهمداني من قصيدته المقدم ذكرها:
وكاد يحيك صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقتوالليث لو لم يصد والبحر ولو عذبا
وما زلت معجبا بقول ابن اللبانة في المعتمد بن عباد:
سألت أخاه البحر عنه فقال ليشقيقي إلا أنه البارد العذب
لنا ديمتا مال وماء فديمتيتماسك أحيانا وديمته سكب
إذا نشأت برية فله الندىوإن نشأت بحرية فله السحب
وقال أبو العلاء المعري:
تنازع فيك الشبه بحر وديمةولست إلى ما يزعمان بمائل
إذا قيل بحر فهو ملح مكدروأنت نمير الجود عذب الشمائل
ولست بغيث فوك للدر معدنولم تلف دار في الغيوث الهواطل
ومنه قول السيد علي بن محمد الحماني في الغزل: وجه هو البدر إلا أن بينهما=فضلا تحير عن حافاته النور
في وجه ذاك أخاليط مسودةوفي مضاحك هذا الدر منثور
وقول بعضهم:
يا غيوث السماء دمعك يفنىعن قليل وما لدمعي فناء
أنا أبكي طوعا وتبكين كرهاودموعي دم ودمعك ماء
وقول مهيار الديلمي:
أبكي وتبكي غير أن الأسىدموعه غير دموع الدلال
أخذه السيد أحمد الصفوي الدمشقي فقال:
صه يا حمام فلست المشوقولا بات فيها كحالي
فما من تباكي كما من بكىودمع الأسى غير دمع الدلال
والشعر في هذا المعنى يضيف عن الإحاطة به نطاق الحصر, وفي هذا النموذج كفاية.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
فجود كفيه لم تقلع سحائبهعن العباد وجود السحب لم يدم
هذا من بيت ابن اللبانة المقدم ذكره وهو:
لنا ديمتا ماء ومال فديمتيتماسك أحيانا وديمته سكب
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي:
لا يستوي الغيث مع كفيه نائل ذاماء ونائله مال فلا تهم
ثقل تركيب هذا البيت, وتعقيد ألفاظه, وتداعي قافيته, ظاهرة مع سهولة نظم هذا النوع وخفة محمله.
على أنه مأخوذ من قول الأول:
فنوال الأمير بدرة مالونوال الغمام قطرة ماء
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
قالوا هو البحر والتفريق بينهماإذ ذاك غم وهذا فارج الغمم
قال ابن حجة: ليس في بديعية الموصلي بيت يناظر هذا البيت في علو طباقه, فإنه مشتمل على التورية باسم النوع, ولطف الانسجام والسهولة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قالوا هو البدر والتفريق يظهر ليفي ذاك نقص وهذا كامل الشيم
أغار ابن حجة على صدر بيت عز الدين الموصلي أغارة قبيحة, لا يرضى بها من له في الأدب خطوة فسيحة, على أنه مأخوذ من قول الأول:
حسبت جماله بدرا منيراوأين البدر من ذاك الجمال
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
فاق النبيين والتفريق يظهر مندوام معجزة للغير لم تدم
لنظر الأديب في هذا البيت مجال يستغني عن المقال.
وبيت بديعيتي هو قولي:
قاسوه بالبحر والتفريق متضحأين الأجاج من المستعذب الشبم
التفريق في هذا البيت من جهتين: إحداهما أن البحر ملح, وهو مستعذب. والثانية أن البحر حار وهو بارد. والتفريق في أبيات البديعيات المذكورة كلها من جهة واحدة.
ولست أدعي في هذا البيت الاختراع بل هو من قول ابن اللبانة المقدم:
سألت أخاه البحر عنه فقال ليشقيقي إلا أنه البارد العذب
ولكن في بيتي تلميح إلى قوله تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج).
وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله:
أين السحاب وأين البحر منه ندىالبحر ملح وجود السحب لم يدم
هذا البيت فيه تفريقان كلاهما مأخوذ مما تقدم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع