من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الانسجام (٣)
قال الثعالبي: عهدي بأبي بكر الخوارزمي يحن على هذا الوصف.
وقوله وهو من المطرب:
قم فانتصف من صروف الدهر والنوبواجمع بكأسك شمل اللهو والطرب
أما ترى الصبح قد قامت عساكرهفي الشرق ينشر أعلاما من الذهب
والجو يختال في حجب ممسكةكأنما البرق فيها قلب ذي رعب
تجنبتك صروف الدهر فانصرفتوقابلتك سعود العيش عن كثب
فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجتبقهوة الفلج المعسول والشنب
فالعيش في ظل أيام الصبا فإذاودعت طيب الشباب الغض لم يطب
توج بكأسك قبل الحادثات يدافالكأس تاج يد المثري من الأدب
وقوله وهو من المرقص:
خذوا من العيش فالأعمار فانيةوالدهر منصرف والعمر منقرض
في حامل الكأس من بدر الدجى خلفوفي المدامة من شمس الضحى عوض
كأن نجم الثريا كف ذي كرممبسوطة للعطايا ليس تنقبض
دارت علينا كؤوس الراح مترعةوللدجى عارض في الجو معترض
حتى رأيت نجوم الليل غائرةكأنهن عيون حشوها مرض
ومنه قول الخباز البلدي
ذرى شجر للطير فيها تشاجركأن صنوف النور فيها جواهر
كأن القماري والبلابل فوقهاقيان وأوراق الغصون ستائر
شربنا على ذاك الترنم قهوةكأن على حافاتها الدر دائر
ومما وقع الاتفاق على أنه من الانسجام المرقص قول الوزير المهلبي:
تصارمت الأجفان منذ ضرمتنيفما نلتقي إلا على عبرة تجري
وقوله أيضاً:
قال لي من أحب والبين قد وجدودمعي مواصلا لشهيقي
ما الذي في الطريق تصنع بعديقلت أبكي عليك طول الطريق
ومنه قول أبي إسحاق إبراهيم الصابي:
لست أشكو هواك يا من هواهكل يوم يروعني منه خطب
مر ما مر بي من أجلك حلووعذابي في مثل حبك عذب
وقوله أيضاً:
أيها اللائم المضيق صدريلا تلمني فكثرة اللوم تغري
قد أقام القوام حجة عشقيوأبان العذار في الحب عذري
وقوله أيضاً:
إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقدحفنا عليك به ظلما وعدوانا
لأن أحسن ما نلقاه مكتسياوأنت أحسن ما نلقاك عريانا
ومنه قول القاضي التنوخي:
غصن تأود فوق دعص من نقاليل تبلج عن نهار مسفر
كالشمس إلا أنه متنفسعن مسكة متبسم عن جوهر
وأطال من ليلي وقصر ليلهإني سهرت وأنه لم يسهر
وقول أبي نصر الخبزارزي:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتمابأحسن من مولى تمشى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال ليأصونك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال نجم الكأس بيني وبينهيدور بأفلاك السعادة والسعد
فطورا على تقبيل نرجس ناظروطورا على تعضيض تفاحة الخد
وقوله أيضاً:
شاقني الأهل ولم تشقني الدياروالهوى صائر إلى حيث صاروا
جيرة فرقتهم غربة البينوبين القلوب ذاك الجوار
كم أناس زعوا لنا حين غابواوأناس جفوا وهم حضار
عرضوا ثم أعرضوا واستمالواثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلهم على التجني فلو لميتجنوا لم يحسن الاعتذار
وقوله أيضاً: قالوا عشت صغيرا قلت أرتع في=روض المحاسن حتى يدرك الثمر
ربيع حسن دعاني لافتتاح هوىلما تفتح منه النور والزهر
ومن بديعه قول أبي طاهر الواسطي قال الثعالبي (وهو أحسن وأبلغ ما سمعته في طول الليل):
عهدي بنا ورداء الصبح يجمعناوالليل أطوله كاللمح بالبصر
فالآن ليلي مذ غابوا فديتهمليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقول أبي عبد الله الحامدي
يا راحلا ترك البكاء مباحاما رحت أنت بل اصطباري راحا
إن أخلفتني فيك أسباب المنىوغدوت لي سقما وكنت صلاحا
فلقد عهدتك مسعدا لي في الهوىوعهدت وجهك في الظلام صباحا
وقول ابن نباتة السعدي:
يا من أضر بحسن الشمس والقمرولم يدع فيهما للناس من وطر
نفسي فداؤك من بدر على غصنتكاد تأكله عيناي بالنظر
وقوله وهو من المطرب
سقى الله أرضاً لا أبوح بذكرهافتعرف أشجاني بها حين تذكر
سوى أنها مسكية الترب ريحهاترف وتندى والهواجر تزفر
نمت بها يجلو علي كؤوسهاأغر الثنايا واضح الجيد أحور
فوالله ما أدري أكانت مدامةمن الكرم تجنى أم من الشمس تعصر
إذا صبها جنح الظلام وعبهارأيت رداء الليل يطوى وينشر
وقوله وهو من المرقص:
خلقنا بأطراف القنا في صدورهمعيونا لها وقع السيوف حواجب
بقوا قبلنا مرد العوارض وانثنواوأوجههم منها لحى وشوارب
وقوله في فرس أغر محجل أهداه إليه سيف الدولة:
قد جاءنا الطرف الذي أهديتههاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية وليتنا فبعثتهرمحا سبيب العرف عقد لوائه
نختال منه على أغر محجلماء الدياجي قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتص منه وخاض في أحشائه
متمهلا والبرق من أسمائهمتبرقعا والحسن من أكفائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلهاحتى يكون الطرف من إسرائه
وقال فيه أيضاً:
وأدهم يستمد الليل منهوتطلع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير مشياويطوي خلفه الأفلاك طيا
فلما خاف وشك الفوت منهتشبث بالقوائم والمحيا
ومن المرقص البديع قول السلامي:
تبسطنا على الآثام لمارأينا العفو من ثمر الذنوب
ومثله قوله:
الكأس للسكر التبري صائفةوالماء للحبب الدري نظام
بتنا نكفكف بالكاسات أدمعناكأننا في حجور الروض أيتام
وقوله:
نفرغ أكياسنا في الكؤوسنبيع العقار ونشري العقارا
حمدنا الهوى ونسينا الفراقومن يشرب الخمر ينس الخمارا
وقوله من قصيدة يمدح بها عضد الدولة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
وبشرت آمالي بملك هو الورىودار وهي الدنيا ويوم هو الدهر
قال القاضي ابن خلكان في تاريخه بعد إنشاد هذه الأبيات: وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال.
وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر الأرجاني فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أمدحههذا هو الرجل العاري من العار
كم من شنوف لطاف من محاسنهعلقن منه على آذان سمار
لقيته فرأيت الناس في رجلوالدهر في ساعة والأرض في دار
ولكن أين الثريا من الثرى, وهذا المعنى موجود في الشطر الأخير من بيت المتنبي وهو:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
لكنه ما استوفاه, فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله السلامي هو الدهر, ومع هذا فليس عليه طلاوة ببيت السلامي. انتهى.
ومن المطرب أيضاً قوله:
عدل الحبيب فمن يجورودنا فأين بنا تسير
عوضت من عيس تدوربنا الفلا كأسا تدور
وشربت ما وسع الصغيروزدت ما حمل الكبير
نبهت ندماني وقدعبرت بنا الشعرى العبور
والبدر في أفق السماء كروضة فيها غدير
هبوا فقد عيي الرقيبفنام وانتبه السرور
وأشار إبليس فقلنا كلنا نعم المشير
صرعى بمعركة تعفالوحش عنها والنسور
نوار روضتنا خدود والغصون بها خصور
والعيش آنس ما يكونإذا تهتكت الستور
هبوا إلى شرب المدام فإنما الدنيا غرور
طاف السقاة بها كماأهدت لك الصيد الصقور
عذراء يكتمها المزاج كأنها فيه ضمير
وتظن تحت حبابهاخدا تقبله ثغور
حتى سجدنا والإمامأما منا بم وزير
ومن الانسجام المطرب قول ابن سكرة الهاشمي في غلام بيده غصن منور:
غصن بان أتى وفي اليد منهغصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيرت بين غصنين في ذاقمر طالع وفي ذا نجوم
وقوله أيضاً:
الليالي تسوء ثم تسروصروف الزمان ما تستقر
غير أني عن الحوادث راضبعد سخط والعيش حلو ومر
كنت صبا بواحد ثم ثنيت فلي بالجميع وصل وهجر
من كمثلي وعن يميني شمستتجلى وعن يساري بدر
ذا على خده من الحسن سطروعلى طرف ذا من الغنج سحر
بت يجري علي من ريق هذينوكأسي شهد ومسك وخمر
وقال:
أنا والله سيديآيس من سلامتي
أو أرى القامة التيقد أقامت قيامتي
ومنه قول أبي الحسن علي بن هارون المنجم وهو مما يتغنى به:
بيني وبين الدهر فيك عتابسيطول إن لم يغنه الإعتاب
يا غائبا بوصاله وكتابههل يرتجى من غيبتك إياب
لولا التعلل بالرجاء تقطعتنفس عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من فرج الإله فربمايصل القطوع ويقدم الغياب
وقوله:
سقى الله أياما لنا ولياليامضين فلا يرجى لهن رجوع
إذ العيش صاف والأحبة جيرةجميعاً وإذ كل الزمان ربيع
وإذ أنا أما للعواذل في الصبافعاص وأما للهوى فمطيع
قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا الشعر إن شئت كان أعرابياً في شملته, وإن أردت كان عراقيا في حلته.
وقوله من قصيدة صاحبية:
ولما تنسمنا صبا صاحبيهتعيد عجاج الجو وهو عبير
تركنا الظي الرمضاء وهي حديقةندى وحصى المزاء وهي شذور
ونلنا هشيم النبت وهو منوروجزنا قتاد الأيك وهو حرير
وزير ومما يعجب الناس أنهوزير عليه للسماح أمير
ويخطب من فوق الثريا بفخرهفلا تعجبوا أن الخطيب خطيرا
وقوله من أخرى فيه وهي من قلائده:
هذا فؤادك نهبا بين أهواءوذاك رأيك شورى بين آراء
هواك بين العيون النجل مقتسمداء لعمرك ما أدواه من داء
لا تستقر بأرض أو تسير إلىأخرى بشخص غريب عزمه نائي
يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونهشعب العقيق وطورا قصر تيماء
قال أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي: عهدي بأبي محمد الخازن ماثلاً بين يدي الصاحب ينشده هذه القصيدة, فرأيت الصاحب مقبلا عليه بمجامعه, حسن الإصغاء إليه, مستعيدا لأكثر أبياته, مظهرا من الإعجاب به والاهتزاز لهل ما تعجب الحاضرون منه.
فلما بلغ قوله:
أدعى بأسماء نبزا في قبائلهاكأن أسماء أضحت بعض أسمائي
أطلعت شعري وألقت شعرها طربافألفا بين إصباح وإمساء
زحف عن دسته طربا. فلما بلغ قوله بالمدح:
لو أن سبحان باراه لا سحبهعلى خطابته أذيال فأفاء
أرى الأقاليم قد ألقت مقالدهاإليه مستبقات أي إلقاء
فساس سبعتها منه بأربعةأمر ونهي وتثبيت وإمضاء
كذاك ألوى الهدى منه بأربعةكفر وجبر وتشبيه وإرجاء
جعل يحرك رأسه مستحسنا. فلما قال:
نعم تجنب (لا) يوم العطاء كماتجنب ابن عطاء لثغة الراء
استعاده وصفق بيديه. فلما ختمها بهذه الأبيات:
أطري وأطرب بالأشعار أنشدهاأحسن ببهجة إطرابي وإطرائي
ومن منائح مولانا مدائحهلان من زنده قدحي وإيرائي
فخذ إليك ابن عباد محبرةلا البحتري يدانيها ولا الطائي
قال: أحسنت أحسنت والله أنت. وتناول النسخة, وتشاغل بإعارتها نظره, ثم أمر له بخلعة وحملان وصلة.
ومن البديع المطرب قول أبي عثمان سعيد بن هاشم الخالدي:
أدن من الدن يا فداك أبيوأشرب وسق الكبير وانتخب
أما ترى الطل كيف يلمع فيعيون نور يدعو إلى الطرب
في كل عين للطل لؤلؤةكدمعة في جفون منتحب
والصبح قد جردت صوارمهوالليل قد هم منه بالهرب
والجو في حلة ممسكةقد كتبتها البروق بالذهب
فهاتها كالعروس محمرة الخدين في معجز من الحبب
كادت تكون الهواء في أرج العنبر لو لم تكن من العنب
في كف را عند الصدود وقدغضبت من حبه على الغضب
فلو ترى الكأس حين يمزجهارأيت شيئاً من أعجب العجب
نار حواها الزجاج يلهبها الياء ودر يدور في لهب
وقول أبي العلاء السروي في غلام سكران, وهو مما يتغنى به:
بالورد في وجنتيك من لطمكومن سقاك المدام لم ظلمك
خلاك لا تستفيق من سكرتوسع شتما وجفوة خدمك
مشوش الصدغ قد ثملت فماتمنع من لثم عاشقيك فمك
بالله يا أقحوان مبسمهعلى قضيب العقيق من نظمك
وقول القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي:
قل للمليحة في الخمار المذهبأفسدت دين أخي التقي المترهب
نور الخمار ونور خدك تحتهعجبا لوجهك كيف لم يلتهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكنللحسن عن ذهبيهما من مذهب
وإذا أتت عين لتسرق نظرةقال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي
وما ألطف قوله: اذهبي لا تذهبي وعلى ذكر هذه الأبيات, يحكى أن بعض التجار قدم مدينة الرسول ﵌ ومعه حمل من الخمر السود, فلم يجد لها طالبا, فكسدت عليه, وضاق صدره, فقيل له: ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين في الظرف والخلاعة. فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد, فأتاه وقص عليه القصة, فقال: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحالة, فقال له التاجر: أنا غريب وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل, وتضرع إليه فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول.
وعمل هذين البيتين وشهرهما, وهما:
قل للمليحة في الخمار الأسودماذا أردت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة إزارهحتى وقفت له بباب المسجد
فشاع بين الناس أن مسكين الدرامي رجع إلى ما كان عليه, وأحب واحدة ذات خمار أسود, فلم يبق في المدينة ظريفة إلا وطلب خمارا أسود, فباع التاجر الحمل الذي كان معه لكثرة رغبتهم, فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه, والله أعلم.
وهذا حين أتلو عليك من انسجامات مهيار بن مرزويه الديلمي ما هو أرق من النسيم, وأشرف من المحيا الوسيم. وما أصدق قول أبي الحسن الباخرزي في حقه: هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر, وكاتب تجلى تحت كل كلمة من كلماته كاعب, وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه لو, وليت, فهي مصبوبة في قوالب القلوب, وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب.
فمن ذلك قوله من قصيدة:
يا نسيم الريح من كاظمةشد ما هجت البكا والبرجا
من عذيري يوم شرقي الحمىمن هوى جد بقلب مزرحا
الصبا إن كان لابد الصباأنها كانت لقلبي أروحا
يا نداماي بسلع أهل أرىذلك المغبق والمصطحبا
اذكرونا مثل ذكرانا لكمرب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا صبا إذا غنى بكمشرب الدمع وعاف القدحا
وقوله من أخرى:
ولائم ملتفت عن صبوتيينكرها ولو أحب لصب
إذا نسيت بهواي ساءهمصرحا وإن كنيت غضبا
وما عليه أن غرمت بابلابحاجر وفاطما بزينبا
يلومني لا مات إلا لائماأو عاش عاش بالهوى معذبا
قال عشقت أيبا يعدهامنقصة نعم عشقت اشيبا
هل شعر بدلته بشعرمبدل بأرب لي أربا
أبى الوفاء والهوى وبالغمعذرة من سيم عذرا فأبى
وقوله في صدر أخرى:
أتراها يوم صدت أن أرهاعلمت أني من قتلى هواها
أم رمت جاهلة ألحاظهالم تميز عمدها لي من خطاها
لا ومن أرسلها مفتنةتجرح النسك بجمع وقضاها
ما رمى نفسي إلا واثقأنه يقضي عليها من رماها
سنحت بين المصلى ومنىمسنح الظبية تستقري طلاها
فجزاها الله عن فتكهافي حريم الله سواءا ما جزها
قال واشيها وقد راودتهارشفة تبرد قلبي من لماها
لا تسمها فما أن الذيحرم الخمرة قد حرم فاها
أعطيت من كل حسن ما اشتهتفرآها كل طرف فاشتهاها
حماها خفر في وجههاووقار قبل أن تسمي أباها
غدت الشمس إذا ما أسفرتأختها والغصن إن مست أخاها
ولو أن النجم يرتاح لهالحظة في غير ما جمع ما اجتلاها
آه مما أسارت في كبديمن جوى تلك الليالي البيض آها
وقال من أخرى
من بمنى وأين جيران منىكانت ثلاثا لا تكون أربعا
راحوا فمن ضامن دين ما وفيوحالف بالبيت ما تورعا
وفي الحدوج غاربون أقسموالا تركوا شمسا تضيء مطلعا
سعى بي الواشي إلى أميرهملا طاف إلا خائفا ولا سعى
لا بأبي ظبية لولا طيفهاما أستأذنتها مقلتي أن تهجعا
ولا رجوت بسؤالي عندهاجدوى سوى أن أشتكي وتسمعا
يا صاحبي سر الهوى إذاعةطغت خروق سرنا أن ترقعا
إشرافة على منى إشرافةواجتهداها دعوة أن تسمعا
يا طلقاء الغدر هل من عطفةعلى أسير بالوفاء جمعا
سلبتموني كبدا صحيحةأمس فردوها علي قطعا
عدمت صبري فجزعت بعدكمثم ذهلت فعدمت الجزعا
وأنت يا ذات الهوى من بينهمعهدك يوم وجرة ما صنعا
لما ملكت بالخداع جسدينقلت قلبي وسكنت الأضلعا
وارتجعا لي ليلة بحاجرإن تم في الفائت أن يرتجعا
وغفلة سرقتها من زمنيبلعلع سقى الغمام لعلعا
وقال في صدر أخرى:
أنذرتني أخت سعد أن سعدادونها ينهد لي بالشر نهدا
ما على قومك أن صار لهمأحد الأحرار من أجلك عبدا
أجتلي البدر فلا أنساك وجههاوأرى الغصن فلا أسلاك قدا
وإذا هبت صبا أرضكمجملت تراب الغضابان ورندا
لام في نجد وما استنصحتهبابلي لا أراه الله نجدا
لو تصدى رشأ السفح لهلم يلم فيه ولو جار وصدا
يصل الحول على العهد وماأنكر التذكار من قلبي عهدا
أفيروى عندكم ذو غلةعدم الظلم فما يشرب بردا
رد لي يوما على وادي منىأن قضى الله لأمر أن يردا
وقال في صدر أخرى:
بطرفك والمسحور يقسم بالسحرأعمدا رماني أم أصاب ولا يدري
تعرض لي في القانصين مسددالإشارة مدلول السهام على النحر
رمى اللحظة الأولى فقلب مجربفكررها أخرى فأحسست بالشر
فهل ظن ما قد حرم الله من دميمباحاً له أم نام قومي عن الوتر
بنجد ونجد دار جود وذمةمطال بلا عس ومطل بلا عذر
وسمراء ود البدر لو حال لونهإلى لونها في صبغة الأوجه السمر
خليلي هل من وقفة والتفاتةإلى القبة السوداء من جانب الحجر
وهل من أرانا الحج بالخيف عائدإلى مثلها أم عدها حجة العمر
ولله ما أوفى الثلاث على منىلأهل الهوى لو لم تحن ليلة النفر
لقد كنت لا أوتى من الصبر قلةفهل تعلمان اليوم أين مضى صبري
وكنت ألوم العاشقين ولا أرىمزية ما بين الوصال إلى الهجر
فأعدي إلي الحب صحبة أهلهولم يدر قلبي أن داء الهواء يسري
أيشرد لبي يا غزالة حاجروأنت بذات البان مجموعة الأمر
وخذي الحظ عيني في الغصون إضافةإلى القلب أو ردي فؤادي إلى صدري
وقال من أخرى:
ولما وقفنا بالديار تشابهتجسوم براهن البلى وطلول
فبال بداء بين جنبيه عارفوبال بما جر الفراق جهول
ونسأل عن ظمياء صماء لا تعيفترضى بما قالت وليس تقول
هل أنت يا ظمياء إلا يراعةتميل مع الأرواح حيث تميل
فإن كان سؤلا للنفوس بلاؤهافإنك للبلوى وإنك سول
تهجر واش فيك عندي فسائنيفقلت عدو أنت قال عذول
وسفهني في أن تعلقت مانعافقلت وأي الغانيات منيل
إذا لم تكن حسناء إلا بخيلةفلا عجب في أن يحب بخيل
وقال في صدر أخرى وهي من مشهور شعره:
بكر العارض تحدوه النعامفسقاك الري يا دار أمام
وتمشت فيك أرواح الصبايتأرجن بأنفاس الخزامى
أجتدي المزن وماذا أر بيأن تجود المزن أطلالا رماما
وقليلا قبلا أن أدعو لهاما رآني الله أستجدي الغماما
أين سكانك لا أين همأحجازا أوطنوها أما شآما
صدعوا بعد التئام فغدتبهم أيدي المرامي تتراما
يا لواة الدين عن ميسرةالضنينات وما كن لئاما
قد وقفنا بعدكم في ربعكمفقضيناه استلاما والتثاما
بجرعاء الحمى قلبي فعجبالحمى وأقرأ على قلبي السلام
وترجل فتحدث عجباإن قلبا سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضا آه علىطيب عيش بالغضا لو كان داما
نصل العام وما أنساكموقصارى الوجد أن أسلخ عاما
حملوا ريح الصبا نشركمقبل أن تحمل شيحا وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرىإن أذنتم لجفوني أن تناما
وقف الظامي على أبوابكمأفيقضي وهو لم يشف أواما
ما يبالي من سقيتن اللمىمنعكن الماء عنه والمداما
أشتكيكم وإلى من أشتكيشمل الداء فمن يبري السقاما
وقال في صدر أخرى:
ليتها إذ منعت ماعونهالم تكن ناهرة مسكينها
دمية ما اجتمع والشمس فيموطن إلا رأتها دونها
ما عليها إذ أطاعت حسنهايوم جمع لو أطاعت دينها
نسكت بين المصلى ومنىحجة لم تتبع مسنونها
تصف الظبية إلا عطفهالك والبانة إلا لينها
فأسالت أنفسا معجلةلم تشارف من كتاب حينها
أنبلتها وهي لا سهم لهاإنما ألحاظها يكفينها
سألت ظمياء من ذا فتنتأي قلب لم يكن فمتونها
يا ابنة المثنى عليهم بالندىوعهود حرموا تخوينها
ما لهم جادوا وأبخلت وماللمواثيق التي تلوينها
رمست عند عادات لهمكان حق المجد لو تحيينها
أزف النفر وفي أسرى الهوىكبد عند لا تفدينها
ذهبت هائمة فأطلعتعذرة تحسبها مجنونها
قضي الحج تماما ولناحاجة بعد نهل تقضينها
ما بك الصد ولكن وفرةلونتها نوب تلوينها
كالقطا مرَّ عليها قانصأخذ الكر وبقى جونها
وإنما آثرت إيراد هذا المقدار من رقائق مهيار لغرابة أسلوبه في طريقته وتفرده في مجازه وحقيقته, وعزة وجود ديوانه في هذا الزمن الذي وقف فيه الأدب على ثنية الوداع, وهم قبلي مزنه بالإقلاع والله المستعان.
ومن الغايات في باب الانسجام قول أبي عبد الله محمد بن نصر المعروف بابن القيسراني
بالسفح من نعمان ليقمر منازله القلوب
حملت تحيته الشمالفردها عني الجنوب
فرد الصفات غريبهاوالحسن في الدنيا غريب
لم أنس ليلة قال ليلما رأى جسدي يذوب
بالله قل لي من أعللك يافتى قلت الطبيب
وقول أبي بكر محمد بن الصائغ الأندلسي:
أسكان نعمان الأرك تيقنوابأنكم في ربع قلبي سكان
ودوموا على حفظ الوداد فطالمابلينا بأقوام إذا ائتمنوا خانوا
سلو الليل عني مذ تناءت دياركمهل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
وقول أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
ألا ساجل دموعي يا غماموطارحني يشجوك يا حمام
فقد وفيتها ستين حولاونادتني ورائي هل أمام
وكنت من الباناتي لبينىهناك ومن مراضعي المدام
يطالعنا الصباح ببطن حزوىفيعرفنا وينكرنا الظلام
وكان به البشام مراح أنسفيالله ما فعل البشام
فيا شرخ الشباب ألا لقاءيبل به على برح أوام
ويا ظل الشباب وكنت تندىعلى أوفياء دوحتك السلام
وقول أبي عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله البغدادي:
زار من أحيا بزورتهوالدجى في لون طرته
قمر يثني معاطفهبانة في طي بردته
بت أستجلي المدام علىغرة الواشي وغرته
يا لها من ليلة قصرتوأماتت طول جفوته
يا له من الحسن من صنمكلنا في جاهليته
وقول موفق الدين محمد بن يوسف الأربلي:
رب دار بالفضا طال بلاهاعكف الركب عليها فبكاها
درست إلا بقايا أسطرسمح الدهر بها ثم محاها
كان لي فيها زمان وانقضىفسقى الله زماني وسقاها
وقفت فيها الغوادي وقفةألصقت حر ثراها بحشاها
وبكت أطلالها نائبةعن جفوني أحسن الله جزاها
قل الجيران مواثيقهمكلما أحكمتها رثت قواها
كنت مشغوفا بكم إذ كنتم شجرا لا يبلغ الطير ذراها
لا تبيت الليل إلا حولهاحرس ترشح بالموت ظباها
وإذا مدت إلى أغصانهاكف جان قطعت دون جناها
فتراخى الأمر حتى أصبحتهملا يطمع فيها من يراها
تخصب الأرض فلا أقربهرائدا إلا إذا عز حماها
لا يراني الله أرعى روضةسهلة الأكناف من شاء رعاها
وإذا طمع أعرى بكمعرض اليأس لنفسي فثناها
فصبابات الهوى أولهاطمع النفس وهذا منتهاها
لا تظنوا لي إليكم رجعةكشف التجريب عن عيني عماها
وقول أبي الفتح محمد بن عبد الله المعروف بسبط بن التعاويدي:
قل للسحاب إذا مرتهـ يد الجنائب فارجحن
عج باللوى فاسمح بدمعك في المعاهد والدمن
يا منزل الأنس الجميعوملعب الحي الأغن
سكنت بك الآرام منبعد الأحبة السكن
أين استقلت بالحبيبركابه ومتى ظعن
شوقي إلى زمن الحمىسقي الغوادي من زمن
شوق المغرب شردتهـ يد البعاد عن الوطن
ولقد عهدتك والزمانلشملنا بك ما فطن
وثراك ما اغبرت مسارحه وماؤك ما أجن
وظباؤك الأتراب ليوطر وتربك لي وطن
لام العذول وما درىوجدي وبلبالي بمن
وجدي بمن فضح القضيب وأخجل الرشأ الأغن
ما ضر من هو فتنتيلو كان يرحم من فتن
دمعي طليق فيمحبته وقلبي مرتهن
يا منيتي أودى الصدود بعاشق بك ممتحن
غادرته وقفا على العبرات بعدك والحزن
كلف الفؤاد معذبابين الإقامة والظعن
عطفا على قرح الجفون بعيد عهد السوسن
لا تبخلي فالبخل يذهب بهجة الوجه الحسن
ولرب ليل بت فيهـ صريع باطية ودن
أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن
مع معطف لدن القوام إذا انثنى رخص البدن
وقوله في صدر أخرى:
سقاك سار من الوسمي هتانولا رقت للغوادي فيك أجفان
يا دار الهوى وأطرابي وملعب أترابي وللهو الأطراب أوطان
هل عائد لي ماض من جديد الهوىأبليته وشباب فيك فينان
إذ الرقيب لنا عين مساعدةوالكاشحون لنا في الحب أعوان
وإذ جميلة توليني الجميل وعند الغانيات وراء الحسن إحسان
ولي إلى الرمل من نحو الحمى طربواليوم لا الرمل يصبيني ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطرإذا بكى والأحباب قد بانوا
كانوا معاني المغاني والمنازل أموات إذا لم يكن فيهن سكان
لله كم قمرت لبي بجوك أقمار وكم غازلتني فيك غزلان
خال من الهم في خلخاله حرجفقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكي الجوى بارد من ثغره شبمويوقظ الوجد طرف منه وسنان
أن يمس ريان من ماء الشباب فليقلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركةمن أجلها قيل للأغماد أجفان
وقول أبي الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الواسطي:
هو الحمى ومعانيه ومغانيهفاحبس وعان بليلى ما تعانيه
لا تسأل الركب والحادي فما سأل العشاق قبلك من ركب وحاديه
ما في الصحاب أخو وجد تطارحهحديث نجد ولا صب تجاريه
إليك عن كل قلب في أماكنهساه وعن كل دمع في أماقيه
وقوله أيضاً من أخرى:
ردوا علي شوارد الأظعانما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكن بذاك الجزع من متمنعهزأت معاطفه بغصن البان
ألوى تلونه بأول موعدفمن الكفيل لنا بوعد ثاني
ومتى اللقاء ودونه من قومهأبناء معركة وأسد طعان
نقلوا الرماح وما أظن أكفهمخلقت لغير ذوابل المران
وتقلدوا بيض السيوف فما ترىفي الحي غير مهند وسنان
ولئن صددت فمن مراقبة العدىما الصد عن ملم ولا سلوان
يا ساكني نعمان أين زماننابطويلع يا ساكني نعمان
وقول أبي الحسن علي بن محمد بن بسام المعروف بالبسامي الشاعر:
لله أيام الشباب ولهوهلو أن أيام الشباب تباع
فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوىما فيك بعد مشيبك استمتاع
وقول أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصردر من قصيدة:
نسائل عن ثمامات بحزوىوبان الرمل يعلم ما عنينا
فقد كشف الغطاء فما نباليأصرحنا بذكرك أم كنينا
ولو أني أنادي يا سليمىلقالوا ما عنيت سوى لبينى
وقول الأمير ناصر الدين محمد وهو من المرقص:
قلب المتيم كاد أن يتفتتافإلى متى هذا الصدود إلى متى
يا معرضين عن المشوق تلفتوافعوائد الغزلان أن تتلفتا
كنا وكنتم والزمان مساعدلله ذاك الشمل كيف تشتتا
صد وبعد واشتياق دائمما كل هذا الحال يحمله الفتى
وعدوا من الانسجام المرقص أيضاً قول ابن الدباغ:
يا رب أن قدرته لمقبلغيري فللمسواك أو للأكؤس
ولئن قضيت لنا بصحبة ثالثيا رب فلتك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقبيا رب فلتك من عيون النرجس
وذيل عليها الشيخ عبد الرحمن الخياري من أهل العصر فقال:
ولئن قضيت لجسمه بملامسيا رب فليك من سني الأطلس
وذيل عليه آخر فقال:
ولئن قضيت لنا بصوت مطربفمن الحمائم في الليالي الحندس
وذيلت عليه أنا فقلت:
ولئن قضيت لنا بشرب مدامةيا رب فلتك من لماه الألعس
وقول أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الدمشقي:
يا نسيم الصبا الولوع بوجديحبذا أنت إن مررت بنجد
أجر ذكري نعمت وأنعمت غراميبالحمى ولتكن يدا لك عندي
ولقد رابني شذاك فبالله متى عهد بأطلال هند
إن يكن عرفها امتطاك إلينافلقد زرتنا بأسعد سعد
يا خليلي خلياني وهميأنا أولاكما بغيي ورشدي
لو أمنت الملام والذم ما اخترت وقوفي على المنازل وحدي
ولقد أصحب المراح إلى اللذات ملقى الوشاح أسحب بردي
بين دعج من الظباء ونعجولدان من الحسان ملد
في زمان من الشبيبة مصقول وعيش من البطالة رغد
وقوله في صدر أخرى وهي من مشهور شعره:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبهفقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنهمتى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتمامحل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق ذو الهوىيتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائهوشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوىمتى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحةتضمن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرضوفي القلب من أعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنهحذارا وخوفا أن تكون لحبه
وقد طويت كشحا عن إيراد ما لكثير من المتأخرين, كالبلهاء زهير, والحاجري وابن الفارض, وابن النبيه, والتلعفري وابن نباته, والصفي الجلي, والتلمساني وابن الجهني وأمثالهم, وما ذلك إلا لاشتهار دواوينهم, وتداول أشعارهم.
فلنذكر طرفا مما وقع لأهل العصر في هذا الباب, ونمتع بلذتها الأسماع والألباب, فإن لكل جديد لذة, خصوصاً إذا كان من النوادر الفذة.
فمن ذلك قول الشيخ العلامة بهاء الدين محمد بن حسين العاملي:
خلياني بلوعتي وغرامييا خليلي واذهبا بسلام
قد دعاني الهوى فلباه لبيفدعاني ولا تطيلا ملامي
خامرت خمرة المحبة عقليوجرت في مفاصلي وعظامي
أيها السائر الملح إذا ماجئت نجدا فعج بوادي الخزام
وتجاوز عن ذي المجاز وعرجعادلا عن يمين ذاك المقام
وإذا ما بلغت حزوى فبلغجيرة الحي يا أخي سلامي
وأنشدن قلبي المعنى لديهمفلقد ضاع بين تلك الخيام
وإذا ما رثوا لحالي فسلهمأن يمنوا ولو بطيف منام
يا نزولا بذي الأرك إلى كمتنقضي في فراقكم أعوامي
ما سرت نسمة ولا ناح في الدوح حمام إلا وحان حمامي
أين أيامنا بشرقي نجديا رعاها الإله من أيام
حيث غصن الشباب غض وروض العيش قد طرزته أيدي الغمام
وزماني مساعد وأيادي اللهو نحو المنى تجر زمامي
ومن المرقص قول الأديب حسين جلبي بن الجزري الشامي:
اغمدا شبا مرهفك الباتربالسيف لا حاجة للساحر
لحظك أمضى منه فينا شبما أقتل الفاتك بالفاتر
يا قمرا أشرق من فرعهالزاهي على غصن نقا زاهر
أهديت لي السهد وفرط البكاأمرك محمول على الناظر
ويا غزالا آنسا نافراما عهدنا بالآنس النافر
لا تقس قلبا وتلن جانبافهذه من شيم الغادر
ولا تطع واشيك في عذلهفالعذل لا يؤخذ من جائر
كم ليلة سامرت فيه السهاشوقا إلى لقياك يا هاجري
لا سامح الله ليالي الهوىفإنها أظلم من كافر
أهيم أن هبت نسيم الصباوليل من هام بلا آخر
تقصر للراقد في هجعةوطالما طالت على الساهر
وقول أبي الطيب بدر الدين رضي الدين الغزي العامري الشامي:
هات اسقني حلب العصير ولا سوىزهر النجوم تجاه زهر المجلس
أنظر إليه كأنه متبرممما تغازله عيون النرجس
وكأن صفحة خده ياقوتهوكأن عارضه خميلة سندس
وقول الخفاجي:
أتظن الورق في الأيك تغنيإنما تضمر حزنا مثل حزني
لا أراك الله نجدا بعدهاأيها الحادي بها إن لم تجبني
هل تباريني إلى بث الجوىفي دياري الحي نشوى ذات غصن
هب لها السيبق ولكن زادناأننا نبكي عليها وتغني
يا أهيل الخيف هل من عودةيسمح الدهر بها من بعد ضن
أرضينا بثنيات اللوىعن زرود يا لها صفقة غبن
سل أراك الجزع هل مرت بهمزنة روت ثراه غير جفني
وأحاديث الغضا هل علمتأنها تملك قلبي قبل أذني
وقول الشيخ الأديب الأريب عبد العلي بن ناصر بن رحمة الحويزي:
لمن العيس عشيا تترامىتركتها شقق البين سهاما
كلما برقعها نشر الصبالبست من أحمر الدمع لثاما
وترامت خضعا أعناقهاكلما هز لها البرق حساما
شفها جذب براها للحمىوهي تثني لربا نجد زماما
وتلقيها حديثا حاملاعن ثرى وجرة أنفاس الخزامى
ما على من حملت لو وقفواساعة نشرح وجدا وغراما
ومن الجهل ارتجائي يقظةأربا لا أترجاه مناما
يا بني عذرة هل من آخذبدمي المسفوك من حل الخياما
قمرا لو لم ير البدر دجىما حوى البدر كمالا وتماما
غادرا لم يرع مني نسبادون أن يحفظ عهدا وذماما
نسبا أيسره أن الحشامثل خديه لهيبا واضطراما
ولجسمي من بقايا حبهشبه الطرف فتورا وسقاما
يا نديمي دعا خمريكماأن أراق الحب من فيه مداما
وانثني يا قضيب البان إذارنحت سكرى اللمى ذاك القواما
وانس يا روض أقاحيك بها فلقد لاح لنا الثغر ابتساما
أيها الظاعن عن عيني وفيمهجتي بوء ربعا ومقاما
عاقب الله بأدهى صصمأذني إن سمعت فيك ملاما
وقوله أيضاً في صدر أخرى:
لمع البرق في أكف السقاةوبدا الصبح من سنى الكاسات
فالبدار البدار حي على الراح وهبوا لأكمل اللذات
نار موسى بدت فأين كليم الذات يمحو بها حجاب الصفات
صاح ديك الصباح يا صاح بالراح فوات الأفراح قبل الفوات
واصطحباه اصطباح من راح لا يفرق بين الشموس والذرات
تلق فيها العقول منتقشاتكانتقاش الأشخاص في المرآة
فهي الشربة التي عثر الخضر عليها في عين ماء الحياة
وتقصى الإسكندر البحث عنهافعداها وتاه في الظلمات
سكنت حظائر القدس حاناجل عن أن يقاس بالحانات
نور حق بنفسه قام ما أحتاج إلى كوة ولا مشكاة
قبس أشعلته أيدي التجليفأضاءت به جميع الجهات
حجبت بالزجاج وهي عيانكاحتجاب البدور بالهلات
يا نديمي اجل لي عرائس سربغواشي الكؤوس محتجبات
هات راحي وناد خذها فإنيلست أنسى يوم اللقا خذ وهات
فلقد هد ركن نحسي لماسعدت بالحبيب كل جهاتي
يا سقاتي لا تصرفوا الصرف عنيفحياتي في رشفها يا سقاتي
هي شهد الشهود بل راحة الأرواح بل حسن طلعة الحسنات
غير بدع ممن حساها إذا ارتاح وقال الوجود بعض هباتي
قام زين العباد من شربها قطبا عليه دارت رحى البينات
وخطت بالجنيد لجة بدرغرقت فيه أكثر الكائنات
ورزت بالحسين حتى ترقىفأن المحق أرفع الدرجات
اسمعتنا من شيخ بسطام ما أعظم شاني بالنفي والإثبات
وقصارى خلع العذار بهل نيل مقام يقاوم المعجزات
ومن الانسجام المرقص قول شيخي العلامة المحقق, محمد بن علي بن محمود الشامي العاملي قدس الله روحه, وجعل من الرضوان غبوقه وصبوحه, وهو أستاذي الذي أخذت عنه في بدء حالي, وأنضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي, واشتغلت عليه فاشتغل بي, وكان دأبه تهذيب أدبي ووهبني من فضله مالا يضيع, وحنا علي حنو الظئر على الرضيع, حتى شحذ من طبعي مرهفا, وبرى من نبعي مثقفا, وكان قطب الفضل الذي عليه مداره, وإليه إيراده وإصداره. وأما الأدب فهو مناره السامي, وملتزم كعبته وركنه الشامي, ينشر منه ما هو أذكى من النشر في أثناء النواسم, بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم, ونظمه أبهى من نظيم الدر الباهر, وألذ من الغمض في مقلة الساهر. إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها, أو الجزالة فهو سفح عقيقها, أو الانسجام فهو غيثه الصيب, أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب.
وقوله المشار إليه وهو:
أنت يا شغل المحب الواجدقبلة الداعي ووجه المقاصد
فت آرام الفلا حسنا فماقابلت إلا بطرف جامد
شأن قلبينا إذا صح الهوىيا حياتي شأن قلب واحد
أكثر الواشون فينا قولهمما علينا من مقال الحاسد
لست أصغي لا راجيف العدامن يغالي في المتاع الكاسد
وقوله أيضاً:
يا خليلي دعاني والهوىأنني عبد الهوى لو تعلمان
عرجا نقضي لبانات الهوىفي ربوع أقفرت منذ زمان
مربع أولع عيني بالبكاأمر العين به ثم نهاني
وقصارى الخل وجد وبكافأبكياني قبل أن لا تبكياني
يا عريبا منحناهم أضلعيوغضاهم نار شوق في جناني
إن قلبا أنتم سكانهضاع مني بين شعب والقنان
وقوله أيضاً من قصيدة:
باجتلاء المدام والأقداحوبمرآة وجهك الوضاح
لا تذرني على مرارة عيشيأكل واش ولا فريسة لاح
صاح كلني إلى المدام ودعينوالليالي تجول جول القداح
لا تخف جور حادثات الليالينحن في ذمة الظبا والرماح
صاح إن الزمان أقص عمرامن بكاء في دمنة ونواح
رق عنا ملاحف الجو فاسمحبرقيق من طبعك المرتاح
يا مليك الملاح إن زماناأنت فيه زمان روح وراح
طاب وقت المدام فاشرب عساهيا صاحبي يطيب وقت الصباح
واسقنيها سقيت في فلق الفجر على نغمة الطيور الفصاح
لا تؤآخذ جفونه بفؤادييا إلهي كلاهما غير صاح
وقوله:
ما أنس ولا أنس خيالا سرىيسترشد الشوق إلى مضجعي
حسبت بدر التم قد زارنيفبت لا أقفو سوى المطلع
أسأل عنه الشوق لا يرعويوأنشد البين به لو يعي
آليت والدار لها حرمةلا أسأل الدار وصبري معي
كأن دمي حجراً على حاجرفلم أباحته مها الاجرع
علالة كان وقوفي بهاأبغي شفا القلب من الموجع
وقوله من أخرى:
نسخت سحر بابل مقلتاهفتنب في فترة الأجفان
في ربوع كأنهن جنانعطفت حورها على الولدان
ورياض كأنهن سماء أطلعت أنجما من الأقحوان
بين ورق كأنهن نشاوىيترقصن عن قدود الغواني
وأقاح كأنهن ثغوريتبسمن في وجوه الجنان
ونسيم الصبا يصح ويعتل على برده وحر جناني
كلما غنت البلابل فيهارقص الدمع بالبكا أجفاني
عطفتني على الرياض قدودخلعت لينها على الأغصان
يتلقاني الاقاح بنشرغصون النقا علي حوان
قل لعتب وما أظن نوالاعند عتب لواجد أسيان
أين قلبي لا أين إلا طلولاأذهبتها الرياح منذ زمان
أذكرتني معاهدا وربوعاكاد يدمى لذكرهن بناني
حيث غصني من الشباب رطيبوعيون المها إلي رواني
أطرد النوم عن جفون نشاوىبحديث أرق من جثماني
وقواف لو ساعد الجد نيطتموضع الدر من رقاب الغواني
سائرات بيوتهن على الألسن سير الأمثال في البلدان
قصد كالفرند في صفحاتالدهر أو كالشنوف في الآذان
عاصيات على الطباع ذلوليتغنى بهن في الركبان
ساقطت والنوى يطل علينامن عيون المها حصى المرجان
أنظر أيها المتأمل إلى انسجام هذا الكلام, وشرف هذا النظام, لتعلم مصداق (كم ترك الأول للآخر) ويقف العقل حسير دون لج الفيض الزاخر.
ومن ذلك قوله أيضاً:
لثموا موشى العصب فوق بدوروتنقبوا بالنور فوق النور
وفروا جلابيب الظلام ودونهمسوران سور قنا وسور خدور
يزجون مهزوز القوام إذا مشىجالت عليه مناطق الزنبور
نشوان من خمر الشبا وحى بهسكران سكر صبا وسكر غرور
لاطفته سحرا فبرقعه الحيابالورد فوق صفائح البلور
هل ركبوا الخيلان وجناتهأم فتتوا مسكا على كافور
قمر يفور النور من أطواقهفكأنها فوارة للنور
أو غادة نظرت بعيني شادنوتلفتت عن ناظري مذعور
قال وقد عجبت لشيب مفارقيهذا البياض قذى عيون الحور
فأجبتها والبين يخلج صدرهاإن المشيب جلا صدا المأثور
لله ليلتنا وقد لف الهوىمنا قواما ذابلا بنضير
حيت فأحيت بالمدام معاشراحضروا وما ألبابهم بحضور
في حبهم صرعى وما حضروا وغىنشوى وما مزجوا الهوى بخمور
أنظر إلى الورد الجني كأنهمتبرم من رنة الشحرور
والنرجس الغض الشهي كأنهيرنو إليه عن عيون غيور
في روضة لعب الصبا بغصونهالعب الصبا بمعاطف وخصور
أصبا الأصايل لا كبت بك عثرةكم عقبة لك في جيوب الحور
لله درك إن مررت على اللوىحلي عري جيب الحيا المزرور
وقوله أيضاً من أخرى:
ليت التي بعثت إلي خيالهاأذنت لعيني أن تذوق كراها
ما انسها لا انس ليلة أقبلتوالدل يمزج سخطها برضاها
فالدعص ما عقدت عليه إزارهاوالغصن ما زرت عليه قباها
ولرب نفس مثل نفسي حرةضربت عليها النائبات خباها
تالله لولا أن يعنفني الهوىلا صاب بعدهم الأساة دواها
جلبت إلى الشامي أسباب الردىلو أنها في كفه لرماها
وقوله أيضاً:
على رسلك يا صاحفما أنت وأتراحي
وما شأنك والواشيوما خطبك والملاحي
فهب قلبك للساقيوهب عقلك للراح
وخذ أهبة مشتاقوثب وثبة مرتاح
فمن عالم أشباحإلى عالم أرواح
وقوله من أبيات:
بعث طيفها إلي وأخرى الشوق في قلبها وأولاه عندي
ثم قالت لتربها ليت شعريكيف حال الشامي يا مي بعدي
إن بي فوق ما به من هواهغير أني أخفي هواه ويبدي
ما درت أنني وإن طال وجديفي هواها نسيج وحدي وحدي
وقوله أيضاً:
إذا أبصرت شخصك قلت بدريلوح وأنت إنسان العيون
جرى ماء الحياة بفيك حتىأمنت عليك من ريب المنون
وقوله من قصيدة, وهو من إحسانه المشهور:
وقد جعلت نفسي تحن إلى الهوىحلا فيه عيش من بثينة أو مرا
وأرسلت قلبي نحو تيماء رائدالي الخفرات البيض والشدن العفرا
تعرف منها كل لمياء خاذلهي الريم لولا أن في طرفها فترا
من الظبيات الرود لو أن حسنهايكلمها أبدت على حسنها كبرا
وآخر أن عرفته الشوق راعنيبصد كأني قد أبنت لو وترا
أناشد فيه البدر والبدر غائروأسأل عنه الريم وهو به مغرى
فما ركب البيداء لو لم يكن رشاولا صدع الديجور لو لم يكن بدرا
لحاظ كأن السحر فيها علامةتعلم هاروت الكهانة والسحرا
وقد هو الغصن الرطيب كأنماكسته تلابيب الصبا ورقا نضرا
رتقت على الواشين فيه مسامعاطريق الردى منها إلى كبدي وعرا
أعاذلتي واللوم لؤم ألم تريكأن بها عن كلا لائمة وقرا
بفيك الثرى ما أنت والنصح إنمارأيت بعينيك الخيانة والغدرا
وما للصبا يا ويح نفسي من الصباتبيت تناجي طول ليلتها البدرا
تطارحه القول حق وباطلأحاديث لا تبقي لمستودع سرا
وتلقي على النمام فضل ردائهافيعرف للأشواق في طيها نشرا
تعانقها خوف النوى ثم تنثنيتمزق من غيظ على قدك الأزرا
ألما ترى بأن النقا كيف هذهتميل بعطفيها حنوا على الأخرى
وكيف وشى غصن إلى غصن هوىوأبدى فنونا من خيانته تترى
فمن غصن يومي إلى غصن هوىومن رشأ يوحي إلى رشأ ذكرى
هما عذلاني في الهوى غير أننيعذرت الصبا لو تقبلين لها عذرا
هبيها فدتك النفس راحت تسرهإليه فقد أبدته وهي به سكرى
على أنها لو شايعت كثب النقاوريح الخزامى إنما حملت عطرا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع