من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الغلو
وبيت البديعية عز الدين الموصلي قوله:
لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعهندى يديه لأحياها ولم يضم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لو شاء إغراق من في الحق كذبهلفاض إصبعه بالزاخر العمم
وبيت بديعيتي هو قولي:
لو أنه رام إغراق العداة لهلأصبح البر بحرا غير مقتحم
الإغراق في هذا البيت ظاهر, وهو أبلغ منه في بيت ابن حجة, لأنه قال (لو شاء إغراق من ناواه مد له في البر بحرا) وأنا قلت (لا نقلب البر بحرا) وبينهما بون بائن.
وبيت البديعية المقري قوله:
لولا غليل شفته الأرض من دمهمشربا لما جت ببحر منه ملتطم
قال في شرحه معناه: لولا أن الأرض كان بها على قتلاه من الكفار غيظ وخنق فشفت غليلها منهم بشرب دمائهم كما يفعله المبالغون في العداوة لكانت الدماء من كثرتها تموج من فوقها بحرا. انتهى.
الغلو
ولا غلو إذا ما قلت عزمتهتكاد تثني عهود الأعصر القدم
الغلو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الاستحالة عقلا وعادة. فتبين بهذا أن المبالغة دون الإغراق, والإغراق دون الغلو, لما مر من أن المدعي في المبالغة ممكن عقلا وعادة, وفي الإغراق ممكن عقلا ولا عادة, وفي الغلو مستحيل عقلا وعادة. والغلو أن أفضى إلى الكفر كان قبيحا مردودا, وإلا كان مقبولا, والمقبول يتفاوت في الحسن, وأحسنه ما دخل عليه ما يقر به إلى الصحة, ككاد, ولو, ولولا وحرف التشبيه كقوله تعالى (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) فإن إضاءة الزيت مع عدم مسيس النار مستحيلة عقلا وعادة, وبدخول (يكاد) خرج عن الامتناع, لأنها دلت على مقاربة الإضاءة لا وقوعها الذي هو المستحيل.
ومثله قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵇:
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقول الشريف الرضي ﵁ والغلو فيه مجازي:
أشكو ليالي غير معتبةأما من طول أو من القصر
تطول في هجركم وتقصر في الوصل فما تلتقي على قدر
يا ليلة كاد من تقاصرهايعثر فيه العشاء بالسحر
قيل أول ما بالغ في الشعر وكذب فيه المهلهل بقول:
ولولا الريح أسمع من بحجرصليل البيض تقرع بالذكور
وهذا من الغلو, فإنه ممتنع عقلا وعادة, لأنه كان بين حجر وبين موضع الوقع عشرة أيام, ولهذا قيل فيه: أنه كذب بيت قالته العرب.
ومنه قول أبي العلاء المعري في شدة الحنين عند لمع البرق:
شجا ركبا وأفراسا وإبلاوزاد فكاد أن يشجو الرحالا
وقوله أيضاً من هذه القصيدة:
تكاد قسيه من غير رامتمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سلتجد إلى رقابهم انسلالا
وما أبدع قوله منها وهو مما نحن فيه:
يذيب الرعب منه كل عضبفلولا الغمد يمسكه انسلالا
وفي معناه قول ابن المعتز:
يكاد يجري من القميص من النعمة لولا القميص يمسكه
وقول أبي الشيص:
لولا التمنطق والسوار معاوالحجل والدملوج في العضد
لتزايلت من كل ناحيةلكن جعلن لها على عمد
ومنه أخذ ابن النبيه قوله:
لها معصم لولا السوار يصدهإذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
ومثله قول بعضهم:
لها من الليل البهيم طرةعلى جبين واضح نهاره
ومعصم يكاد يجري رقةوإنما يعصمه سواره
وقال عبد العزيز بن عبد الرزاق في معناه:
قالت وقد صرت كطيف الخيالكيف ترى فعل الدمى بالرجال
وسددت سهما إلى مقتليتقول هل فيك لدفع النصال
رقيقة الجسم فلولا الذييمسكه من قسوة القلب سال
وما ألطف قول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات:
رق فلولا الأكف تمسكهسال مع الخمر حين ترشفه
وأبدع من ذلك كله وألطف قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
شرقت معاطفه بأمواه الصباوجرى عليه بضاضة ونعيم
قد كاد تشربه العيون لطافةلكن سيف لحاظه مسموم
وقوله أيضاً في معناه:
رقت شمائله ورق أديمهفيكاد تشربه عيون الناظر
ويعجبني جدا قول بعضهم في الخمر:
كادت تطير وقد طرنا بهالولا الشباك التي صيغت من الحبب
وما أعجب قول بعضهم في الخمر:
أما الصبوح فإنه فرضفإلى من يكحل جفنك الغمض
هذا الصباح بدت بشائرهولخيله في ليله ركض
والليل قد شابت ذوائبهوعذراه بالفجر مبيض
فانهض إلى حمراء صافيةقد كاد يشرب بعضها بعض
يستقيكها من كفه رشألدن القوام مهفهف بض
سيان خمرته وريقتهكلتاهما عنبية محض
تدمي اللواحظ خده نظراللحظ في وجناته عض
من ضمه فتح السرور لهبابا وكان لعيشه الخفض
باهت وقد أبدى محاسنهقمر السماء بحسنه الأرض
يسعى بها كالشمس مشرقةللعين عن إشراقها غض
والكأس إذ تهوي بها يدهنجم بجنح الليل منقض
بات الندامى لا حراك بهمإلا كما يتحرك النبض
في روضة يهدي لنا شقهاأرج الحبائب زهرها الغض
ختم الحيا أزهارها فغدابيد النسيم لختمها فض
فاشرب على حافتها طرباوأنهض لها ما أمكن النهض
لا تنكرن لهوى على كبريفعلي من عصر الصبا قرض
أعرى العذول بلومه شغفيفكأنما إبرامه نقض
خالفته والرأي مختلفشأني الوداد وشأنه البغض
مهلا فليس على الفتى دنسفي الحب ما لم يدنس العرض
وبديع قول ابن حمديس القلي في وصف فرس:
يجري ولمع البرق في آثارهمن كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلهلو كان يرغب في فراق رفيق
ومثله قول شمس الدولة عبدان:
أبت الحوافر أن يمس بها الثرىفكأنه في جريه متعلق
فكأن أربعة تراهن طرفهفتكاد تسبقه إلى ما يرمق
ولمؤيد الدين الطفرائي يصف خيلا:
سبقت حوافرها النواظر فاستوىسبق إلى غاياتها وشفون
لولا ترائي الغايتين لأقسم الراؤن أن حراكها تسكين
وتكاد تشبهها البروق لو أنهالم تعتلقها أأعين وظنون
وقال معاوية بن مرداس:
يكاد في شأوه لولا أسكنهلو طار ذو حافر من قبله طارا
ومثله قول الآخر:
لو طار ذو حافر قبلهالطارت ولكنه لم يطر
ومنه قول البحتري:
لو أن مشتاقا تكلف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر
ومنه أخذ المتنبي قوله:
لولا تعقل الشجر التي قابلتهامدت محيية إليك الأغصنا
إلا أن بيت البحتري أحسن وأمكن.
حدث أحمد البلاذري المؤرخ قال: كنت من جلساء المستعين, فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال: مثل قول البحتري في المتوكل (لو أن مشتاقا - البيت) فرجعت إلى داري, وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري, فقال: هاته, فأنشدته:
ولو أن برد المصطفى إذ لبستهيظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته ولبستهنعم هذه أعطافه ومناكبه
فقال ارجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به. فرجعت, فبعث إلي بسبعة آلاف دينار وقال: أدخر هذه للحوادث بعدي, ولك على الجراية والكفاية ما دمت حيا. انتهى.
قلت: ولعمري لقد أساء الأدب هذا الشاعر مع المصطفى ﵌, وسيجازيه الله تعالى على قلة أدبه. وهذا من الغلو القبيح المردود.
ومنه قول التمار الواسطي وقيل غيره:
قد كان لي فيما مضى خاتمواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت من شوق فلو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعدهأتلفه إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتشت عليهكفك في الفرش لم تجده
وقول ابن دانيال:
محب غدا جسمه ناحلايكاد لفرط الضنى أن يذوبا
ورق فلو حركته الصبالصار نسيما وعادت قضيبا
وقول بعضهم:
ولو شئت في طي الكتاب لزرتكمولم تدر عني أحرف وسطور
وقول الوزير ابن العميد:
لو أن ما أبقيت من جسمي قذىفي العين لم يمنع من الإغفاء
ومن هنا أخذ الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن فقال:
لقد تضائل حتى لو قذفت بهفي مقلة ما أحسته مآقيها
وأكثر من ذلك غلوا قول أبي عثمان الخالدي:
بنفسي حبيب بأن صبري ببينهوأودعني الأحزان ليلا ودعا
وأنحلني بالهجر حتى لو أننيقذى بين جفني أرمد ما توجعا
وتجاوز المتنبي أبعد من ذلك فقال:
أراك ظننت السلك جسمي فعقتهعليك بدر عن لقاء الترائب
ولو قلم ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من خط كاتب
ومنه قول الشيخ جعفر الخطي ﵀:
وعبرة لو دعي نوح ليسلكهابفلكه قال بسم الله مجريها
ومقلة ألفت فرط السهاد فلورد الرقاد عليها كاد يؤذيها
وقولي من أبيات خمرية:
رقت فلولا الكأس لم تبصر لهاجسما ولم تلمس براحة لامس
فكأنها عند المزاج لطافةوهمٌ يخيله توهم هاجس
وقول الشريف الرضي ﵁:
لو أن قومك نصلوا أرماحهمبعيون سربك ما أبل طعين
ومن أحسن أنواع الغلو أيضاً ما تضمن نوعا حسنا من التخييل, وإن لم يأت فيه بأداة التقريب, ومثل له الخطيب في الإيضاح والتلخيص بقول أبي الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرالو تبتغي عنقا عليه لا مكنا
وتبعه على ذلك ابن حجة فقال: ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب - وأنشد البيت - وأعترض ذلك بعض المتأخرين فقال: قد عدوا من أدوات التقريب (لو) وصرح بذلك ابن حجة في الإغراق فقال: ولم يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز, ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة, ويدخله في باب الإمكان مثل (كاد) و (لو) وما يجري مجرهما, ثم قال: ومن شواهد تقريب نوع الإغراق (بلو) قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم لأولهم أو مجدهم قعدوا
قال (لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا) وهو محل الشاهد, فإن صدره لا غلو فيه البتة, فكيف يقال أنه من الغلو بغير أداة التقريب؟.
وقد جمع القاضي الأرجاني بين حسن التخييل وأداة التقريب في قوله:
يخيل لي أن سمر الشهب في الدجىوشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن.
وإلى هذا المعنى لمح ابن نباتة في قوله - وإن لم يستوفه -:
كم ليلة بت أشكو من تطاولهاعلي والليل داجي القلب كافره
وأرقب الشهب فيه وهي ثابتةكأنما سمرت منها مسامره
ومن الغلو المقبول, ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول أبي الشكر محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي المعروف بابن المحتسب من قصيدة:
أمر بالكرم خلف حائطهتأخذني نشوة من الطرب
أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب
فإن السكر في الأمس للعزم على الشرب في الغد محال, لكنه مقبول لإخراجه مخرج الهزل والخلاعة, وذلك مما تميل إليه الطباع.
وقول ابن الحجة أنه من الغلو الذي هو غير مقبول, فقد نص على ما ذكرناه الخطيب في كتابه, وغيره من المحققين, فلا عبرة بقوله.
ومنه قول أبي الحسن أحمد بن المؤمل:
وقائلة ما بالك بالدهر طافحاوأنت مسن لا يليق به السكر
فقلت لها أفكرت في الخمر مرةفاسكرني ذاك التوهم والفكر
ومن الغلو بغير أداة التقريب قول أبي نواس في الخمر:
فلما شربناها ودب دبيبهاإلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو على شعاعهافيطلع ندماني على سري الخفي
قوله أيضاً:
وأخفت أهل الشرك حتى أنهلتخافك النطف التي لم تخلق
روي أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال: ما استحييت من الله بقولك (وأخفت أهل الشرك - البيت) فقال له أبو نواس: وأنت ما استحييت من الله بقولك:
ما زلت في غمرات الموت مطرحاًيضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك ليحتى اختلست حياتي من يدي أجلي
فقال العتابي: قد علم الله, وعلمت أن مثل هذا ليس قول مثلك, ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.
وقد استعمل أبو نواس معنى البيت ثانيا فقال:
حتى الذي في الرحم لم يك صورةلفؤاده من خوفه خفقان
ومنه قوله أيضاً:
لا ينزل الليل حيث حلتفدهر شرابها نهار
وقول الآخر:
منعت مهابتك القلوب كلامهابالأمر تكرهه وإن لم تعلم
وقول النظام:
نظرت إليه نظرة فتحيرتدقائق وهمي في جليل صفاته
فأومى إليه الوهم أني أحبهفأثر ذاك الوهم في وجناته
وقوله أيضا:
حركات الضمير تؤثر في الخدويدميه وهم لحظ العيون
رق حتى لو لامسته أذابتهـ بإيمائها يد المكنون
وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمر والأفراس يقدمهاعفوا على رسله منها وما انبهرا
وخلف الريح حسرى وهي جامدةومر يختطف الأبصار والنظرا
قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا.
وقول الآخر في فرس أيضا:
كم سابح أعددته فوجدتهعند الكريهة وهو نسر طائر
لم يرم قط بطرفه في غايةإلا وسابقه إليها الحافر
وقول ابن حجاج في مرثية فرس له:
قال له البرق وقالت له الريحجميعا وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لاإن شئت أضحكتكما منكما
هذا ارتداد الطرف قد فتهإلى المدى سبقا فمن أنتما
وقول ابن خفاجة الأندلسي:
وأبلق خوار العنان مطهمطويل الشوى والساق أقود أتلعا
جرى وجرى البرق اليماني عشيةفأبطأ عنه البرق عجزا وأسرعا
وحسب الأعادي أن يزجروا بهمغيرا غربا صبح القوم أبقعا
ومعنى البيت الأخير في غاية الحسن.
وقول الشيخ صفي الدين الحلي ﵀:
وأغر تبري الإهاب موردسبط الأديم محجل ببياض
وأخشى عليه أن يصاب بأسهميلما يسابها إلى الأغراض
وقوله أيضا:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرحيميس من عجبه كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبهموكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليلٍ تسير بهكواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوتهمرت بهاديه وانحطت عن الكفل
وقول الشيخ صلاح الدين الصفدي:
يا حسنه من أشقر قصرتعنه بروق الجو في الركض
لا تستطيع الشمس من جريهترسمه ظلا على الأرض
فهذه الأمثلة كلها من نوع الغلو الذي لم يؤت فيه بأداة التقريب, ومنها البديع المستحسن, والمقبول غير المستهجن كما ترى, فظهر لك أن حسن الغلو غير مقصور على ما قرب من الإمكان بأداة التقريب كما زعم ابن حجة في شرح بديعيته.
ومن الغريب أن ابن حجة عد من أدوات التقريب (لو) كما مر ببيانه, ثم قال: ومن الغلو بغير أداة التقريب قول بعضهم:
قد كان لي فيما مضى خاتمواليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بيفي مقلة النائم لم ينتبه
قال: ومثل هذا لا يقبله العقل, ولا عليه رونق القبول. انتهى. وقد ترى أن الغلو في هذين البيتين كليهما مقرون (بلو) فهل هذا إلا تناقض؟.
وأما الغلو المردود القبيح الذي يجب اجتنابه, ويهجر جنابه, فهو ما آل بصاحبه إلى الكفر والاستخفاف بقدرة الله تعالى, والمدح الذي لا يليق إلا بجنابه ﷿, سواء قرن بشيء من أدوات التقريب أم لا.
كقول ابن دريد في مقصورته يخاطب الدهر:
ما رست من لو هوت الأفلاك منجوانب الجو عليه ما شكا
يقال: أنه أصابه فالج بطل له من محزمه إلى قدمه, فكان إذا دخل عليه الداخل صاح وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه. قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: فكنت أقول في نفسي أن الله ﷿ عاقبه لقوله المذكور, فكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه, أو يشك بالمسال؛ أعاذنا الله من ذلك.
ويقرب من ذلك ما حكي أن الشيخ عمر بن الفارض لما نظم قوله:
وبما شئت في هواك اختبرنيفاختباري ما كان فيه رضاكا
ابتلي بحصر البول, حتى أنه صار يأتي للصبيان في المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.
ومن غلو ابن دريد القبيح في مقصورته هذه قوله أيضاً في ممدوحه:
ولو حمى المقدار عنه مهجةلرامها أو يستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمرهترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
وقول أبي العتاهية:
فإذا أضرم حربا كان فيمهج القوم شريكا للقدر
وقول علي بن جبلة المعروف بالعكوك:
أنت الذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر في حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلا قضيت بأرزاق وآجال
وبهذين البيتين استحل المأمون دم الشاعر المذكور.
ذكروا أن المأمون لما بلغه قول علي بن جبلة في أبي دلف:
كل من في الأرض من عرببين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
استشاط من ذلك وغضب غضباً شديداً وقال: ويلي على ابن الفاعلة, يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف وقال: اطلبوه حيث ما كان, وأتوني به. فطلبوه ولم يقدروا عليه, لأنه كان مقيما بالجبل. فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية, حتى توسط الشامات فظفروا به وأخذوه, وحمل مقيدا إلى المأمون. فلما صار بين يديه قال: يابن اللخناء أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى - وهو أبو دلف - (كل من في الأرض من عرب) وأنشد البيتين, جعلتنا ممن يستعير المكارم منه يوم الافتخار؟ قال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم, لأن الله اختصكم لنفسه على عباده, وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكا عظيما. وإنما ذهبت في قولي إلى أقران وأشكال القاسم بن عيس من الناس. فقال: والله ما أبقيت أحدا, ولقد أدخلتنا في الكل, وما استحل دمك بكلمتك هذه, ولكن استحله بكفرك في شعرك, حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله وجعلت معه ملكاً قادراً, وهو (أنت الذي تنزل الأيام منزلها) وأنشد البيتين.
ثم قال: أخرجوا لسانه من قفاه, فمات, وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد.
والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه.
فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس:
يداه في الأرض والسماء فماتجوز قطريه كف مخلوق
وقوله في الرشيد:
فلا يتعذرن عليك عفووسعت به جميع العالمينا
وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد.
وقوله فيه أيضاً:
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكاتقبيل راحته والركن سيان
وقوله في الغزل:
متتايه بجماله صلفلا يستطاع كلامه تيها
للحسن في وجناته بدعما إن ميل الدرس قاريها
لو كانت الأشياء تعقلهأجللته إجلال باريها
وقال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.
وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله:
يترشفن من فمي رشفاتهن فيه أحلى من التوحيد
قلت: وقال أبو الفتح بن جني: أنه أنشده حلاوة التوحيد, أي هي عندي مثل حلاوة التوحيد. وأبعد وأغرب بعض الشراح حيث جعل التوحيدي بياء النسبة, وقال: أنه نوع من التمر.
وقوله:
تتقاصر الإفهام عن إدراكهمثل الذي الأفلاك فيه والدنى
وقد أفرط جداً, لأن الذي الأفلاك فيه والدنى هو علم الله تعالى.
وقوله:
الناس كالعابدين آلهةوعبده كالموحد اللاها
وقوله:
لو كان علمك بالإله مقسمافي الناس ما بعث الإله رسولا
أو كان لفظك فيهم ما أنزل التوراة والفرقان والإنجيلا
وقوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيهلما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأس عازر سيفهفي يوم معركة لاعيا عيسى
عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح ﵇:
أو كان لج البحر مثل يمينهما أنشق حتى جاز فيه موسى
وكأن المعاني أعيته حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء ﵈ وفي هذه القصيدة:
يا من نلوذ من الزمان بظلهأبدا ونطرد باسمه إبليسا
وقوله وقد جاوز حد الإساءة:
أي محل أرتقىأي عظيم اتقى
وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق
محتقر في همتيكشعرة في مفرقي
وقبيح بمن أوله نطفة مذرة, وآخره جيفة قذرة, وهو فيما بينهما محمل العذرة, أن يقول مثل هذا الكلام.
ومن غلو ابن هاني الشنيع قوله في المعز لدين الله:
ما شئت لا ما شاءت الأقدارفاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبي محمدوكأنما أنصارك الأنصار
أنت الذي كانت تبشرنا بهفي كتبها الأحبار والأخبار
ومنها:
جلت صفاتك أن تحد بمقولما يصنع المصداق والمكثار
وقوله فيه من أخرى:
هذا ضمير النشأة الأولى التيبدأ الإله وغيبها المكنون
من أجل هذا قدر التقدير فيأم الكتاب وكون التكوين
وبذا تلقى آدم من ربهعفوا وفاء ليونس اليقطين
لو يلتقي الطوفان قبل وجودهلم ينج نوحا فلكه المشحون
ومنها يخاطبه:
والنور أنت وكل نور ظلمةوالفوق أنت وكل قدر دون
لو كان رأيك شائعا في أمةعلموا بما سيكون قبل يكون
وقوله من أخرى فيه أيضا:
وعلمت من مكنون علم الله مالم يؤت جبريلا وميكائيلا
لو كنت آونة نبيا مرسلانشرت بمبعثك القرون الأولى
أو كنت نوحا منذرا في قومهما زادهم بدعائه تضليلا
لله فيك سريرة لو أظهرتأحيا بذكرك قاتل مقتولا
لو كان آتى الخلق ما أوتيتهلم يخلق التشبيه والتمثيلا
لولا حجاب دون علمك حاجزوجدوا على علم الغيوب سبيلا
وقال وأساء في المقال:
وجد العيان سناك تحقيقا ولمتحط الظنون بكنهه تصريحا
أخشاك تنسي الشمس مطلعها كماأنسى الملائك ذكرك التسبيحا
أقسمت لولا أن دعيت خليفةلدعيت من بعد المسيح مسيحا
شهدت بمعجزك السماوات العلىوتنزل القرآن فيك مديحا
وقوله وقد تجاوز الحد:
أتبعته فكري حتى إذا بلغتغاياتها بين تصويب وتصعيد
رأيت موضع برهان يبين ومارأيت موضع تكييف وتحديد
وهذا مدح يليق بالخالق سبحانه لا بالمخلوق, وهو في شعره كثير جدا حتى قال القاضي ابن خلكان في ترجمته: ولولا ما في ديوانه من الغلو في المدح والإفراط المؤدي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين. وليس من المغاربة من هو في طبقته, لا من متقدميهم ولا متأخريهم, بل هو أشعرهم على الإطلاق. وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة, وكانا متعاصرين والله أعلم.
ومن غلو أبي العلاء المعري قوله في قصيدة:
ولولا قولك الخلاق ربيلكان لنا بطلعتك افتتان
وقوله أيضاً من أخرى:
خاضعات لك الكواكب تختصمواليك بالمحل الأثير
لا يؤثرن في الولي ولا الحاسد حتى تشير بالتأثير
ومنها في تهنئة ممدوحه بالزواج:
كنت موسى وافتك بنت شعيبغير أن ليس فيكما من فقير
وقوله:
وقد علمت هذي البسيطة أنهاتراثك فلتشرف بذاك وتزدد
وإن شئت فأرغم من فوق ظهرهاعبيدك واستشهد إلهك يشهد
نعوذ بالله من هذا الغلو القبيح, فإن فوق الأرض من عباد الله الأخيار والصلحاء الأبرار, والأقطاب والإبدال, ما لا يعلمهم إلا الله تعالى, فما له يقول هذا القول الشنيع الذي تصم منه الأسماع, وتنفر منه الطباع.
ومنه قوله أيضاً:
فلو زار أهل الخلد عتبك زورةلأوهمهم أن الجنان جحيم
وقوله في رثاء فقيه:
واكسواه الأكفان من ورق المصحف كبرا عن أنفس الأبراد
ومن غلو ابن النبيه قوله يمدح الخليفة الناصر لدين الله:
بغداد مكننا وأحمد أحمدحجوا إلى تلك المناسك واسجدوا
يا مذنبين ضعوا بها أوزاركموتطهروا بترابها وتهجدوا
فهناك من جسد النبوة بضعةبالوحي جبري لها يتردد
باب النجاة مدينة العلم التيما زال كوكب هديها يتوقد
هذا هو الستر الذي بهر الورىفي ظهر آدم والملائك سجد
هذا الذي يسقي العطاش بكفهوالحوض ممتنع الحمى لا يورد
هذا الصراط المستقيم حقيقةمن زل عنه ففي جهنم يخلد
ومنها وقد جاوز الحد:
يا من لمبغضه الجحيم قراراةولمن يواليه النعيم السرمد
لولا التقية كنت أول معشرغالوا فقالوا أنت رب تعبد
وقوله من أخرى فيه:
له على سرِّ سرِّ الغيب مطلعفما موارده إلا مصادره
يقضي بتفضيله سادة عترتهلو كان صادقه حيا وباقره
كل الصلاة خداج لا تمام لهاإذا تقضت ولم يذكره ذاكره
كل الكلام قصير عن مناقبهإلا إذا نظم القرآن شاعره
وقوله من أخرى فيه:
فيك سر لوه ما قسم اللهـ على الناس جنة وسعيرا
قد هدانا بك السبيل فإمامؤمنا شاكراً وإما كفورا
وقوله في الملك الأشرف:
ملك له الفضل على آدموالفضل لا يكسب بالمولد
لو لم تر الأملاك في صلبهغرته الغراء لم تسجد
ومن هذا النمط في شعره كثير وهو مشهور بذلك, فلا حاجة إلى الإكثار منه.
ومن الغلو القبيح, قول عضد الدولة:
ليس شرب الراح إلا في المطروغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهىناغمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعهاساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنهاملك الأملاك غلاب القدر
يقال أنه ما عاش بعد هذه الأبيات إلا قليلا, ولما احتضر لم يكن لسانه ينطق إلا بتأوه (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) ومنه أيضاً قول الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن:
وزفرة لو ثوى يوم الخليل بهاأودى ولم يغن عنه برده فيها
ومنها:
ماذا على الطير إذ أبلى الضنا جسديفخف لو حملتني في خوافيها
أن تقعد الطير عن حملي لكم وسرتريح الصبا فاطلبوني في مساريها
تلقي لكم جسدا لو أن علتهيدعى المسيح لها ما كان يبريها
وأنا استغفر الله تعالى من إثبات هذه الأشياء, فليحذر الأديب الأريب الوقوع في مثل ذلك, وليتجنب هذه المسالك, فأن عن ذلك للشاعر مندوحة, ولا يعود عليه إلا منه إلا المقت من رحمة الله وخلقه. (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
عزيز جار لو الليل استجار بهمن الصباح لعاش الناس في الظلم
هذا الغلو في مدحه ﵌ بديع مقبول, لائحة عليه إشارات القبول, لا كقوله في ممدوحه:
ولو أتاه الليل مستجيراآمنه من سطوات الفجر
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
تكاد تشهد أن الله أرسلهإلى الورى نطف الأبناء في الرحم
هذا الغلو في مديحه عليه وآله الصلاة والسلام أيضاً حسن مقبول, لو لم يشنه بذكر الرحم والنطف الذي لا يليق بالمديح النبوي.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
في مدحه نفحات لا غلو بهايكاد يحيي شذاها بالي الرمم
نفحات غلو هذا البيت أخجلت نفحات الغالية, ونشر شذاه عطر مسام الأرواح حتى كاد يحيي الرمم البالية, مع تمام الانسجام والرقة, وتمكن القافية. ولا شك أنه من البيوت التي أذن الله أن ترفع بمديح نبيه المصطفى ذي المقام الأرفع صلى الله عليه وآله الكرام, وأصحابه العظام.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
بلا غلو إلى السبع الطباق سرىوعاد والليل لم يحفل بصحبهم
غالى ابن حجة في الإعجاب بغلو هذا البيت, وظن أنه لا يتحكم عليه لو, (ولا, وليت), والذي أقوله: إنه إنما نظم أمرا واقعا لا غلو فيه, إلا لو لم يقع, وأما بعد وقوعه فادعاء استحالته عقلا وعادة كما هو معنى الغلو قد يكون كفرا - نعوذ بالله من ذلك - فإنه ﵌ سرى إلى السماوات السبع ليلة الإسراء, ودوخ طباقها, وعاد قبل طلوع الفجر, لاشك في ذلك. فتسمية هذا غلوا فيه مالا يخفى.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
بلا غلو لو الدهر استجار بهمن الفنا لم يكن يوما بمنعدم
هذا أيضاً من الغلو المقبول في مدح الرسول ﵌.
وبيت بديعيتي هو قولي:
ولا غلو إذا ما قلت عزمتهتكاد تثني عهود الأعصر القدم
دعوى إعادة عهود الأزمان الماضية مما يستحيل عقلا وعادة, إلا أن فعل التقريب وهو (تكاد) قرب ذلك من الصحة, وأخرجه عن الاستحالة, فهو من الغلو المقبول, على أنه لا غلو في ذلك كما أشرنا إليه في نفس البيت, لكونه في مديحه ﵌.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
عريض جاه لو أن الدهر طال مدىكجاهه آمن الدنيا من العدم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع