من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الانسجام (٢)
ومنه قول مجنون ليلى واسمه قيس بن الملوح
تعلقت ليلى وهي ذات ذوائبولم يبد للأتراب من صدرها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنناإلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
وقوله أيضاً:
إلى الله أشكو نية شقت العصاهي اليوم شتى هي أمسى جميع
مضى زمن والناس يستشفعون بيفهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
أعائدة يا ليل أيامنا الألىبذي الرمث أم ما إن لهن رجوع
وقوله أيضاً:
قضى الله حب العامرية فاصطبرعليه وقد تجري الأمور على قدر
ألا ليقل من شاء ما شاء إنمايلام الفتى فيما استطاع من الأمر
وقوله أيضاً:
أمر على الديار ديار ليلىأقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديارا
وقوله أيضاً:
وداع داعا إذ نحن بالخيف من منىفهيج أشجان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائرا كان في صدري
ومنه قول صاحبته ليلى فيه:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرةمتى رحل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل بنفسهومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
ومنه قول عبد الله بن الدمينة:
قفي قبل وشك البين يا ابنة مالكولا تحرمينا نظرة من جمالك
قفي يا أميم القلب نقضي لبانةقبيل النوى ثم افعلي ما بدا لك
سلي البانة الغناء بالأجرع الذيبه البان هل حييت أطلال دارك
ومنها:
تعاللت كي أشجي وما بك علةتريدين قتلي قد ظفرت بذلك
تقولين للعواد كيف ترونهفقالوا قتيلاً قلت أيسرها لك
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍلقد سرني أني خطرت ببالك
أبيني أفي يمنى يديك جعلتنيفافرح أم صيرتني في شمالك
حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئاً يستحسنه أطرفني به, وأفعل مثل ذلك, فجاني يوماً فوقف بين الناس. وأنشد لابن الدمينة:
إلا يا صبا نجد متى هجت من نجدلقد زادني مسراك وجدا على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحىعلى فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكنجزوعاً وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنايمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بناعلى أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافعإذا كان من أهواه ليس بذي ود
ثم ترنح ساعة, وترجح أخرى, ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا الشعر؟ فقلت: لا, أرفق بنفسك.
والدمينة بضم الدال المهملة, وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح النون, تصغير دمنة وهي أمه, وعهدي ببعض الطلبة المتزيدين لا يعرف كيف ينطق بهذا اللفظ لحيرته في ضبطه والله الموفق.
ومنه قول بشار بن برد وهو من مخضرمين الدولتين الأموية والعباسية:
عبد إني إليك بالأشواقلتلاق كيف لي بالتلاق
أنا والله اشتهى سحر عينيك وأخشى مصارع العشاق
وقوله أيضاً وهو من المطرب:
أيها الساقيان صبا شرابيوأسقياني من ريق بيضاء رود
إن دائي الظما وإن شفائيرشفة من رضاب ثغر برود
ولها مضحك كغر الأقاحيوحديث كالوشي وشي البرود
نزلت في السواد من حبة القلب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت نلقاك بعد ليالوالليالي يبلين كل جديد
عندها الصبر عن لقائي وعنديزفرات يأكلن قلب الجليد
وقوله أيضاً:
عذيري من العذال إذ يعذلوننيسفاها وما في العاذلين لبيب
يقولون لو عزيت قلبك لارعوىفقلت وهل للعاشقين قلوب
ومن المرقص قوله من أرجوزة:
يا طلل الحي بذات الصمدبالله خبر كيف كنت بعدي
أوحشت من دعد وترب دعدسقيا لأسماء ابنة المرشد
صدت بخد وجلت عن خدثم انثنت كالنفس المرتد
عهدي بها سقيا له من عهدتخلف وعدا وتفي بوعد
ومنه قول العباس بن الأحنف وهو من المبرزين في هذا الباب:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتنيجنوناً فزدني من حديثك يا سعد
هواها هوى لا يعرف القلب غيرهوليس له قبل وليس له بعد
وقوله:
أيها النائمون حولي أعينوني على الليل حسبة وائتجارا
حدثوني عن النهار حديثاوصفوه فقد نسيت النهارا
وقوله:
لو كنت عاتبة لسكن روعتيأملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء بهجرهلو كان عللني بوعد كاذب
وقوله:
قد سحب الناس أذيال الظنون بناوفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالحب غيركموصادق ليس يدري أنه صدقا
وقوله:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبهوإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك أن لا تغفر الذنب في الهوىيفارقك من تهوى وأنفك راغم
وقوله:
أبكي الذين أذاقوني مودتهمحتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
فاستنهضوني فلما قمت منتصبابثقل ما حملوني منهم قعدوا
لا خرجن من الدنيا حبهمبين الجوانح لم يشعر به أحد
وقوله:
يا أيها الرجل المعذب نفسهأقصر فإن شفاءك الإقصار
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بهاأرأيت عينا للدموع تعار
وقوله:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعةفلا خير في ود يكون بشافع
وأقسم ما تركي عتابك عن قلىولكن لعلمي أنه غير نافع
واني إن لم ألزم الصبر طائعافلا بد منه مكرها غير طائع
وقوله:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبتتضيء للناس وهي تحترق
وقوله:
تعب يطول مع الرجاء الذي الهوىخير له من راحة في اليأس
لولا محبتكم لما عاتبتكمولكنني عندي كبعض الناس
حكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة, ومات في ذلك اليوم الكائي النحوي, والعباس بن الأحنف وهشيمة الخمارة, فرفع ذلك إلى الرشيد, فأمر المأمون أن يصلي عليهم, فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي, فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف, فقدم فصلى عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقديم على من حضر؟ قال: بقوله:
وسعى بها ناس قالوا إنهالهي التي تشقى بها وتكابد
نجدتهم ليكون غيرك ظنهمإني ليعجبني المحب الجاحد
ثم قال: أتحفظهما؟ فقلت: نعم وأنشدته, فقال لي المأمون: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدم؟ فقلت: بلى والله يا سيدي. انتهى.
قلت: هكذا أورد هذه الحكاية غير واحد من المؤرخين, غير أن ابن خلكان وغيره تعقب صحتها بأن الكسائي توفي بالري سنة تسع وثمانين ومائة, وقيل بطوس سنة اثنين أو ثلاث وثمانين ومائة, والعباس توفي سنة اثنين وتسعين لأن الرشيد مات ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين بمدينة طوس. قال ابن خلكان: وقال غيره: ومما يكذب هذه الحكاية أن المأمون ما كان ممن يقدم العباس بن الأحنف على مثل الكسائي وهو شيخه وأستاذه, مع منزلته عند الرشيد والله أعلم.
ومنه قول مسلم بن الوليد من قصيدته التي لقب بها صريع الغواني أولها:
أديرا علي الكاس لا تشربا قبليولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فما جزعي أني أموت صبابةولكن على من لا يحل لها قتلي
كتمت تباريح الصبابة عاذليفلم يدر ما بي واسترحت من العذل
أحب التي صدت وقالت لتربهادعيه الثريا منه أقرب من وصلي
أماتت وأحيت مهجتي فهي عندهامعلقة بين المواعيد والمطل
سأنقاد للذات متبع الهوىلا مضى هماً أو أصيب فتى مثلي
هل العيش ألا أن تروح مع الصباوتغدو صريح الكأس والأعين النجل
يقال أنه أنشدها بحضرة الرشيد فلما بلغ هذا البيت سماه صريع الغواني.
ومنه قول أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءودواني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهالو مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حر في زي ذكر ذكرلها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل متعكرفلاح من وجهها في البيت لألاء
فأرسلت من فم الإبريق صافيةكأنما أخذها بالعقل إعفاء
رقت عن الماء حتى لا يلائمهالطافة وجفا عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نورا لمازجهاحتى تولد أنوار وأضواء
دارت على فتية ذل الزمان لهمفما يصيبهم إلا بما شاؤا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةكانت تحل بها هند وأسماء
فقل لم يدعي في الحب فلسفةحفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وقوله:
قامت بكأس إلى ناش على طربكلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريني وأمر الليل مجتمعصبا تولد بين الماء والعنب
كأن صغري وكبرى من فواقعهاحصباء در على أرض من الذهب
ويتعلق بهذا البيت حكاية لطيفة, وبحث نحوي.
أما الحكاية فهي ما ذكره المؤرخون, من أن المأمون ليلة دخوله ببوران بنت الحسن بن سهل فرش له حصير منسوج بالذهب, فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلي كثيرة, فلما رأى تساقط اللآلي المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذا الحال حين قال في صفة الخمر والحباب (كأن صغرى وكبرى من فواقعها).
وأما البحث فهو أنه يجب استعمال (فعلى أفعل) بأل, أو بالإضافة, وقد استعملها أبوا نواس بدونهما فهو لحن. وأجاب بعضهم بأن (من) زائدة, فصغرى وكبرى مضافان, على حد قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد. ورد بان (من) لا تقحم في الإيجاب. ولا مع تعريف المجرور.
والجواب الصحيح: أن اسم التفضيل المجرد إذا قصد أصل الفعل لا المفاضلة, فتكون (صغرى), و (كبرى) في البيت بمعنى صغيرة, وكبيرة, فلا لحن فتأمل.
وقال أبي نواس أيضاً:
كأن ثيابه أطلعن من أزراره قمرا
يزيدك وجهه حسناإذا ما زدته نظرا
بعين خالط التفتير منأجفانها الحورا
وخد سابري لو تصوبماؤه قطرا
ومنه قول الحسين بن الضحاك الملقب بالخليع:
إذا ما الماء أمكننيوصفو سلافة العنب
صببت الفضة البيضاء فوق قراضة الذهب
وقوله:
وصف البدر حسن وجهك حتىخلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض توسمنته بسيم شذاكا
خدع للمنى تعللني فيكبإشراق ذا وبهجة ذاكا
لا دومن يا حبيبي على العهد لها وذاك إذ حكياكا
وقوله:
بأبي زور تلفت لهوتنفست عليه صعدا
بينما أضحك مسروا بهإذ تقطعت عليه كمدا
وقوله:
تمنيت أن أسقى بعينيه شربةتذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلةمن الدهر إلا من حبيب على وعد
وقول أبي العتاهية:
لهفي على الزمن القصيربين الخورنق والسدير
إذ نحن في غرف الجنان نعوم في بحر السرور
في فتية ملكون عنان الدهر أمثال الصقور
ما منهم إلا الجسورعلى الهوى غير الحصور
يتعاورون مدامةصهباء من حلب العصير
عذراء رباها شعاع الشمس في حر الهجير
لم تدن من نار ولميعلق بها وضر القدور
ومقرطق يمشي أمام القومكالرشأ الغرير
بزجاجة تستخرج السرالدفين من الضمير
زهراء مثل الكوكب الدري في كف المدير
تدع الكريم ليس يدري ما قبيل من دبير
ومخصرات زرننابعد الهدو من الخدور
ريا رواد فهن يلبسن الخواتم في الخصور
غر الوجوه محجبات قاصرات الطرف حور
متغمسات في النعيم مضخمات بالعبير
يرفلن في حلل المحاسن والمجاسد والحرير
ومن الانسجام المرقص قول ديك الجن الحمصي:
أنظر إلى شمس القصور وبدرهاوإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبل عينك أبيضا في أسودجمع الجمال كوجهها في شعرها
وردية الوجنات يختبر اسمهامن نعتها من لا يحيط بخبرها
وتمايلت فضحكت من أردافهاعجبا ولكني بكيت لخصرها
تستقيك كأس مدامة من كفهاوردية ومدامة من ثغرها
وهذه الأبيات قالها في جارية نصرانية من أهل حمص عشقها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت فتزوجها, ثم بلغه أنها تهوى غلاماً فقتلها, وقال فيها:
يا طلعة طلع الحمام عليهاوجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها الثرى ولطالماروى الهوى شفتي من شفتيها
مكنت سيفي من مجال خناقهاومدامعي تجري على خديها
فوحق نعليها وما وطيء الحصىشيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكنأبكي إذا سقط الغبار عليها
لكن ضننت على سواي بحبهاوأنفت من نظر الغلام إليها
وقوله أيضاً:
بها غير معذور فداو خمارهاوصل بعشيات الغبوق ابتكارها
ونل من عظيم الوزر كل عظيمةإذا ذكرت خاف الخفيظان نارها
وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغرولا تسق إلا خمرها وعقارها
فقام تكاد الكأس تحرق كفهمن الشمس أو من وجنتيه استعارها
موردة من كف ظبي كأنماتناولها من خده فأدارها
ظللنا بأيدينا نتعتع روحهافتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
ويحكى أنه لما اجتاز أبو نواس بحمص قاصداً مصر لامتداح الخصيب سمع ديك الجن بوصوله فاستخفى منه خوفاً من أن يظهر لأبي نواس, لكونه قاصراً بالنسبة إليه, فقصده أبو نواس في داره وهو بها, فطرب الباب, واستأذن عليه, فقالت الجارية: ليس هو هنا, فعرف مقصده فقال لها قولي له: أخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك:
موردة في كف ظبي كأنماتناولها من خده فأدارها
فلما سمع دين الجن ذلك خرج إليه واجتمع به وأضافه.
ومن بديع الانسجام ما أنشده إسحاق الموصلي لبعض الأعراب:
ألا قاتل الله الحمامة غدوةعلى الغصن ما هيجت حين غنت
تغنت بصوت أعجمي فهيجتمن الشوق ما كانت ضلوعي أجنت
فلو قطرت عين امرء من صبابةدما قطرت عيني دما فألمت
فما سكنت حتى أويت لصوتهاوقلت ترى هذي الحمامة جنت
ولي زفرات لو يدمن قتلننيبشوق إلى نأي التي قد تولت
فيا محيي الموتى أقدني من التيبها نهلت نفسي سقاما وعلت
لقد بخلت حتى لوني سألتهاقذى العين من سافي التراب لضنت
فقلت ارحلا يا صاحبي فليتنيأرى كل نفس أعطيت ما تمنت
حلفت لها بالله ما أم واحدإذا ذكرته آخر الليل حنت
وما وجد أعرابية قذفت بهاصروف النوى من حيث لم تك ظنت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبهوبرد الحمى من بطن خبت أرنت
بأكثر مني لوعة غير أننيأجمجم أحشائي على ما أجنت
ومنه قول إسحاق الموصلي:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتيوقام بنصري خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولتيداي الثريا قاعدا غير قائم
ومنه قول محمد بن كناسة:
في انقباض وحشمة فإذالاقيت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتهاوقلت ما قلت غير محتشم
قيل: أنشد محمد بن كناسة هذين البيتين إسحاق الموصلي, فقال له الموصلي: وددت أني نقص من عمري سنتان وإني كنت سبقت إلى إلى هذين البيتين فقلتهما.
ومن المرقص في باب الانسجام قول عمر بن أبي ربيعة من قصيدة:
أتاني رسول من ثلاث خرائدورابعة تستكمل الحسن أجمعا
تنوعتن حتى عاود القلب سقمهوحتى تذكرت الحديث المودعا
فقلت لمطريهن في الحسن إنماضررت فهل تستطيع نفعا فتنفعا
وهيجت قلبا كان قد ودع الصباوأشياعه فاشفع عسى أن تشفعا
لئن كان ما قد قلت حقا فما أرىكمثل الألى أطريت في الناس أربعا
ومنا وهو الغاية التي لا تدرك:
فلما توافقنا وسلمت أشرقتوجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
قربن أسباب الهوى لمتيميقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا
وقوله أيضاً:
ردوا التحية أيها السفروقفوا فإن وقوفكم أجر
ماذا عليكم في وقوفكمريث السؤال سقاكم القطر
بالله ربكم أما لكمبالمشعرين وأهله خبر
مكية هام الفؤاد بهانسي العزاء فماله صبرا
قدرت له حيناً لتقتلهولكل ما هو كائن قدر
فالشهر مثل اليوم إن حضرتواليوم إن غابت به شهر
زهراء آنسة مقبلهاعذب كأنه مذاقه الخمر
وإذا تجلت في الظلام جلتدجن الظلام كأنها البدر
نظرت إليك بعين مغزلةحوراء خالط طرفها فتر
وقوله أيضاً كما في تاريخ ابن خلكان ولم أجدها في ديوانه:
حي طيفا من الأحبة زارابعد ما صرع الكرى السمارا
طارقا في المنام تحت دجى الليل ضنينا بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا كناقبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال أنا كما عهدت ولكنشغل الحلي وأهله أن يعارا
وقوله وقد تزوج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري محبوبته الثريا:
أيها المنكح الثريا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلتوسهيل إذا استقل يماني
ومنه قول يزيد بن الطثرية:
عقيلية أما ملاث إزارهافدعص وأما خصرها فبتيل
تقيظ أكناف الحمى ويظلهابنعمان من وادي الأراك مقيل
أليس قليلا نظرة أن نظرتهاإليك وكلا ليس منك قليل
فيا خلة النفس التي ليس دونهالنا من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبها لم يطع بهعدو ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النوىوخوف العدى فيه إليك سبيل
فديتك أعدائي كثير وشقتيبعيد وأشياعي لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلةفأفنيت علاتي فكيف أقول
فما كل يوم لي بأرضك حاجةولا كل يول لي إليك رسول
صحائف عندي للعتاب طويتهاستنشر يوماً والعتاب طويل
فلا تحملي إثمي وأنت ضعيفةفإن دمي يوم الحساب ثقيل
ومن الفائق قول أبي تمام:
وما حسرتي إن كدت أقضي إنماحسرات قليب إنني لم أفعل
نقل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبدا لأول منزل
وقوله وهو من المطراب:
استزارته فكرتي في المنامفأتاني في خفية واكتتام
ألليالي أحفى بقلبي إذا ماجرحته النوى من الأيام
يا لها زورة تلذذت الأرواح فيها سرا من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيبغير أنا في دعوة الأحلام
وقوله أيضاً:
أنت في حل فزدني سقماأفن صبري وأجعل الدمع دما
وأرض لي الموت بهجريك فإنألمت نفسي فزدني ألما
محنة العاشق في ذل الهوىفإذا استودع سرا كتما
ليس منا من شكا علتهمن شكا ظلم حبيب ظلما
ومثله قوله أيضاً:
الحسن جزء من وجهك الحسنيا قمرا موفيا على غصن
وإن كنت في الحسن واحدا فأنايا واحد الحسن واحد الحزن
كل سقام تراه في أحدفذاك فرع والأصل في بدني
كوامن الحب قبل كونك فيأفئدة العاشقين لم تكن
وقوله أيضاً:
إذا راح مشهور المحاسن أو غدابلين على لحظ العيون الغوامز
فمن لم تفز عيناه منه بنظرةفليس بخير في الحياة بفائز
إذا ما انتضى سيف الملاحة طرفهونادى قلوب القوم هل من مبارز
عجزت فألقى السلم قلبي لطرفهعلى أنه عن غيره عير حاجز
وقوله من قصيدة:
ومعرس للغيث تخفق فوقهرايات كل دجنة وطفاء
نشرت حدائقه فصرن مآلفالطرائف الأنواء والأنداء
فسقاه مسك الطل كافور الصباوانحل فيه خيط كل سماء
عني الربيع بروضه فكأنماأهدى إليه الواشي من صنعاء
صحبته بمدامة صحبتهابسلافة الخلطاء والندماء
بمدامة تغدو المنى لكؤسهاخولا على السراء والضراء
راح إذا ما الراح كن مطيهاكانت مطايا الشوق في الأحشاء
عنبية ذهبية سكبت لهاذهب المعاني صاغة الشعراء
صعبت وراض المزج سيء خلقهافتعلمت من حسن خلق الماء
خرقاء يلعب بالعقول حبابهاكتلاعب الأفعال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصةقتلت كذلك قدرة الضعفاء
ومن مديحه المرقص قوله ﵀:
بيمين أبي إسحاق طالت يد العلىوقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو اليم من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والبر ساحله
تعود بسط الكف حتى لواتهثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله
ومنه قول أبي عبادة البحتري وعد من المرقص أيضاً:
أشرب على زهر الرياض تشوبهزهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوة تنسي الهموم وتبعث الشوق الذي قد ضل في الأحشاء
يخفي الزجاجة لونها فكأنهافي الكف قائمة بغير إناء
ولها نسيم كالرياض تنفستفي أوجه الأرواح والأنداء
وفواقع مثل الدموع ترددتفي صحن خد الكاعب العذراء
يسقيكها رشأ بالكاد يزيدهاسكرا بفترة مقلة حوراء
يسعى بها وبمثلها من طرفهعوداً وإبداء على الندماء
وقوله وهو أول قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان:
بنا أنت من مجفوة لم تعتبمعذورة في هجرها لم تؤتب
نازحة والدار منها قريبةوما قرب ثاو في التراب مغيب
قضت نوب الأيام فيها بفرقةمتى ما تغالب بالتجلد تغلب
فإن أبك لأشفي الغليل وأن أدعأدع لوعة في القبلب ذات تلهب
ألا لا تذكرني الحمى إن ذكرهجوى للمشوق المستهام المعذب
أتت دون ذاك الدهر أيام جرهموطارت بذاك العيش عنقاء مغرب
ويا لائمي في عبرة قد سفحتهالبين وأخرى قبلها للتجنب
تحاول مني شيمة غير شيمتيوتطلب مني مذهبا غير مذهبي
وما كبدي بالمستطيعة للأسىفأسلو ولا قلبي كثير التقلب
ولما تزايلنا عن الجزع وانثنىمشرق ركب مصعدا عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عالجتسر وأن لا خلة بعد زينب
لعل وجيف الركب في غلس الدجىوطي الفيافي سبسبا بع سبسب
يبلغني الفتح بن خاقان أنهنهاية آمالي وغاية مطلبي
حكي أنه سبب نظم البحتري لهذه القصيدة أنه ماتت للمتوكل جارية بارعة الجمال اسمها شجر الدر, فحزن المتوكل لموتها حزناً شديدا وتركها بغير دفن أياماً لشدة وجده عليها, ولم يستطع أحد من الوزراء أن ينصحه في ذلك, ولا قدر أحد من الشعراء أن يرثيها. فتقد الفتح بن خاقان إلى أبي عبادة البحتري بنظم قصيدة يكون نسيبها متعلقاً بشجر الدر ومديحها فيه, وأن ينشدها بين يدي المتوكل. فنظم هذه القصيدة وحظر بين يدي المتوكل, فأخذ في إنشادها والمتوكل يهتز لها طربا, ويستعيد كل بيت منها استحسانا, إلى أن بلغ قوله: يبلغني الفتح بن خاقان - البيت - فقال المتوكل: ويحك يا أبا عبادة انتقلت مما يطرب إلى ما ينصب. ثم أجازه كل من الخليفة والوزير جائزة سنية, وحصل للمتوكل بذلك سلوة, والله أعلم.
ومن المطرب قوله أيضاً:
بات نديما لي حتى الصباحأغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يضحك عن لؤلؤمنضد أو برد أو أقاح
تحسبه نشوان إمارناللفتر في أجفانه وهو صاح
بت أفديه ولا أرعويلنهي ناه عنه أو لحي لاح
أمزج كأسي بجنى ريقهوإنما أمزج راحا براح
يساقط الورد علينا وقدتبلج الصبح نسيم صباح
أغضيت عن بعض الذي يتقىمن حرج في حبه أو جناح
سحر العيون النجل مستهلكلبي وتوريد الخدود الملاح
وقوله:
يا عارضا متلفعا ببرودهيختال بين بروقه ورعوده
لو شئت عدت بلاد نجد عودةفنزلت بين عقيقة وزروده
لتجود في ربع بمنعرج اللوىقفر تبدل وجشه من غيده
رفع الفراق قبابهم وتحملوابفؤاد مختبل الفؤاد عميده
وأنا الفداء لمرهف غض الصبايوهيه حمل وشاحه وعقوده
قصرت تحيته فجاد بخدهيوم الوداع لنا وضن بجيده
عنيت به عين الرقيب فلم تدعمن نيله المطلوب غير زهيده
ولو استطاع لكان يوم وصالهللمستهام مكان يوم صدوده
وقوله في غلام له اسمه نسيم, باعه فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب ثم ندم على بيعه وتتبعته نفسه:
دعا مقلتي تجري على الجور والقصدأظن نسيما قارف الهجر من بعدي
خلا ناظري من طيفه بعد شخصهفيا عجبا للدهر فقداً على فقد
خليل هل من نظرة توصلانهاإلى وجنات ينتسبن إلى الورد
وقد يكاد القلب يفقد دونهإذا اهتز في قرب من العين أو بعد
بنفسي حبيب نقلوه عن اسمهفبات غريبا في رخاء وفي سعد
فبا حائلا عن ذلك الاسم لا تحلوإن جهد الأعداء عن ذلك العهد
كفى حزنا أنا على الوصل نلتقيفواقا فتثنينا العيون إلى الصد
فلو تمكن الشكوى لخبرك البكاحقيقة ما عندي وإن جل ما عندي
هوى لا جميل في بثينة نالهبمثل ولا عمرو بن عجلان في هند
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجةغنى لك عن ظبي بساحتنا فرد
أتأخذه مني وقد أخذ الجوىمآخذه مما أسر وما أبدي
وقلت أسل عنه والجوانح دونهوكيف سلو ابن المفرغ عن برد
ابن المفرغ هذا هو يزيد بن زياد بن مفرغ واسمه ربيعة, وإنما لقب مفرغا لأنه راهن على سقاء من لبن يشربه كله فشربه حتى فرغه فسمي مفرغا وقيل في سبب لقبه بذلك غير هذا, وكان يزيد المذكور شاعراً غزلا محسنا من شعراء الصدر الأول في زمن معاوية بن أبي سفيان, وبرد الذي ذكره البحتري غلام له كان رباه مع قينة له تسمى الأراكة, وكان شديد الضن بهما, وله فيهما أشعار والله أعلم.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
عزيز أسى من داؤه الحق النجلعياء به مات المحبون من قبل
فمن شاء فلينظر إلي فمنظرينذير إلى من ظن أن الهوى سهل
وما هي إلا لحظة بعد لحظةإذا نزلت في قلبه رحل العقل
جرى حبها مجرى دمي في مفاصليفأصبح لي عن كل شغل بها شغل
ومن جسدي لم يترك الحب شعرةفما فوقها إلا وفيها له فعل
ومنها:
كأن رقيباً منك سد مسامعيعن العذل حتى ليس يدخلها العذل
كأن سهاد الليل يعشق مقلتيفبينهما في كل هجر لنا وصل
وقوله:
من الجآذر في زي الأعاريبحمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكا في معارفهافمن بلاك بتسهيد وتعذيب
ومنها:
سوائر بما سارت هوادجهامنيعة بين مطعون ومضروب
وربما وخدت أيدي المطي بهاعلى نجيع من الفرسان مصبوب
كم زورة لك في الأعرب خافيةأدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوأنثني وبياض الصبح يغري بي
قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعهاوحالفوها بتقويض وتطنيب
ومنها:
فؤاد كل محب في بيوتهمومال كل أخيذ المال محروب
ما أوجه الحضر المستحسنات بهكأوجه البدويات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطريةوفي البداوة حسن غير مجلوب
ومنها:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بهامضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلةأوراكهن صقيلات العراقيب
قال الثعالبي في اليتيمة: وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة, وحسن معان, وله طريقة طريفة في وصف البدويات قد تفرد بحسنها, وأجاد ما شاء فيها.
ومنها قوله:
هام الفؤاد بأعرابية سكنتبيتا من القلب لم تمدد له طنبا
مظلومة القد في تشبيهه غصنامظلومة الريق في تشبيهه ضربا
وقوله:
إن الذين أقمت واحتملواأيامهم لديارهم دول
الحسن يرحل كلما رحلوامعهم وينزل حيثما نزلوا
في مقلتي رشأ تديرهمابدوية فتنت بها الحلل
ومنها:
ما أسارت في العقب من لبنتركته وهو المسك والعسل
وقوله أيضاً, قال الثعالبي: وهي مما يتغنى به لرشاقتها وبلوغها كل مبلغ من حسن اللفظ وجودة المعنى واستحكام الصنعة:
قد كان يمنعني الحياء من البكاوالآن يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عظم رنةفي جلده ولكل عرق مدمعا
سفرت وبرقعها الحياء بصفرةسترت محاجرها ول تك برقعا
فكأنها والدمع يقطر فوقهاذهب بسمطي لؤلؤ قد رصعا
نشرت ثلاث ذوائب من شعرهافي ليلية فأرت ليالي أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجههافأرتني القمرين في وقت معاً
وقوله:
فليت هوى الأحبة كان عدلافحمل كل قلب ما أطاقا
ومنها:
وقد أخذ التمام البدر فيهموأعطاني من السقم المحاقا
وبين الفرع والقدمين نوريقود بلا أزمتها النياقا
وطرف أن سقى العشاق كاسابها نقص سقانيها دهاقا
وخصر تثبت الأبصار فيهكأن عليه من حدق نطاقا
وقوله:
كأنما قدها إذا انقلبتسكران من خمر طرفها ثمل
يجذبها تحت خصرها كفلكأنه من فراقها وجل
وقوله:
مثلت عينك في حشاي جراحةفتشابها كلتاهما نجلاء
نفذت على السابري وربماتندق فيه الصعدة السمراء
وقوله وهو من المرقص:
كأن العيس كانت فوق جفنيمناخات فلما ثرن سالا
لبسن الوشي لا متجملاتولكن لكي يصن به الجمالا
وضفرن الغدائر لا الحسنولكن خفن في الشعر الضلالا
وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره في والله أعلم.
ومن الانسجام البديع قول سيف الدولة بن حمدان رحمه الله تعالى في جارية له من بنات ملوك الروم, كان لا يرى الدنيا إلا بها, ويشفق من الريح الهابة عليها, فحسدها سائر خطاياه على لطف محلها منه, وأزمعن على إيقاع مكروه بها من سم وغيره, وبلغ سيف الدولة ذلك فأمر بنقلها إلى الحصون احتياطاً على روحها وقال:
راقبتني العيون فيك فأشفقت ولم أخل قط من إشفاق
ورأيت العذول يحسدني فيك اغتباطا يا أنفس الاعلاق
فتمنيت أن تكوني بعيداوالذي بيننا من الود باق
رب هجر يكون من خوف هجروفراق يكون من خوف فراق
وقوله أيضاً:
تجنى علي الذنب والذنب ذنبهوعاتبني ظلما وفي شقه العتب
وأعرض لما صار قلبي بكفهفهلا جفاني حين كان لي القلب
إذا برم المولى بخدمة عبدهتجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
وقوله أيضاً:
أقبله على جزعكشرب الطائر الفزع
رأى ماء فأطعمهوخاف عواقب الطمع
فصادف فرصة فدنافلم يلتذ بالجرع
وقول أبي فراس بن حمدان وهو ابن عم سيف الدولة. قال الثعالبي في ترجمته: كان فرد دهره, وشمس عصره أدبا وفضلا, وبلاغة وبراعة, وفروسية وشجاعة, وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة, والسهولة والجزالة, والعذوبة والفخامة, والحلاوة والمتانة, ومعه رقة الطبع وسمة الظرف وعزة الملك, ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز, وأبو فراس بعده أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب يقول: بديء الشعر بملك, وختم بملك, يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه, فلا ينبري لمباراته, ولا يجتري على مجاراته, وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس, ويميزه بالإكرام على سائر قومه. انتهى.
وقوله المشار إليه هو:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبرأما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعةولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوىوأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحيإذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوصل والموت دونهإذا مت عطشانا فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لأننيأرى أن دارا لست من أهلها ققر
وحاربت قومي في هواك وأنهموإياي لولا حبك الماء والماء والخمر
وإن كان ما قال الوشاة ولم يكنفقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلةلإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزهافتأرن أحيانكما يارن المهر
تسائلني من أنت وهي عليمةوهل بفتى مثلي على حالة نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوىقتيلك قالت أيهم فهم كثير
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشقوأن يدي مما علقت به صفر
فلا تنكريني يا ابنة العم إننيليعرف ما أنكرته البدو والحضر
وقلبت أمري لا أرى لي راحةإذا البين أنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمهالها الذنب لا تجزي به ولي العذر
واني لحراب بكل مخوفةكثير إلى نزالها النظر الشزر
فأظمأ حتى ترتوي البيض والقناواسغب حتى يشبع الذيب والنسر
ويا رب دار لم تخفني منيعةطلعت عليها بالردى وأنا والفجر
وما حاجتي بالمال أبغي وفورهإذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
وقال أصيحا بي الفرار أو الردىفقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبنيوحسبك من أمرين خيرهما الأسر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغىولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على امرئ=فليس له بر يقيه ولا بحر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكرهولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الردى بمذلةكما ردها يوما بسوءته عمرو
فإن عشت فالطعن الذي تعرفونهوتكل القنا والبيض والضمر الشقر
وإن مت فالإنسان لا بد ميتوإن طالت الأيام وانفسح العمر
يمنون أن خلوا ثيابي وإنماعلى ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيف فيهم اندق نصلهوأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذا جد جدهاوفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غير ما سددت اكتفوا بهوما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننالنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المالي نفوسناومن خطب الحسناء لم يغله المهر
وهي من غرر قصائده, ومع شهرتها فهذا المقدار كاف منها.
وقوله من أخرى:
وطال الليل بي ولرب دهرنعمت به لياليه قصار
وندماني السريع إلى ندائيعلى عجل وأقداحي الكبار
وكم من ليلة لم أرو منهاحننت لها وأرقني أدكار
قضاني الدين ماطله وأوفىإلي بها الفؤاد المستطار
فبت أعل خمر من رضابلها سكر وليس لها خمار
إلى أن رق ثوب الليل عناوقالت قم فقد برد السوار
وقوله في النسيب:
من أين للرشأ الغرير الأحورفي الخد مثل عذراء المتحدر
قمر كأن بعارضيه كليهمامسكا تساقط فوق ورد أحمر
وقوله أيضاً:
تبسم إذ تبسم عن أقاحوأسفر حين أسفر عن صباح
وأتحفني براح من رضابوراح من جنى خد وراح
فمن لألاء غرته صباحيومن صهباء ريقته اصطباحي
وقوله أيضاً:
أساء فزادته الإساءة حظوةحبيب على ما كان منه حبيب
يعد علي الواشيان ذنوبهومن أين للوجه المليح ذنوب
وقوله وهو من المطرب:
قمر دون حسنه الأقماروكثيب من النقا مستعار
وغزال فيه نفار وما ينكر من شيمة الظباء النفار
لا أعاصيه في اجتراح المعاصيفي هوى مثله تطيب النار
قد حذرت الملاح دهرا ولكنساقني نحو حبه المقدار
كم أردت السلو فاستعطفتنيرقية من بين أصحابي
وقوله وهو من المرقص:
هبت لنا ريح شآميةمتت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننافهمتها من بين أصحابي
قال في اليتيمة: كان الصاحب يستطرف هذين البيتين ويستملحهما ويكثر الإعجاب بهما. انتهى.
قلت: ورأيت في كتب كثير من الأدباء المتأخرين كابن حجة والنواجي نسبة هذين البيتين إلى أبي نواس, وهو غلط, والصواب أنهما لأبي فراس, وأظن القائل بذلك تصحف عليه أبو فراس بأبي نواس, فإن صورتها في الخط قريبة والله أعلم.
وقوله رحمه الله تعالى:
قد كنت عدتي التي أسطوبهايدي إذا اشتد الزمان وساعدي
فرميت منك بضد ما أملتهوالمرء يشرق بالزلال البارد
وجميع شعر أبي فراس من الجيد الحسن, وهو كما قال فيه بعض العلماء: لو سمعته الوحش أنست, أو خوطب به الخرس نطقت, أو استدعي به الطير نزلت.
ومن بديع الانسجام قول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
وقد علمت بما لاقته مناقبائل يعرب وابنا نزار
لقيناهم بأرماح طوالتبشرهم بأعمار قصار
وقوله وهو مما يتغنى به:
وزعمت أني ظالم فهجرتنيورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم ظلمتك فاغفري لي زلتيهذا مقام المستجير العائذ
وقول أبي المطاع بن ناصر الدولة بن حمدان:
إني لأحسد (لا) في أسطر الصحفإذا رأيت عناق اللام للألف
وما أظنهما طال اجتماعهماإلا لما لقيا من شدة الشغف
وقوله أيضاً:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملاولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي للعناق لهحتى لبست نجادا من ذوائبه
وقوله وهو من المرقص:
قالت لطيف خيال زارها ومضىبالله صفه ولا تنتقص ولا تزد
فقال خلفته لو مات من ظمأوقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادتهيا برد ذاك الذي قالت في كبدي
وقول أبي وائل الحمداني لما أسر:
يا خليلي أسعداني فقد عيل اصطباري على احتمال البلية
غربة قارظية وغرامعامري وحنة علويه
وقول أبي العاشر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفيوالخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغىوالبيض تشكل والأسنة تنقط
وقوله أيضاً وأجاد: سطا علين امن حاز الجمال سطا=ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا
له عذران قد خطا بوجنتهفاستوقفا فوق خديه وما انبسطا
وظل يخطو فكل قال من شغفيا ليته في سواد الناظرين خطا
وحدث بعضهم قال: دخلت إلى أبي العاشر أعوده من علة عرضت له فقلت له: ما يجد الأمير؟ فأشار إلى غلام بين يديه كان رضوان غفل عنه فابق من الجنة, وأنشد:
أسقم هذا الغلام جسميبما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلالأهدى فتورا إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحيتمازج الماء بالمدام
وهؤلاء آل حمدان رضوان الله عليهم, ما منهم إلا شجاع مدقع وفصيح مصقع, وفيهم يقول الثعالبي: كان بنو حمدان ملوكاً؛ أوجههم للصباحة, وألسنتهم للفصاحة, وأيديهم للسماحة, وعقولهم للرجاحة.
وقال: اخبرني جماعة من أهل الأدب؛ أن المتنبي لما عوتب في آخر أيامه على تراجع شعره قال: قد تجوزت في قولي, وأعفيت طبعي, واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان. انتهى.
ومن الانسجام المرقص قول أبي الفرج الببغاء:
يا سادتي هذه روحي تودعكمإذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لهافالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله روحي بالبقاء فماأظنني بعدكم بالعيش أنتفع
ومثله قول الوأواء الدمشقي:
بالله ربكما عوجا على سكنيعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضا بي قولا في كلامكماما بال عبدك بالهجران تتلفه
فان بدا لكما من سيدي غضبافغالطاه وقولا ليس نعرفه
ومثله قول أبي طالب الرقي:
ولقد ذكرتك والظلام كأنهيوم النوى وفؤاد من لم يعشق
وكأن أجرام النجوم لوامعادرر نثرن على زجاج أزرق
والفجر فيه كأنه قطر الندىينهل من سيح الغمام المغدق
وقوله أيضاً:
ومعير وجه البدر ما في وجههوالغصن ما في قده المتأود
رمدت جفوني من تورد خدهفكحلتها من عارضيه بأثمد
ومن البديع في هذا الباب قول تميم بن أبي تميم معد بن تميم صاحب مصر:
ما بان عذري فيه حتى عذراومشى الدجى في خده فتحيرا
همت تقبله عقارب صدغهفاستل عارضه عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغيراوسلا وإن كان التسلي أجدرا
لا عدت تفاح الخدود بنفسجالثما وكافور الترائب عنبرا
وفاة ابنه:
نحن بنو المصطفى ذوو محنيجرعها في الحياة كاظمنا
عجيبة في الأنام محنتناأولنا مبتلى وخاتمنا
يفرح هذا الورى بعيدهمطرا وأعيادنا مآتمنا
وعدوا من الانسجامات المطربة قول محمد بن صالح العلوي:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونهصعب الذرى متمتع أركانه
فبدا لينظر أين لاح فلم يطقنظرا إليه وصده سبحانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعهوالماء ما سمحت به أجفانه
ومن الانسجامات المرقصة قول أبي الحسين علي بن محمد الحماني العلوي:
يا شادنا أفرغ من فضهفي خده تفاحة غضة
كأنما القبلة في خدهللحسن من رقته عضه
يهتز أعلاه إذا ما مشىوكله في لينه قبضه
أرحم فتى لما تملكتهأقر بالرق فلم ترضه
وقوله أيضاً ﵀:
بأبي فم شهد الضميرقبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصةقبل العيان بأنه الرب
والعين لا تغني بنظرتها حتى يكون دليلها القلب
وقوله في الفخر:
لنا من هاشم هضبات مجد مطنبة بأبراج السماء
تطوف بنا الملائك كل يومونكفل في حجور الأنبياء
ويهتز المقام لنا ارتياحاويلقانا صفاه بالصفاء
ومنه قول ابن المعتز:
سقى المطيرة ذات الظل والشجرودير عبدون هطال من المطر
وطالما نبهتني للصبوح بهافي غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان في دير صلاتهمسود المدارع نعارين في السحر
مزترين على الأوساط قد جعلواعلى الرؤوس أكاليلا من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحلبالسحر يطبق جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتى استطاب لهطوعا وأسلفته الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستترامستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت أفرش خدي في الطريق لهذلا وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنامثل القلامة قد قدت من الظفر
وكان ما كان مما لست أذكرهفظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
وقوله وهو من المطرب في هذا الباب:
ومقرطق يسعى إلى الندماءبعقيقة في درة بيضاء
والبدر في أفق السماء كدرهمملقى على ياقوته زرقاء
كم ليلة قد سرني بمبيتهعندي بلا خوف من الرقباء
مهفهف عقد الشراب لسانهفحديثه بالرمز والإيماء
حركته بيدي وقلت له انتبهيا فرحة الخلطاء والندماء
فأجابني والخمر يخفض صوتهبتلجلج كتلجلج الفأفاء
إني لأفهم ما تقول وإنماغلبت علي سلافة الصهباء
دعني أفيق من الخمار إلى غدواحكم بما تختار يا مولائي
وقوله وهو من المرقص:
ما أقصر الليل على الراقدوأهون السقم على العائد
تفديك ما أبقيت من مهجتيلست لما أوليت بالجاحد
كأنني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدحىحسبتنا في جسد واحد
ومنه قول ابن الرومي:
بلد صبحت به الشبيبة والصباولبست ثوب العيش وهو جديد
وإذا تمثل في الضمير رأيتهوعليه أغصان الشباب تميد
وقول السري الرفاء:
قامت وخوط البانة المياس في أثوابها
ويهزها سكران سكر شرابها وشبابها
تسمى بصهبائين منألحاظها وشرابها
فكأن كأس مدامهالما ارتدت بحبابها
توريد وجنتها إذاما لاح تحت نقابها
وقوله أيضاً:
ومن وراء سجوف الرقم شمس ضحىتجول في جنح ليل مظلم داج
مقدودة خرطت أيدي الشباب لهاحقين دون مجال العقد من عاج
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع