تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الغلو

وبيت البديعية عز الدين الموصلي قوله:

لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعهندى يديه لأحياها ولم يضم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

لو شاء إغراق من في الحق كذبهلفاض إصبعه بالزاخر العمم

وبيت بديعيتي هو قولي:

لو أنه رام إغراق العداة لهلأصبح البر بحرا غير مقتحم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الإغراق في هذا البيت ظاهر, وهو أبلغ منه في بيت ابن حجة, لأنه قال (لو شاء إغراق من ناواه مد له في البر بحرا) وأنا قلت (لا نقلب البر بحرا) وبينهما بون بائن.

وبيت البديعية المقري قوله:

لولا غليل شفته الأرض من دمهمشربا لما جت ببحر منه ملتطم

قال في شرحه معناه: لولا أن الأرض كان بها على قتلاه من الكفار غيظ وخنق فشفت غليلها منهم بشرب دمائهم كما يفعله المبالغون في العداوة لكانت الدماء من كثرتها تموج من فوقها بحرا. انتهى.

الغلو

ولا غلو إذا ما قلت عزمتهتكاد تثني عهود الأعصر القدم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الغلو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الاستحالة عقلا وعادة. فتبين بهذا أن المبالغة دون الإغراق, والإغراق دون الغلو, لما مر من أن المدعي في المبالغة ممكن عقلا وعادة, وفي الإغراق ممكن عقلا ولا عادة, وفي الغلو مستحيل عقلا وعادة. والغلو أن أفضى إلى الكفر كان قبيحا مردودا, وإلا كان مقبولا, والمقبول يتفاوت في الحسن, وأحسنه ما دخل عليه ما يقر به إلى الصحة, ككاد, ولو, ولولا وحرف التشبيه كقوله تعالى (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) فإن إضاءة الزيت مع عدم مسيس النار مستحيلة عقلا وعادة, وبدخول (يكاد) خرج عن الامتناع, لأنها دلت على مقاربة الإضاءة لا وقوعها الذي هو المستحيل.

ومثله قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵇:

يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

وقول الشريف الرضي ﵁ والغلو فيه مجازي:

أشكو ليالي غير معتبةأما من طول أو من القصر
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أشكو ليالي غير معتبة»

تطول في هجركم وتقصر في الوصل فما تلتقي على قدر

يا ليلة كاد من تقاصرهايعثر فيه العشاء بالسحر

قيل أول ما بالغ في الشعر وكذب فيه المهلهل بقول:

ولولا الريح أسمع من بحجرصليل البيض تقرع بالذكور

وهذا من الغلو, فإنه ممتنع عقلا وعادة, لأنه كان بين حجر وبين موضع الوقع عشرة أيام, ولهذا قيل فيه: أنه كذب بيت قالته العرب.

ومنه قول أبي العلاء المعري في شدة الحنين عند لمع البرق:

شجا ركبا وأفراسا وإبلاوزاد فكاد أن يشجو الرحالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»

وقوله أيضاً من هذه القصيدة:

تكاد قسيه من غير رامتمكن في قلوبهم النبالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»
تكاد سيوفه من غير سلتجد إلى رقابهم انسلالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»

وما أبدع قوله منها وهو مما نحن فيه:

يذيب الرعب منه كل عضبفلولا الغمد يمسكه انسلالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»

وفي معناه قول ابن المعتز:

يكاد يجري من القميص من النعمة لولا القميص يمسكه
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

وقول أبي الشيص:

لولا التمنطق والسوار معاوالحجل والدملوج في العضد
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
لتزايلت من كل ناحيةلكن جعلن لها على عمد
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

ومنه أخذ ابن النبيه قوله:

لها معصم لولا السوار يصدهإذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

ومثله قول بعضهم:

لها من الليل البهيم طرةعلى جبين واضح نهاره
للشاعر نصر النميري، اقرأ القصيدة
ومعصم يكاد يجري رقةوإنما يعصمه سواره
للشاعر نصر النميري، اقرأ القصيدة

وقال عبد العزيز بن عبد الرزاق في معناه:

قالت وقد صرت كطيف الخيالكيف ترى فعل الدمى بالرجال
وسددت سهما إلى مقتليتقول هل فيك لدفع النصال
رقيقة الجسم فلولا الذييمسكه من قسوة القلب سال

وما ألطف قول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات:

رق فلولا الأكف تمسكهسال مع الخمر حين ترشفه
للشاعر ابن الحلاوي، اقرأ القصيدة

وأبدع من ذلك كله وألطف قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:

شرقت معاطفه بأمواه الصباوجرى عليه بضاضة ونعيم
قد كاد تشربه العيون لطافةلكن سيف لحاظه مسموم

وقوله أيضاً في معناه:

رقت شمائله ورق أديمهفيكاد تشربه عيون الناظر

ويعجبني جدا قول بعضهم في الخمر:

كادت تطير وقد طرنا بهالولا الشباك التي صيغت من الحبب

وما أعجب قول بعضهم في الخمر:

أما الصبوح فإنه فرضفإلى من يكحل جفنك الغمض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
هذا الصباح بدت بشائرهولخيله في ليله ركض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
والليل قد شابت ذوائبهوعذراه بالفجر مبيض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
فانهض إلى حمراء صافيةقد كاد يشرب بعضها بعض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
يستقيكها من كفه رشألدن القوام مهفهف بض
سيان خمرته وريقتهكلتاهما عنبية محض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
تدمي اللواحظ خده نظراللحظ في وجناته عض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
من ضمه فتح السرور لهبابا وكان لعيشه الخفض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
باهت وقد أبدى محاسنهقمر السماء بحسنه الأرض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
يسعى بها كالشمس مشرقةللعين عن إشراقها غض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
والكأس إذ تهوي بها يدهنجم بجنح الليل منقض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
بات الندامى لا حراك بهمإلا كما يتحرك النبض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
في روضة يهدي لنا شقهاأرج الحبائب زهرها الغض
ختم الحيا أزهارها فغدابيد النسيم لختمها فض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
فاشرب على حافتها طرباوأنهض لها ما أمكن النهض
لا تنكرن لهوى على كبريفعلي من عصر الصبا قرض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
أعرى العذول بلومه شغفيفكأنما إبرامه نقض
خالفته والرأي مختلفشأني الوداد وشأنه البغض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»
مهلا فليس على الفتى دنسفي الحب ما لم يدنس العرض
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أما الصبوح فإنه فرض»

وبديع قول ابن حمديس القلي في وصف فرس:

يجري ولمع البرق في آثارهمن كثرة الكبوات غير مفيق
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ومجرر في الأرض ذيل عسيبه»
ويكاد يخرج سرعة من ظلهلو كان يرغب في فراق رفيق
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ومجرر في الأرض ذيل عسيبه»

ومثله قول شمس الدولة عبدان:

أبت الحوافر أن يمس بها الثرىفكأنه في جريه متعلق
للشاعر الظاهر الجزري، اقرأ القصيدة
فكأن أربعة تراهن طرفهفتكاد تسبقه إلى ما يرمق

ولمؤيد الدين الطفرائي يصف خيلا:

سبقت حوافرها النواظر فاستوىسبق إلى غاياتها وشفون
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «نظري إلى لمع الوميض حنين»
لولا ترائي الغايتين لأقسم الراؤن أن حراكها تسكين
وتكاد تشبهها البروق لو أنهالم تعتلقها أأعين وظنون

وقال معاوية بن مرداس:

يكاد في شأوه لولا أسكنهلو طار ذو حافر من قبله طارا

ومثله قول الآخر:

لو طار ذو حافر قبلهالطارت ولكنه لم يطر

ومنه قول البحتري:

لو أن مشتاقا تكلف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر

ومنه أخذ المتنبي قوله:

لولا تعقل الشجر التي قابلتهامدت محيية إليك الأغصنا

إلا أن بيت البحتري أحسن وأمكن.

حدث أحمد البلاذري المؤرخ قال: كنت من جلساء المستعين, فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال: مثل قول البحتري في المتوكل (لو أن مشتاقا - البيت) فرجعت إلى داري, وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري, فقال: هاته, فأنشدته:

ولو أن برد المصطفى إذ لبستهيظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته ولبستهنعم هذه أعطافه ومناكبه
للشاعر البلاذري، اقرأ القصيدة

فقال ارجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به. فرجعت, فبعث إلي بسبعة آلاف دينار وقال: أدخر هذه للحوادث بعدي, ولك على الجراية والكفاية ما دمت حيا. انتهى.

قلت: ولعمري لقد أساء الأدب هذا الشاعر مع المصطفى ﵌, وسيجازيه الله تعالى على قلة أدبه. وهذا من الغلو القبيح المردود.

ومنه قول التمار الواسطي وقيل غيره:

قد كان لي فيما مضى خاتمواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت من شوق فلو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه

وقول المظفر بن كيغلغ:

عبدك أمرضته فعدهأتلفه إن لم تكن ترده
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «عبدك أمرضته فعده»
ذاب فلو فتشت عليهكفك في الفرش لم تجده

وقول ابن دانيال:

محب غدا جسمه ناحلايكاد لفرط الضنى أن يذوبا
ورق فلو حركته الصبالصار نسيما وعادت قضيبا

وقول بعضهم:

ولو شئت في طي الكتاب لزرتكمولم تدر عني أحرف وسطور
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «يرى جسدي فيكم غرام ولوعة»

وقول الوزير ابن العميد:

لو أن ما أبقيت من جسمي قذىفي العين لم يمنع من الإغفاء

ومن هنا أخذ الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن فقال:

لقد تضائل حتى لو قذفت بهفي مقلة ما أحسته مآقيها

وأكثر من ذلك غلوا قول أبي عثمان الخالدي:

بنفسي حبيب بأن صبري ببينهوأودعني الأحزان ليلا ودعا
وأنحلني بالهجر حتى لو أننيقذى بين جفني أرمد ما توجعا
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة

وتجاوز المتنبي أبعد من ذلك فقال:

أراك ظننت السلك جسمي فعقتهعليك بدر عن لقاء الترائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»
ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من خط كاتب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

ومنه قول الشيخ جعفر الخطي ﵀:

وعبرة لو دعي نوح ليسلكهابفلكه قال بسم الله مجريها
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «يا سَاكِنِيْ الخَطِّ في قَلْبي لَكُمْ خِطَطٌ»
ومقلة ألفت فرط السهاد فلورد الرقاد عليها كاد يؤذيها
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «يا سَاكِنِيْ الخَطِّ في قَلْبي لَكُمْ خِطَطٌ»

وقولي من أبيات خمرية:

رقت فلولا الكأس لم تبصر لهاجسما ولم تلمس براحة لامس
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «قم هاتها في جنح ليل دامس»
فكأنها عند المزاج لطافةوهمٌ يخيله توهم هاجس
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «قم هاتها في جنح ليل دامس»

وقول الشريف الرضي ﵁:

لو أن قومك نصلوا أرماحهمبعيون سربك ما أبل طعين
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا مسقط العلمين من رمل الحمى»

ومن أحسن أنواع الغلو أيضاً ما تضمن نوعا حسنا من التخييل, وإن لم يأت فيه بأداة التقريب, ومثل له الخطيب في الإيضاح والتلخيص بقول أبي الطيب:

عقدت سنابكها عليها عثيرالو تبتغي عنقا عليه لا مكنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وتبعه على ذلك ابن حجة فقال: ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب - وأنشد البيت - وأعترض ذلك بعض المتأخرين فقال: قد عدوا من أدوات التقريب (لو) وصرح بذلك ابن حجة في الإغراق فقال: ولم يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز, ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة, ويدخله في باب الإمكان مثل (كاد) و (لو) وما يجري مجرهما, ثم قال: ومن شواهد تقريب نوع الإغراق (بلو) قول زهير:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم لأولهم أو مجدهم قعدوا

قال (لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا) وهو محل الشاهد, فإن صدره لا غلو فيه البتة, فكيف يقال أنه من الغلو بغير أداة التقريب؟.

وقد جمع القاضي الأرجاني بين حسن التخييل وأداة التقريب في قوله:

يخيل لي أن سمر الشهب في الدجىوشدت بأهدابي إليهن أجفاني
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أأجفان بيض هن أم بيض أجفان»

فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن.

وإلى هذا المعنى لمح ابن نباتة في قوله - وإن لم يستوفه -:

كم ليلة بت أشكو من تطاولهاعلي والليل داجي القلب كافره
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «سقى حماك من الوسمي باكره»
وأرقب الشهب فيه وهي ثابتةكأنما سمرت منها مسامره
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «سقى حماك من الوسمي باكره»

ومن الغلو المقبول, ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول أبي الشكر محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي المعروف بابن المحتسب من قصيدة:

أمر بالكرم خلف حائطهتأخذني نشوة من الطرب
للشاعر ابن المحتسب الموصلي، اقرأ القصيدة

أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب

فإن السكر في الأمس للعزم على الشرب في الغد محال, لكنه مقبول لإخراجه مخرج الهزل والخلاعة, وذلك مما تميل إليه الطباع.

وقول ابن الحجة أنه من الغلو الذي هو غير مقبول, فقد نص على ما ذكرناه الخطيب في كتابه, وغيره من المحققين, فلا عبرة بقوله.

ومنه قول أبي الحسن أحمد بن المؤمل:

وقائلة ما بالك بالدهر طافحاوأنت مسن لا يليق به السكر
فقلت لها أفكرت في الخمر مرةفاسكرني ذاك التوهم والفكر
للشاعر أبو الحسن ابن المؤمل، اقرأ القصيدة

ومن الغلو بغير أداة التقريب قول أبي نواس في الخمر:

فلما شربناها ودب دبيبهاإلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو على شعاعهافيطلع ندماني على سري الخفي

قوله أيضاً:

وأخفت أهل الشرك حتى أنهلتخافك النطف التي لم تخلق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»

روي أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال: ما استحييت من الله بقولك (وأخفت أهل الشرك - البيت) فقال له أبو نواس: وأنت ما استحييت من الله بقولك:

ما زلت في غمرات الموت مطرحاًيضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك ليحتى اختلست حياتي من يدي أجلي

فقال العتابي: قد علم الله, وعلمت أن مثل هذا ليس قول مثلك, ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.

وقد استعمل أبو نواس معنى البيت ثانيا فقال:

حتى الذي في الرحم لم يك صورةلفؤاده من خوفه خفقان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

ومنه قوله أيضاً:

لا ينزل الليل حيث حلتفدهر شرابها نهار

وقول الآخر:

منعت مهابتك القلوب كلامهابالأمر تكرهه وإن لم تعلم

وقول النظام:

نظرت إليه نظرة فتحيرتدقائق وهمي في جليل صفاته
فأومى إليه الوهم أني أحبهفأثر ذاك الوهم في وجناته

وقوله أيضا:

حركات الضمير تؤثر في الخدويدميه وهم لحظ العيون
رق حتى لو لامسته أذابتهـ بإيمائها يد المكنون

وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال:

جاء المشمر والأفراس يقدمهاعفوا على رسله منها وما انبهرا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «جاء المشمر والأفراس يقدمها»
وخلف الريح حسرى وهي جامدةومر يختطف الأبصار والنظرا

قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا.

وقول الآخر في فرس أيضا:

كم سابح أعددته فوجدتهعند الكريهة وهو نسر طائر
للشاعر ابن الضيف الربعي، اقرأ القصيدة
لم يرم قط بطرفه في غايةإلا وسابقه إليها الحافر
للشاعر ابن الضيف الربعي، اقرأ القصيدة

وقول ابن حجاج في مرثية فرس له:

قال له البرق وقالت له الريحجميعا وهما ما هما
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قال له البرق وقالت له»
أأنت تجري معنا قال لاإن شئت أضحكتكما منكما
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قال له البرق وقالت له»
هذا ارتداد الطرف قد فتهإلى المدى سبقا فمن أنتما
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قال له البرق وقالت له»

وقول ابن خفاجة الأندلسي:

وأبلق خوار العنان مطهمطويل الشوى والساق أقود أتلعا
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سجعت وقد غنى الحمام فرجعا»
جرى وجرى البرق اليماني عشيةفأبطأ عنه البرق عجزا وأسرعا
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سجعت وقد غنى الحمام فرجعا»
وحسب الأعادي أن يزجروا بهمغيرا غربا صبح القوم أبقعا

ومعنى البيت الأخير في غاية الحسن.

وقول الشيخ صفي الدين الحلي ﵀:

وأغر تبري الإهاب موردسبط الأديم محجل ببياض
وأخشى عليه أن يصاب بأسهميلما يسابها إلى الأغراض

وقوله أيضا:

وأدهم يقق التحجيل ذي مرحيميس من عجبه كالشارب الثمل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وأدهم يقق التحجيل ذي مرح»
مضمر مشرف الأذنين تحسبهموكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليلٍ تسير بهكواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوتهمرت بهاديه وانحطت عن الكفل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «وأدهم يقق التحجيل ذي مرح»

وقول الشيخ صلاح الدين الصفدي:

يا حسنه من أشقر قصرتعنه بروق الجو في الركض
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا حسنه من أشقر قصرت»
لا تستطيع الشمس من جريهترسمه ظلا على الأرض
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا حسنه من أشقر قصرت»

فهذه الأمثلة كلها من نوع الغلو الذي لم يؤت فيه بأداة التقريب, ومنها البديع المستحسن, والمقبول غير المستهجن كما ترى, فظهر لك أن حسن الغلو غير مقصور على ما قرب من الإمكان بأداة التقريب كما زعم ابن حجة في شرح بديعيته.

ومن الغريب أن ابن حجة عد من أدوات التقريب (لو) كما مر ببيانه, ثم قال: ومن الغلو بغير أداة التقريب قول بعضهم:

قد كان لي فيما مضى خاتمواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه

قال: ومثل هذا لا يقبله العقل, ولا عليه رونق القبول. انتهى. وقد ترى أن الغلو في هذين البيتين كليهما مقرون (بلو) فهل هذا إلا تناقض؟.

وأما الغلو المردود القبيح الذي يجب اجتنابه, ويهجر جنابه, فهو ما آل بصاحبه إلى الكفر والاستخفاف بقدرة الله تعالى, والمدح الذي لا يليق إلا بجنابه ﷿, سواء قرن بشيء من أدوات التقريب أم لا.

كقول ابن دريد في مقصورته يخاطب الدهر:

ما رست من لو هوت الأفلاك منجوانب الجو عليه ما شكا

يقال: أنه أصابه فالج بطل له من محزمه إلى قدمه, فكان إذا دخل عليه الداخل صاح وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه. قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: فكنت أقول في نفسي أن الله ﷿ عاقبه لقوله المذكور, فكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه, أو يشك بالمسال؛ أعاذنا الله من ذلك.

ويقرب من ذلك ما حكي أن الشيخ عمر بن الفارض لما نظم قوله:

وبما شئت في هواك اختبرنيفاختباري ما كان فيه رضاكا
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «ته دلالا فأنت أهل لذاكا»

ابتلي بحصر البول, حتى أنه صار يأتي للصبيان في المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.

ومن غلو ابن دريد القبيح في مقصورته هذه قوله أيضاً في ممدوحه:

ولو حمى المقدار عنه مهجةلرامها أو يستبيح ما حمى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»
تغدو المنايا طائعات أمرهترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

وقول أبي العتاهية:

فإذا أضرم حربا كان فيمهج القوم شريكا للقدر

وقول علي بن جبلة المعروف بالعكوك:

أنت الذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر في حال إلى حال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلا قضيت بأرزاق وآجال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وبهذين البيتين استحل المأمون دم الشاعر المذكور.

ذكروا أن المأمون لما بلغه قول علي بن جبلة في أبي دلف:

كل من في الأرض من عرببين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

استشاط من ذلك وغضب غضباً شديداً وقال: ويلي على ابن الفاعلة, يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف وقال: اطلبوه حيث ما كان, وأتوني به. فطلبوه ولم يقدروا عليه, لأنه كان مقيما بالجبل. فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية, حتى توسط الشامات فظفروا به وأخذوه, وحمل مقيدا إلى المأمون. فلما صار بين يديه قال: يابن اللخناء أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى - وهو أبو دلف - (كل من في الأرض من عرب) وأنشد البيتين, جعلتنا ممن يستعير المكارم منه يوم الافتخار؟ قال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم, لأن الله اختصكم لنفسه على عباده, وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكا عظيما. وإنما ذهبت في قولي إلى أقران وأشكال القاسم بن عيس من الناس. فقال: والله ما أبقيت أحدا, ولقد أدخلتنا في الكل, وما استحل دمك بكلمتك هذه, ولكن استحله بكفرك في شعرك, حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله وجعلت معه ملكاً قادراً, وهو (أنت الذي تنزل الأيام منزلها) وأنشد البيتين.

ثم قال: أخرجوا لسانه من قفاه, فمات, وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد.

والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه.

فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس:

يداه في الأرض والسماء فماتجوز قطريه كف مخلوق

وقوله في الرشيد:

فلا يتعذرن عليك عفووسعت به جميع العالمينا

وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد.

وقوله فيه أيضاً:

يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكاتقبيل راحته والركن سيان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»

وقوله في الغزل:

متتايه بجماله صلفلا يستطاع كلامه تيها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «متتايه بجماله صلف»
للحسن في وجناته بدعما إن ميل الدرس قاريها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «متتايه بجماله صلف»
لو كانت الأشياء تعقلهأجللته إجلال باريها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «متتايه بجماله صلف»

وقال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.

وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله:

يترشفن من فمي رشفاتهن فيه أحلى من التوحيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

قلت: وقال أبو الفتح بن جني: أنه أنشده حلاوة التوحيد, أي هي عندي مثل حلاوة التوحيد. وأبعد وأغرب بعض الشراح حيث جعل التوحيدي بياء النسبة, وقال: أنه نوع من التمر.

وقوله:

تتقاصر الإفهام عن إدراكهمثل الذي الأفلاك فيه والدنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وقد أفرط جداً, لأن الذي الأفلاك فيه والدنى هو علم الله تعالى.

وقوله:

الناس كالعابدين آلهةوعبده كالموحد اللاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

لو كان علمك بالإله مقسمافي الناس ما بعث الإله رسولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»
أو كان لفظك فيهم ما أنزل التوراة والفرقان والإنجيلا

وقوله:

لو كان ذو القرنين أعمل رأيهلما أتى الظلمات صرن شموسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»
أو كان صادف رأس عازر سيفهفي يوم معركة لاعيا عيسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح ﵇:

أو كان لج البحر مثل يمينهما أنشق حتى جاز فيه موسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

وكأن المعاني أعيته حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء ﵈ وفي هذه القصيدة:

يا من نلوذ من الزمان بظلهأبدا ونطرد باسمه إبليسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

وقوله وقد جاوز حد الإساءة:

أي محل أرتقىأي عظيم اتقى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أي محل أرتقي»
وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
محتقر في همتيكشعرة في مفرقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أي محل أرتقي»

وقبيح بمن أوله نطفة مذرة, وآخره جيفة قذرة, وهو فيما بينهما محمل العذرة, أن يقول مثل هذا الكلام.

ومن غلو ابن هاني الشنيع قوله في المعز لدين الله:

ما شئت لا ما شاءت الأقدارفاحكم فأنت الواحد القهار
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا هكذا فليهد من قاد عسكرا»
وكأنما أنت النبي محمدوكأنما أنصارك الأنصار
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا هكذا فليهد من قاد عسكرا»
أنت الذي كانت تبشرنا بهفي كتبها الأحبار والأخبار
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا هكذا فليهد من قاد عسكرا»

ومنها:

جلت صفاتك أن تحد بمقولما يصنع المصداق والمكثار
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا هكذا فليهد من قاد عسكرا»

وقوله فيه من أخرى:

هذا ضمير النشأة الأولى التيبدأ الإله وغيبها المكنون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
من أجل هذا قدر التقدير فيأم الكتاب وكون التكوين
وبذا تلقى آدم من ربهعفوا وفاء ليونس اليقطين
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»
لو يلتقي الطوفان قبل وجودهلم ينج نوحا فلكه المشحون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»

ومنها يخاطبه:

والنور أنت وكل نور ظلمةوالفوق أنت وكل قدر دون
لو كان رأيك شائعا في أمةعلموا بما سيكون قبل يكون
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل من أعقة عالج يبرين»

وقوله من أخرى فيه أيضا:

وعلمت من مكنون علم الله مالم يؤت جبريلا وميكائيلا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أتظن راحا في الشمال شمولا»
لو كنت آونة نبيا مرسلانشرت بمبعثك القرون الأولى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أتظن راحا في الشمال شمولا»
أو كنت نوحا منذرا في قومهما زادهم بدعائه تضليلا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أتظن راحا في الشمال شمولا»
لله فيك سريرة لو أظهرتأحيا بذكرك قاتل مقتولا
لو كان آتى الخلق ما أوتيتهلم يخلق التشبيه والتمثيلا
لولا حجاب دون علمك حاجزوجدوا على علم الغيوب سبيلا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أتظن راحا في الشمال شمولا»

وقال وأساء في المقال:

وجد العيان سناك تحقيقا ولمتحط الظنون بكنهه تصريحا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل كان ضمخ بالعبير الريحا»
أخشاك تنسي الشمس مطلعها كماأنسى الملائك ذكرك التسبيحا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل كان ضمخ بالعبير الريحا»
أقسمت لولا أن دعيت خليفةلدعيت من بعد المسيح مسيحا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل كان ضمخ بالعبير الريحا»
شهدت بمعجزك السماوات العلىوتنزل القرآن فيك مديحا

وقوله وقد تجاوز الحد:

أتبعته فكري حتى إذا بلغتغاياتها بين تصويب وتصعيد
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أقوى المحصب من هاد ومن هيد»
رأيت موضع برهان يبين ومارأيت موضع تكييف وتحديد
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أقوى المحصب من هاد ومن هيد»

وهذا مدح يليق بالخالق سبحانه لا بالمخلوق, وهو في شعره كثير جدا حتى قال القاضي ابن خلكان في ترجمته: ولولا ما في ديوانه من الغلو في المدح والإفراط المؤدي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين. وليس من المغاربة من هو في طبقته, لا من متقدميهم ولا متأخريهم, بل هو أشعرهم على الإطلاق. وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة, وكانا متعاصرين والله أعلم.

ومن غلو أبي العلاء المعري قوله في قصيدة:

ولولا قولك الخلاق ربيلكان لنا بطلعتك افتتان
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «معان من أحبتنا معان»

وقوله أيضاً من أخرى:

خاضعات لك الكواكب تختصمواليك بالمحل الأثير
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «إبق في نعمة بقاء الدهور»

لا يؤثرن في الولي ولا الحاسد حتى تشير بالتأثير

ومنها في تهنئة ممدوحه بالزواج:

كنت موسى وافتك بنت شعيبغير أن ليس فيكما من فقير
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «إبق في نعمة بقاء الدهور»

وقوله:

وقد علمت هذي البسيطة أنهاتراثك فلتشرف بذاك وتزدد
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «إليك تناهى كل فخر وسؤدد»
وإن شئت فأرغم من فوق ظهرهاعبيدك واستشهد إلهك يشهد

نعوذ بالله من هذا الغلو القبيح, فإن فوق الأرض من عباد الله الأخيار والصلحاء الأبرار, والأقطاب والإبدال, ما لا يعلمهم إلا الله تعالى, فما له يقول هذا القول الشنيع الذي تصم منه الأسماع, وتنفر منه الطباع.

ومنه قوله أيضاً:

فلو زار أهل الخلد عتبك زورةلأوهمهم أن الجنان جحيم
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عظيم لعمري أن يلم عظيم»

وقوله في رثاء فقيه:

واكسواه الأكفان من ورق المصحف كبرا عن أنفس الأبراد

ومن غلو ابن النبيه قوله يمدح الخليفة الناصر لدين الله:

بغداد مكننا وأحمد أحمدحجوا إلى تلك المناسك واسجدوا
يا مذنبين ضعوا بها أوزاركموتطهروا بترابها وتهجدوا
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
فهناك من جسد النبوة بضعةبالوحي جبري لها يتردد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
باب النجاة مدينة العلم التيما زال كوكب هديها يتوقد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
هذا هو الستر الذي بهر الورىفي ظهر آدم والملائك سجد
هذا الذي يسقي العطاش بكفهوالحوض ممتنع الحمى لا يورد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
هذا الصراط المستقيم حقيقةمن زل عنه ففي جهنم يخلد

ومنها وقد جاوز الحد:

يا من لمبغضه الجحيم قراراةولمن يواليه النعيم السرمد
لولا التقية كنت أول معشرغالوا فقالوا أنت رب تعبد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقوله من أخرى فيه:

له على سرِّ سرِّ الغيب مطلعفما موارده إلا مصادره
يقضي بتفضيله سادة عترتهلو كان صادقه حيا وباقره
كل الصلاة خداج لا تمام لهاإذا تقضت ولم يذكره ذاكره
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
كل الكلام قصير عن مناقبهإلا إذا نظم القرآن شاعره
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقوله من أخرى فيه:

فيك سر لوه ما قسم اللهـ على الناس جنة وسعيرا
قد هدانا بك السبيل فإمامؤمنا شاكراً وإما كفورا
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وقوله في الملك الأشرف:

ملك له الفضل على آدموالفضل لا يكسب بالمولد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
لو لم تر الأملاك في صلبهغرته الغراء لم تسجد
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

ومن هذا النمط في شعره كثير وهو مشهور بذلك, فلا حاجة إلى الإكثار منه.

ومن الغلو القبيح, قول عضد الدولة:

ليس شرب الراح إلا في المطروغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهىناغمات في تضاعيف الوتر
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة
مبرزات الكأس من مطلعهاساقيات الراح من فاق البشر
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة
عضد الدولة وابن ركنهاملك الأملاك غلاب القدر
للشاعر عضد الدولة البويهي، اقرأ القصيدة

يقال أنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا, ولما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتأوه (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) ومنه أيضاً قول الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن:

وزفرة لو ثوى يوم الخليل بهاأودى ولم يغن عنه برده فيها

ومنها:

ماذا على الطير إذ أبلى الضنا جسديفخف لو حملتني في خوافيها
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «يا سَاكِنِيْ الخَطِّ في قَلْبي لَكُمْ خِطَطٌ»
أن تقعد الطير عن حملي لكم وسرتريح الصبا فاطلبوني في مساريها
تلقي لكم جسدا لو أن علتهيدعى المسيح لها ما كان يبريها

وأنا استغفر الله تعالى من إثبات هذه الأشياء, فليحذر الأديب الأريب الوقوع في مثل ذلك, وليتجنب هذه المسالك, فأن عن ذلك للشاعر مندوحة, ولا يعود عليه إلا منه إلا المقت من رحمة الله وخلقه. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:

عزيز جار لو الليل استجار بهمن الصباح لعاش الناس في الظلم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

هذا الغلو في مدحه ﵌ بديع مقبول, لائحة عليه إشارات القبول, لا كقوله في ممدوحه:

ولو أتاه الليل مستجيراآمنه من سطوات الفجر
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «دارت على الدوح سلاف القطر»

وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:

تكاد تشهد أن الله أرسلهإلى الورى نطف الأبناء في الرحم
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة

هذا الغلو في مديحه عليه وآله الصلاة والسلام أيضاً حسن مقبول, لو لم يشنه بذكر الرحم والنطف الذي لا يليق بالمديح النبوي.

وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:

في مدحه نفحات لا غلو بهايكاد يحيي شذاها بالي الرمم
للشاعر عز الدين الموصلي، اقرأ القصيدة

نفحات غلو هذا البيت أخجلت نفحات الغالية, ونشر شذاه عطر مسام الأرواح حتى كاد يحيي الرمم البالية, مع تمام الانسجام والرقة, وتمكن القافية. ولا شك أنه من البيوت التي أذن الله أن ترفع بمديح نبيه المصطفى ذي المقام الأرفع صلى الله عليه وآله الكرام, وأصحابه العظام.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

بلا غلو إلى السبع الطباق سرىوعاد والليل لم يحفل بصحبهم

غالى ابن حجة في الإعجاب بغلو هذا البيت, وظن أنه لا يتحكم عليه لو, (ولا, وليت), والذي أقوله: إنه إنما نظم أمرا واقعا لا غلو فيه, إلا لو لم يقع, وأما بعد وقوعه فادعاء استحالته عقلا وعادة كما هو معنى الغلو قد يكون كفرا - نعوذ بالله من ذلك - فإنه ﵌ سرى إلى السماوات السبع ليلة الإسراء, ودوخ طباقها, وعاد قبل طلوع الفجر, لاشك في ذلك. فتسمية هذا غلوا فيه مالا يخفى.

وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:

بلا غلو لو الدهر استجار بهمن الفنا لم يكن يوما بمنعدم

هذا أيضاً من الغلو المقبول في مدح الرسول ﵌.

وبيت بديعيتي هو قولي:

ولا غلو إذا ما قلت عزمتهتكاد تثني عهود الأعصر القدم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

دعوى إعادة عهود الأزمان الماضية مما يستحيل عقلا وعادة, إلا أن فعل التقريب وهو (تكاد) قرب ذلك من الصحة, وأخرجه عن الاستحالة, فهو من الغلو المقبول, على أنه لا غلو في ذلك كما أشرنا إليه في نفس البيت, لكونه في مديحه ﵌.

وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:

عريض جاه لو أن الدهر طال مدىكجاهه آمن الدنيا من العدم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.