من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الإغراق
, بل إلى الغلو, لأن ذلك مستحيل عقلا وعادة.
الإغراق
لو أنه رام إغراق العداة لهلأصبح البر بحرا غير مقتحم
الإغراق هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الإمكان عقلا, والاستحالة عادة.
كقول عمرو بن الأيهم:
ونكرم جارنا ما دام فيناونتبعه الكرامة حيث مالا
فإنه أدعى أن جاره لا يميل عنه إلى وجهة إلا وهو يتبعه الكرامة. وهذا عقلا, مستحيل عادة.
ومنه قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلهابيثرب أدنى دارها نظر عال
فإن أذرعات الشام, ويثرب مدينة النبي ﵌, ورؤية النار من بعد هذه المسافة - إذا لم يكن ثم حائل من جبل ونحوه - لعظم جرمها لا يمتنع عقلا ويمتنع عادة. هذا أن فسر قوله (تنورتها) بمعنى نظرت إلى نارها حقيقة, وأما أن فسر بمعنى توهمت نارها, وتخيلتها في فكري, لم يكن فيه إغراق.
وقول أبي الطيب المتنبي:
روح تردد في مثل الخلال إذاأطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا أنني رجلالولا مخاطبتي إياك لم ترني
فدعوى نحول الشخص حتى يصير مثل الخلال, ولا يستدل عليه إلا بالكلام, أمر ممكن عقلا, إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى, بخلاف الصوت, ولكن ذلك ممتنع عادة.
وقد تفنن الشعراء في المبالغة في النحول, فمن ذلك قول الآخر:
ها فانظروني سقيما بعد فرقتكملو لم أقل ها أنا للناس لم أبن
لو أن إبرة رفاء أكلفهاجريت في ثقبها من دقة البدن
والبيت الثاني من الغلو.
وما أحلى وألطف قول الشيخ عمر بن الفارض:
كأني هلال الشك لولا تأوهيخفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
وقول نصر السفاقسي والبيت الأول من الغلو, والثاني من الإغراق:
أذابه الحب لو تمثلهبالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركهلم يدره بعيان من يكلمه
وقول بعضهم:
قد سمعتم أنينه من بعيدفاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
وقول الآخر مع بديع التلميح, وهو ممدود من محاسن شواهد هذا النوع:
فلو أن ما بي من جوى وصبابةعلى جمل لم يبق في الناس كافر
يريد أنه لو كان ما به من الحب على جمل لنحل حتى يلج في سم الخياط فيخرج الكفار من النار, لأنه تعالى قال (ولا يدخلون الجنة حتى يلح الجمل في سم الخياط) فلمح إلى الآية بناء على ظاهرها, وإلا فالمراد بها التأبيد. قالوا: ونحول الجمل حتى يدخل في سم الخياط غير مستحيل عقلا, إذ القدرة صالحة لذلك, لكنه ممتنع عادة.
ومنه قول النظام:
توهمه طرفي فآلم خدهفصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفهفمن صفح كفي في أنامله عقر
ومر بذكري خاطرا فجرجتهولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
يقال: أن الجاحظ لما بلغته هذه الأبيات قال: هذا لا ينبغي أن يناك إلا بأير من الوهم.
وفي معنى البيت الأول قول الآخر:
وإذا توهم أن يراها ناظريترك التوهم وجهها مكلوما
ومن الإغراق في المدح قول (الحسين) بن مطير:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤسويوم نعيم فيه للناس انعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندىويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفهعن الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفهلبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
وقال إعرابي في النحول أيضاً:
ولو أن ما أبقيت مني معلقبعوم ثمام ما تأود عودها
وقال المجنون في ذلك:
إلا إنما غادرت يا أم مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
وقال بشار بن برد:
في حلتي جسم فتى ناحللو هبت الريح به طاحا
حدث علي بن الصباح على بعض الكوفيين قال: مررت ببشار وهو منبطح في دهليزه كأنه جاموس, فقلت له: يا أبا معاذ من الذي يقول (في حلتي جسم فتى ناحل) البيت؟ قال: أنا, فقلت: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لا أرى أن الله لو بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك. فقال بشار من أين؟ قلت من أهل الكوفة, فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.
وقال أحمد بن عبد ربه:
سبيل الحب أوله اغتراروآخره هموم وادّكار
وتلقى العاشقين لهم جسومبراها الشوق لو نفخوا لطاروا
ومنه قول ربيعة الرقية للعباس بن محمد:
إن المكارم لم تزل معقولةحتى حللت براحتيك عقالها
العود يرطب إن مسست لحاءهوالأرض تعشب أن وطئت رمالها
وقول ابن الرومي:
أيامنا غدوات كلها بكمخلالهن ليال مثل أسحار
لكم خلائق لو تحظى السماء بهالما ألاحت نجوما غير أقمار
وقوله أيضاً:
تغنون عن كل تقريظ بفضلكمغنى الظباء عن التكحيل بالكحل
تلوح في دولة الإسلام دولتكمكأنها ملة الإسلام في الملل
وقول أبي تمام من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الطاهر:
فنول حتى لم يجد من ينيلهوحارب حتى لم يجد من يحاربه
وقوله في قصيدة المأمون:
الله أكبر جاء أكبر من جرتفتحيرت في كنه الأوهام
من لا يحيط الواصفون بقدرهحتى يقولوا قدره إلهام
من شرد الإعدام عن أوطانهبالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهمحتى وددنا أننا أيتام
وقوله من أخرى في المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنهثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله
وقول الشريف الرضي في النسيب:
ولو نفضت تلك الثنيات بردهاعلى الصبر الممرور كان يطيب
وقول أن نباته السعدي في فرس:
لا تعلق الألحاظ في أعطافهإلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول النظام في معنى ما تقدم له آنفا:
ظبي بدا يأنس الأنسيجرح اللحظ وباللمس
تحار عين الشمس في وجههكما تحار العين في الشمس
لو صاح بالميت على غفلةأجابه الميت من الرمس
ويقال: أن أبا العتاهية قال: أنشدت النظام: أأأههخثقهخعقهيبتنيمبتلنميبتلنميبإذا هم النديم له بلحظ=تمشت في محاسنه الكلوم فقال ينبغي أن ينادم هذا أعمى.
وقد استعمل النظام هذا المعنى في شعره كثيرا, فمنه ما تقدم, ومنه قوله أيضا:
رق فلو بزت سراويلهعلق بالجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكرارهويشتكي الإيماء بالطرف
وسيأتي في نوع الغلو ما هو قريب من هذا المعنى, لكنه أكثر مبالغة.
ودون هذا الإغراق قول بعضهم:
لو خليت لمشت نحوي على قدمتكاد من رقة للمشي تنفطر
وهذا البيت من جملة أبيات لها حكاية لطيفة وهي, ما روي أن سليمان بن عبد الملك كان في بادية يسمر على ظهر سطح, ثم تفرق عنه جلساؤه, فدعا بضوء, فجاءته جارية به, فبينا هي تصب على يديه قطعت الصب, فأشار إليها بيديه مرارا فلم تصب عليه, فأنكر ذلك, ورفع رأسه, وإذا هي مصغية إلى ناحية العسكر.
وإذا صوت رجل يغني بأبيات وهي:
محجوبة سمعت صوتي فأرقهافي آخر الليل لما ظلها السحر
تثني على جيدها ثنتي معصفرةوالحلي منها على لبانها خصر
في ليلة النصف لا يدري مضاجعهاأوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدمتكاد من رقة للمشي تنفطر
وكأن غيورا فأمر بإخصاء المغنين.
والشعر في نوع الإغراق كثير, وفي هذا المقدار كفاية إنشاء الله تعالى.
وتبين بهذه الأمثلة المذكور سقوط ابن حجة: إن الإغراق لا يعد من المحاسن إلا إذا أقترن بما يقربه إلى القبول, كقد: للاحتمال, ولولا: للامتناع, وكاد: للمقاربة, ونحو ذلك. انتهى. فإن الأمثلة المذكورة ما خلي عن ذلك, وهو في غاية الحسن, فلا عبرة بقوله.
وبيت البديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
في معرك لا تثير الخيل عثيرهمما تروي المواضي تربه بدم
هذا البيت عامر بالمحاسن, والإغراق فيه ظاهر لإمكان معناه عقلا, واستحالة عادة.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله في النبي ﵌:
لو قابل الشهب ليلا في مطالعهاخرت حياء وأبدت بر محترم
هذا البيت لكونه في مدح سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين كأن معناه ممكنا عقلا, ولو كان معناه ممكنا عقلا, ولو كان في مدح غيره لكان من باب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع