من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الانسجام
أوصافه انسجمت للذاكرين لهافي هل أتى في سبا في نون والقلم
الانسجام في اللغة: الانصباب, وفي الاصطلاح أن يكون الكلام عذب الألفاظ, سهل التركيب؛ حسن السبك, خالياً من التكلف والعقادة؛ يكاد يسيل من رقته؛ وينحدر انحدار الماء في انسجامه, لا يتكلف فيه بشيء من أنواع البديع إلا ما جاء عفواً من غير قصد. وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت فقراته موزونة من غير قصد, كما وقع في كثير من آيات القرآن العظيم, حتى وقع فيه من جميع البحور المشهورة أبيات, وأشطار أبيات.
فمن بحر الطويل, من صحيحه "فمن شاء فليؤممن ومن شاء فليكفر".
ومن مخرومه ويسمى الأثلم "منها خلقناكم وفيها نعيدكم".
ومن بحر المديد "واصنع الفلك بأعيننا" وتفعليه: فاعلاتن فعلن فعلن.
وغلط ابن حجة في قوله: إنه من العروض الثانية المحذوفة من المديد. بل هو من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة, لأن العروض الثانية المحذوفة لها ثلاثة أضرب, وكل منها وزن العرض فيه فاعلن, والعروض في الآية وزنه فعلن كما رأيت في تفعيله, لا فاعلن؛ وغلط في التمثيل لذلك أيضاً بقول الشاعر:
اعلموا إني لكم حافظشاهداً ما كنت أو غائبا
لأن هذا شاهد الضرب الثاني من العروض الثانية المحذوفة, وقد علمت أن وزن الآية ليس من هذا العروض, وهذا يدلك على أن ابن حجة كان راجلاً في هذا العلم أيضاً. وأعجب من ذلك أنه لم يدرك بسليقته أن وزن البيت زائد على وزن الآية.
ومن بحر البسيط "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ومثله "فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم".
ومن بحر الوافر وهو بيت تام: "ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنينا" ومنه "ويعلم ما جرحتم بالنهار".
ومن بحر الكامل من مخرومه "سيعملون غداً من الكذب". ومنه "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
ومن بحر الهزج "تا لله لقد آثرك الله علينا". ومثله "ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً".
ومن بحر الرجز "دانيةً عليهم ظلالها وذلِلت قطوفها تذليلاً". ومنه "فعميت عليهم الأنباء".
ومن بحر الرمل "قتل الإنسان ما أكفره". ومنه "بدت البغضاء من أفواههم". ومن مجزوه "وجفان كالجواب وقدور راسيات". ونظيره "أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم". ومثله "ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك".
ومن بحر السريع "واصبر وما صبرك إلا بالله". ومثله "ألا إلى الله تصير الأمور". ومثله "ذلك تقدير العزيز العليم" ومنه "أو كالذي مرّ على قريةٍ".
ومن بحر المنسرح "إنا خلقنا الإنسان من نطفة" وتفعليه: مستفعلن مفعولات مستفعلن.
ومن بحر الخفيف "ربنا إننا إليك أنبنا". ومنه "لا يكادون يفقهون حديثا". ومنه "قال يا قوم هؤلاء بناتي".
ومن بحر المضارع من مخرومه "يوم التناد. يوم تولون مدبرينا". وتفعيله: مفعول فاعلات مفاعيل فاعلاتن.
ومن بحر المقتضب "في قلوبهن مرض". وتفعليه: فاعلات مفتعلن.
ومن بحر المجتث "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم".
ومن بحر المتقارب "ولا تبخسوا الناس أشياءهم".
ومنه "وأملي لهم إن كيدي متين".
ومن بحر المتدارك "أم تأمرهم أحلامهم" وتفعليه: فعلن فعلن فعلن فعلن. وهذا البحر لم يذكره الجليل, واستدركه الأخفش والمحدثون فسمي متداركاً, ومحدثا, ومخترعا؛ ويسميه أهل الأندلس مشي البريد.
ومن بحر الدوبيت وهو المسمى عند العجم الرباعي, والترانة, وهو بحر مخترع مستحدث لطيف "إن كان الله يريد أن يغويكم" ومثله "ما كان عليهم من سلطان". وقد أكثر المتأخرون من العرب والعجم من النظم على هذا البحر لعذوبته, وسلاسته. وزعم بعضهم أنه مأخوذ من الكامل بطريقة متكلفة, وبعضهم أوصل أوزانه إلى عشرة آلاف.
ومن بحر المواليا وهو مشهور عند المتأخرين, واصله من البسيط "والطير محشورة كل له أواب". ومنه "لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا".
وسبب تسميته بالمواليا, ما يحكى من أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر, فرثته جارية له بهذا الوزن, حيث لم يكن من الشعر المعروف, وهي تندب وتقول: يا مواليا, فسمي بذلك.
ويقال: أن أول بيت قالته في هذا الوزن هذا البيت:
يا دار أين ملوك الأرض أين الفرسأين الذي قد حموك بالقنا والترس
قالت تراهم رمم تحت الأراضي درسسكوت بعد فصاحة السنتهم خرس
ويستعذب في هذا الوزن اللحن, وكونه ملحوناً أحسن من كونه معرباً.
وإذا تأملت اشتمال القرآن العظيم على جميع أوزان هذه البحور المذكورة, بل وعلى غيرها مما لم نذكره علمت أن ذلك كله مندرج تحت قوله - علت كلمته وعظمت قدرته - "ما فرطنا في الكتاب من شيء". سبحانه "لا إله إلا هو إليه المصير".
ومن النثر المسجم الذي جاء موزوناً من غير قصد لقوة الانسجام, قوله ﵌:
أنا النبي لا كذبأنا عبد المطلب
قيل: وقوله أيضاً صلى لله عليه وآله وسلم,_
هل أنت إلا إصبع دميتوفي سبيل الله ما لقيت
والصواب ما ذكره الجلال السيوطي, قال: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر, حدثني محمد بن عبد الله, عن الزهري؛ عن عروة, قال: خرج سلمة بن هشام, وعياش بن ربيعة, والوليد بن الوليد مهاجرين إلى رسول الله ﵌, فطلبهم ناس من قريش ليردوهم فلم يقدروا عليهم.
فلما كانوا بظهر الحرة قطعت إصبع الوليد بن الوليد فقال:
هل أنت إلا إصبع دميتوفي سبيل الله ما لقيت
فدخل المدينة فمات بها. انتهى.
وعلى هذا فيحتمل أن الوليد قصد بذلك الشعر, فلا يكون مما نحن فيه.
ومنه قول إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور فيما كتبه عن الخليفة إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم: أما بعدد فإن لأمير المؤمنين أناة, فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً, فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. فإن هذا النثر مع وجازته وإبداعه في غاية الانسجام.
وينشأ منه بيت يشعر وهو:
أناة فان لم تغن عقب بعدهاوعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
وأما الانسجام في النظم فأمر يضيق عن الإحاطة به نطاق الحصر والإحصاء, ويقصر دون منال جله - فضلاً عن كله - باع الضبط والاستقصاء, غير أنا نورد منه هنا نبذاً مستطرفة, وقطعاً من رياض محاسن الشعر مقتطفة, ونبتدئ فيه من شعراء الجاهلية إلى شعراء أهل العصر.
فمنه قول امرئ القيس في معلقته:
تسلمت عمايات الرجال علن الصباوليس فؤادي عن هواك بمنسل
ومنها:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدللوإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتليوأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقوله من أخرى:
وظلت في دمن الديار كأننينشوان باكره صبوح مدام
هذا البيت لو مزج بأرق شعر لمهيار الديلمي أو من هو في طبقته لامتزج امتزاج الراح بالماء القراح.
ومثله قوله أيضاً:
حلت لي الخمر وكنت امرءاًعن شربها في شغل شاغل
وقوله:
وكل مكارم الأخلاق صارتإليه همتي وبه اكتسابي
فقد طوفت في الآفاق حتىرضيت من الغنيمة بالإياب
وقوله:
ولو أنني أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
هذا ما وقع عليه الاختيار من ديوانه في هذا النوع من غير استقصاء له.
ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
فما كان من خير أتوه فإنماتوارثه آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجهوتغرس إلا في منابتها النحل
وقوله أيضاً:
قوم سنان أبوهم حيث تسبهمطابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم بأخلاقهم أو مجدهم قعدوا
وقوله أيضاً:
لعمرك والخطوب مغيراتوفي طول المعاشرة التقالي
لقد باليت مظعن أم أو فيولكن أوفى لا تبالي
وقوله:
قد جعل المبتغون الخير من هرموالسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوماً على علاته هرمايليق السماحة منه الندى خلقا
وفي معلقته أبيات تدخل في هذا الباب تقدم ذكرها في نوع المثل.
ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي:
لا يبلغ الباني ولورفع الدعائم ما بيننا
كم من رئيس قد قتلناه وضيم قد أبينا
إنا لعمرك ما يضام حليفنا أبداً لدينا
وأوانس مثل الدمىحور العيون قد استبيان
وقوله في مطلع قصيدة: طاف الخيال علينا ليلة الوادي=من أم عمرو ولم يلمم بميعاد ومنها:
اذهب إليك فإني من بني أسدأهل القباب وأهل الجود والنادى
الخير يبقى وإن طال الزمان بهوالشر أخبث ما أوعيت من زاد
وقوله من مجمهرته التي كان يخطب بها في الجاهلية:
وكل ذي غيبة يؤوبوغائب الموت لا يؤوب
ساعد بأرض تكون فيهاولا تقل إنني غريب
من يسأل الناس يحرموهوسائل الله لا يخيب
ومنه قول عنترة بن شداد العبسي من معلقته:
وإذا شربت فإنني مستهلكما لي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىوكما علمت شمائلي وتكرمي
وقوله أيضاً من أخرى:
أمن سمية دمع العين مذروفلو أن ذا منك قبل اليوم معروف
كأنها يوم صدت ما تكلمنيظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
العبد عبدكم والمال مالكمفهل عذابك عني اليوم مصروف
وهذه الأبيات مع بديع انسجامها, فيها من أنواع البديع لزوم مالا يلزم, وقد جاء فيها عفواً من غير قصد.
وقوله وقد لامته أمه على لقاء الحروب:
بكرت تخوفني الحتوف كأننيأصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها أن المنية منهللابد أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبالك وأعلميأني امرؤ سأموت أن لم أقتل
عن ابن عائشة قال: انشد النبي ﵌ قول عنترة من هذه القصيدة:
ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى نال به كريم المأكل
فقال النبي ﵌: ما وصف ليل أعربي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة.
قلت: وهذا البيت يروى في معلقته أيضاً, وينشد بدل (المأكل), (المطعم).
ومنه قول الحارث بن حلزة في أول معلقته:
آذنتنا بينها أسماءرب ثاو يمل منه الثواء
آذنتنا ببينها ثم ولتليت شعري متى يكون اللقاء
ومنها:
وثمانون من تميم بأيديهم رماح صدورهن القضاء
وقوله وهي من جيد الشعر:
من حاكم بيني وبين الدهرمال علي عمداً
أودى بسادتنا وقدتركوا لنا حلقاً وجردا
خيلي وفارسها ورب أبيك كان أعز فقدا
فلو أن ما يأوي إليأصاب من ثهلان هذا
فضعي قناعك إن ريب الدهر قد أفنى معدا
ومنها البيت المشهور وهو:
والنوك خير ظلال العيشممن عاش كدا
ومنه قول النابغة الذبياني في النعمان بن الحارث وهو غلام:
هذا غلام حسن وجههمقتبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث إلا... صغر والحارث خير الأنام
ثم لهند ولهند فقدأسرع في الخيرات منه أمام
هي أمامة أم عمرو الأصغر بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان الشقيقة.
خمسة أباء هم ما همأكرم من يشرب صوب الغمام
وقوله وهو من المرقص والمطرب:
نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر المريض إلى وجود العود
وقوله من قصيدة طويلة:
لولا حبائل من نعم علقت بهالأقصر القلب عنها أي إقصار
نبئت نعما على الهجران عاتبةسقيا رعيا لذاك العاتب الزاري
أقول والنجم قد مالت أواخرهإلى المغيب تبين نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصريأم وجه نعم بدالي أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكرفلاح ما بين أثواب وأستار
ومنه قول المنخل اليشكري وكان نديماً للنعمان بن المنذر, فاتهمه بامرأته المتجردة, وقيل وجده معها فقتله. وهذا يعد في المرقص المطرب من مشهور شعره:
إن كنت عاذلتي فسيرينحو العراق ولا تحوري
لا تسألي عن جل ماليوانظري كرمي وخيري
وفوارس كأواحر النار أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهمفي كل محكمة التقير
واستلأموا وتلببواإن التلبب للمغير
وعلى الجياد المضمراتفوارس مثل الصقور
يخرجن من خلل الغباريجفن بالنعم الكثير
أقررت عيني من أولئك والفوائح بالعبير
وإذا الرياح تناوحتبجوانب البيت الكبير
ألفيتني هش اليدينبمري قد حي أو شجيري
ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفلفي الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفستكتنفس الظبي الغريرٍ
فدنت وقالت يا منخل هل بجسمك من فتور
ما شف جسمي غير جسمكفاهدئي عني وسيري
يا هند هل من نائليا هند للعاني الأسير
وأحبها وتحبنيويحب ناقتها بعيري
ولقد شربت من المدامة بالصغير والكبير
فإذا سكرت فإننيرب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فأننيرب الشويهة والبعير
يا رب يوم للمنخلقد لها فيه قصير
وقول عبد الله بن العجلان شاعر جاهلي, وهو أحد من قتله العشق:
فارقت هنداً طائعاًفندمت عند فراقها
فالعين تذري عبرةكالدر من آماقها
خود رداح طفلةما الفحش من أخلاقها
ولقد ألذ حديثهاوأسر عند عناقها
وقوله أيضاً وهو من المطرب:
خليلي زورا قبل الشحط النوى هنداًولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ومرا عليها بارك الله فيكماوإن لمت تكن هند لوجهكما قصدا
وقولا لها ليس الطريق أجازناولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
والبيتان الأخيران يرويان من قصيدة للمرقش الأكبر.
حدث أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني قال: عن إسحاق بن حميد (كاتب أبي الرازي, قال: غنى علوية الأعسر يوماً بين يدي المأمون:
تخيرت من نعمان عود أراكةلهند فمن هذا يبلغه هندا
فقال المأمون: اطلبوا لهذا البيت ثانياً, فلم يعرف وسأل كم من بحضرته من أهل الأدب والرواة والجلساء عن قائل هذا الشعر فلم يعرفه أحد. وقلد المأمون أبا الرازي كور دجلة وأنا أكتب له, ثم نقله إلى اليمامة والبحرين. وقال إسحاق بن حميد): فلما خرجنا ركبت مع أبي الرازي في بعض الليالي في قبة على جمازة, فابتدأ الحادي يحدو بقصيدة طويلة, وإذا البيت الذي كنت أطلب له أخاً ثابت فيها, فسألته عنها, فذكر إنها للمرقش الأكبر. فاخترت منها وكتب بها إلى المأمون فسر بذلك, وأمر المغنين أن يصنعوا فيها ألحاناً ويغنون بها. انتهى.
قلت: واخترت أنا من الأبيات التي اختارها إسحاق هذه الأبيات:
خليلي عوجا بارك الله فيكماوإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازناولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
تنقيت من نعمان عود أراكةلهند فمن هذا يبلغه هندا
ستبلغ هندا إن سلمنا قلائصمهاري يقطعن الفلاة بنا وخدا
فناولتها المسواك والقلب خائفوقلت لها يا هند أهلكتنا وجدا
فمدت يداً في حسن دل تناولاإليه وقالت ما أرى مثل ذا يهدى
وأما ما وقع من الانسجام في أشعار المخضرمين, وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام, فمنه قول الأعشى يمدح النبي ﵌:
فآليت لا أرثي لها من كلالةولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشمتراحي وتلقي من فواضله يدا
نبي يرى مالاً ترون وذكرهأغار لعمري في البلاد وانجدا
له صدقات ما تغب ونائلوليس عطاء اليوم ما نعه غدا
ومنها:
شباب وشيب وافتقار وثروةفلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغي المال مذ كنت يافعاوليدا وكهلا حيث شبت وأمردا
وقوله:
ودع هريرة أن المركب مرتحلوهل تطيق وداعاً أيها الرجل
غراء فرعاء مصقول عوارضهاتمشي الهوينا كما يمشي الوجل الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتهامر السحابة لا ريث ولا عجل
ويقال أن أغنج بيت قالته العرب قوله من هذه القصيدة:
قالت هريرة لما جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري من قصيدة:
أحمد الله فلا ند لهعنده الخير وما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدىناعم البال ومن شاء أضل
فإذا جوزيت قرضا فاجزهإنما يجزي الفتى ليس الجمل
ومنها:
أعمل العيس على علاتهاإنما ينجح إخوان العمل
وأكذب النفس إذا حدثتهاإن صدق النفس يزري بالأمل
أي لا تحدث نفسك بعدم الظفر أبداً, بل بشرها بحصول الأمل فإن صدقها بالجبن عن ملاقاة الأهوال يثبطها عن بلوغ الآمال.
وقوله من معلقته:
من معشر سنت لهم آباؤهمولكل قوم سنة وإمامها
لا يطبعون ولا يبور فعالهمبل لا تميل مع الهوى أحلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنماقسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشرأوفى بأوفر حظنا قسامها
فبنى لنا بيتا رفيعا سمكهفسما إليه كهلها وغلامها
ومنه قول النابغة الجعدي من قصيدة أولها:
خليلي عوجا ساعة وتهجراولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا
ومنها:
وإن جاء أمر لا تطيقان دفعهفلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
ألم تريا أن الملامة نفعهاقليل إذا ما الشيء ولى وأدبرا
ومنها:
أتيت رسول الله إذ قام للهدىيتلو كتاباً كالمجرة نيرا
خليلي قد لاقيت ما لم تلاقياوسيرت في الآفاق ما لم تسيرا
تذكرت والذكرى تهيج لدى الهوىومن عادة المحزون أن يتذكرا
وعنه أنه قال: لما أنشدت النبي ﵌ قولي من هذه القصيدة:
بلغنا السماء مجدنا وجدودناوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال النبي ﵌: فأين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة, فقال: قل إن شاء الله.
ولما أنشد قوله منها أيضاً:
لا خير في حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال ﵌: أجدت, لا يفضض الله فاك. فبقيت أسنانه إلى آخر عمره كأنها اللؤلؤ المنظوم, ولم تسقط له سن.
وعمر النابغة المذكور عمراً طويلاً في الجاهلية والإسلام, وكان أكبر من النابغة الذبياني, واختلف في عمره, قال الأصبهاني: والحق ما نقله ابن قتيبة: إنه عاش مائتين وعشرين سنة, وحضر صفين مع علي ﵇.
ولما خرج علي ﵇ إلى صفين خرج معه النابغة, فساق به قوماً فقال:
قد علم المصران والعراقأن عليا فحلها العتاق
أبيض جحجاح له رواقوأمه غالى بها الصداق
أكرم من شد بها نطاقأن الألى جاروك لا أفاقوا
لهم سياق ولكم سياققد علمت ذالكم الرفاق
سقتم إلى نهج الهدى وساقواإلى التي ليس لها عراق
في ملة عادتها النفاق
العتاق بضم العين المهملة - كغراب - العتيق وهو الفحل النجيب.
ومنه قول حسان بن ثابت الأنصاري من قصيدة قالها يوم الفتح:
ألا أبلغ أبا سفيان عنيمغلغلة فقد برج الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبداوعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدا فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفءفشركما لخيركما الفداء
أمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
وقوله من أخرى وهي مشهور شعره:
لله در عصابة نادمتهيوماً بجلق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشم الأنوف من الطراز الأول
ولقد طالعت طيوان حسان فلم أر له أسجم من قصيدته التي يفتخر فيها بقومه, ويعدد أفعالهم, وقد عن لي إثباتها هنا برمتها, لأنها جميعها داخلة في نوع من الانسجام.
وديوان حسان قليل الوجود, وهذه القصيدة لم أرها في غير ديوانه وهي:
أنسيم ريقك أخت آل العنبرهذا أم استنشأته من مجمر
أبديد ثغرك ما أرى أم لمحةمن بارق أن معدن من جوهر
أودعتني ببريق ثغرك حرقةألهبت جمرتها بطرف أحور
ونشرت فرعك فوق متن واضحوطويت كشحك فوق خصر مضمر
قولي لطرفك أن يكف عن الحشاسطوت نيران الهوى ثم اهجري
وانهي جمالك أن ينال مقاتليفينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهمطلعت كسرى بريح صرصر
وسلبن تاج الملك قسرا بالقناوأخذن قهرا درب آل الأصفر
آباي من كهلان أرباب العلىوبنو الملوك عمومتي من حمير
قدنا من اليمن الجياد فما انثنتحتى حوت بالصين مهجة بعبر
ورمت سمرقندا بكل مثقفلهج باحشاء الفوارس أسمر
ووطئن أرض الشام ثم وفارسابالحرث اليمني وابن المنذر
صبحت بلاد الهند بالبيض التيصبحت بها كسرى صبيحة دستر
ونصرن في الأحزاب حزب محمدوكسون مومة ثوب موت أحمر
وطلعن من رجوي حنين شزبايحملن كل سليل طبيب العنصر
يلقى الرماح الشاجرات بنحرهويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف أصطبر لشبا القنافهدمت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمل شخص ضيف طارقمتسربل أثواب محل مقتر
أو ما إلى الكوماء هذا طارقنحرتني الأعداء إن لم تنحري
من قد ولدنا من نجيب قسوردامي الأظافر أو ربيع ممطر
سلكت أنامله بقائم مرهفوبنثر فائدة وذروة منبر
كم فوق وجه الأرض من ذي ثروةلولا فواضل رفدنا لم يذكر
لولا صوارم يعرب ورماحهالم تسمع الآذان صوت مكبر
نحن الذين نذل أعناق القناونعز بالمعروف قل المعسر
قحطان قومي ما ذكرت فخارهمإلا علوت على سنام المفخر
السابقون إلى المكارم والعلىوالحائزون غدا حياض الكوثر
فإذا أردت بأن ترى مسعاتنافصل النواظر بالسماك الأزهر
لو أمت الجوزاء أن تعلوا علىأدنى ذؤابة مجدنا لم تقدر
ثم الصلاة على النبي وآلهما لاح برق في غمام ممطر
هذه القصيدة من الرقة والانسجام والجزالة بمحل يشهد به الذوق السليم ولو قلت أنها أرق من كثير من شعر أبي تمام والبحتري لما أبعدت.
ومثلها قوله أيضاً من أخرى:
إن الذوائب من نهر أخوتهمقد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرتهتقوى الآله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمأو حالوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثةإن الخلائق فاعلم شرها البدع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهمعند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن كان في الناس سباقون بعدهمفكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يجهلون وأن حاولت جهلهمفي فضل أحلامهم عن ذاك متسع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهملا يطبعون ولا يرديهم الطمع
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبواولا يكن همك الأمر الذي منعوا
ومنه قول الحطيئة بضم الحاء المهملة على زنة جهينة, يمدح آل الشماس
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكممن اللوم أو مدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم أن بنوا أحسنوا البنىوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهاوإن أنعموا لأكدروها لا كدروا
وإن قال مولاهم على كل حادثمن الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا
مطاعين في الهيجا مكاشيف الدجىبنى لهم آباؤهم وبنى الجد
وقوله يمدح بغيض بن شماس السعدي:
تزور امرءاً يعطي على الحمد مالهومن يعط أثمان المكارم يحمد
يرى البخل ولا يبقي على المرء مالهويعلم أن البخل غير مخلد
كسوب ومتلاف إذا ما سألتهتهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
ومنه قول كعب بن زهير في بردته وأولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلواإلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرةلا يشتكي قصر منها ولا طول
ومنها:
ولا تمسك بالعهد الذي زعمتإلا كما تمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدتإن الأماني والأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاًوما مواعيدها إلا الأباطيل
ومن مديحها:
وقال كل خليل كنت آملهلا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكمفكلما قدر الرحمن مفعول
أنبئت أن رسول الله أوعدنيوالعفو عند رسول الله مأمول
فقد أتيت رسول الله معتذراوالعذر عند رسول الله مقبول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل
والغاية فيها قوله: إن الرسول لنور يستضاء به=مهند من سيوف الله مسلول وقوله أيضاً:
مقالة السوء إلى أهلهاأسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمهذموه بالحق وبالباطل
وقال ابن هشام: ومما يستحسن من شعر كعب قوله:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركهافالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمللا تنتهي العين حين ينتهي الأثر
ونمنه قول أمية بن أبي الصلت وهو ممن أدرك زمن النبي ﵌ ولم يسلم يمدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنَّ شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباحعن الخلق الكريم ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرُّضه الثناء
وعلى ذكر هذه الأبيات سئل عطاء، ما معنى قول النبي ﵌: خير الدعاء دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي وهو لا إله إلا الله وحده وحده، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير؟ فقال: هذا.
كما قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
أفيعلم ابن جدعان ما يراد منه بالثناء عليه ولا يعلم الله ما يراد منه بالثناء عليه؟ وينسب هذا الجواب إلى سفيان بن عيينة كما في الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني والله أعلم.
ومنه قول فروة بن مسيك المرادي شاعر مخضرم من أهل اليمن, وفد على النبي ﵌:
فإن نغلب فغلابون قدماوإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكنمنايانا ودولة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجالتكر صروفه حينا فحينا
فلو خلد الملوك إذن خلدناولو بقي الكرام إذن بقينا
إذا ما الدهر جر على أناسكلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
وقد تمثل ببعض هذه الأبيات الحسين بن علي ﵉ بكربلاء يوم قتله ومنه قول نهشل الدارمي وهو من المخضرمين أيضاً. كان شاعراً شريفاً في قومه, وكان مع علي ﵇ في حروبه:
إنا محيوك يا سلمى فحييناوإن سقيت كرام الناس فاسقينا
وإن دعوت إلى جلى ومكرمةيوما سراة كرام الناس فادعينا
وهي من قصيدة مشهورة مثبتة في أشعار الحماسة لأبي تمام.
ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخراً وهو غاية في الانسجام:
أعيناي جودا ولا تجمداألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجري الجميلألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهمإلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهممن المجد ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوي إلى بيتهيرى أفضل الكسب أن يحمدا
إذا ذكر المجد ألفيتهتأزر بالمجد ثم أرتدى
وأما ما وقع من الانسجام في أشعار الإسلاميين, فمنه قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈, وهي قصيدة مشهورة لا يسقط منها بيت واحد. وأما انسجامها فغاية لا تدرك, وعقيلة لا تملك, وقد جنبها حوشي الكلام, وجاء فيها ببديع الانسجام. ومن رأى سائر شعر الفرزدق, ورأى هذه القصيدة ملك نفسه العجب, فإنه لا مناسبة بينها وبين سائر قوله, نسيبا ومدحا وهجاء, على أنه نظمها بديهة وارتجالا, ولا شك أن الله سبحانه أيده في مقالها, وسدده حال ارتجالها, ومع شهرة هذه القصيدة فقد آثرنا إيرادها هنا تبركاً بها وبممدوحها ﵇, لئلا يخلو هذا الكتاب منها. ولنذكرها برواية الشيخ الأجل السيد الإمام العالم الحافظ الفقيه الزاهد جمال الدين شيخ الإسلام أوحد الأنام فخر الأئمة مسند العصر أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني وهي: بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ حسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي ﵀ بقراءتي عليه, في جمادى الأخرى من سنة خمس وتسعين وأربعمائة ببغداد, قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الوراق قراءة عليه, قال: أخبرنا أبوا أحمد عبه السلام بن الحسين بن محمد بن عبد الله طيفور البصري اللغوي, قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي بالبصرة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة على باب داره, وكتبه عن كتاب إملاء أملاه من أصله, ثم قرأته بعد ذلك بعشر سنية عشية الجمعة لست بقين من شعبان سنة أربع وستين وثلاثمائة على أبي الحسين محمد ابن محمد بن جعفر بن لنكك اللغوي على باب داره, ولم يكن له أصل يرجع إليه, وذكر أنه قد سمعه, قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن دينار, قال: حدثنا عبيد الله بن محمد - يعني بن عائشة - قال: حدثني أبي وغيره, قال: حج هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك أو الوليد, فطاف بالبيت, فجهد إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه, فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه أهل الشام, إذ أقبل علي بن الحسين بن علي ﵈ من أحسن الناس وجهاً, وأطيبهم ريحاً, فطاف بالبيت, فكلما بلغ إلى الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه, مخافة أن يرغب فيه أهل الشام, وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق: لكني أعرفه, قال الشامي: من هو يا أبا فراس؟.
فقال الفرزدق:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النقي الطاهر العلم
روى ابن لنكك (الظاهر) بظاء معجمة, وروى المتوثي بطاء غير المعجمة.
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرتعن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضي من مهابتهولا يكلم إلا حين يبتسم
من جده دان فضل الأنبياء لهوفضل أمته دانت له الأمم
ينشق نور الهدى عن نور غرتهكالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول الله نبعتهطابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهبجده أنبياء الله قد ختموا
الله شرفه قدما وفضلهجرى بذاك له في لوحه القلم
فليس قولك من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
ليس هذا البيت في رواية المتوثي, وعرفه ابن لنكك
كلتا يديه غياث عم نفعهمايستو كفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادرهيزينه اثنان حسن الخلق والكرم
حمال أثقال أقوام إذا فدحواحلو الشمائل تحلو عنده نعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبتهرحب النفاء أريب حين يعتزم
عم البرية بالإحسان فانقشعتعنه الغيابة والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهمكفر وقربهم منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كلوا أئمتهمأو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهمولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمتوالأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهمسيان ذلك أن أثروا وإن عدموا
وروى ابن لنكك (لا يقبض).
يستدفع السوء والبلوى بحبهمويسترب به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذك الله ذكرهمفي كل بدء ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهمخيم كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهملأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولوية ذاوالدين من بيت هذا ناله الأمم
قال: فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة وبلغ ذلك علي بن الحسين ﵉: فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس, فلو كان عندنا أكثر من هذا وصلناك, فردها الفرزدق وقال: يا بن رسول الله, ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله ﷿ ولرسوله, وما كنت لا رزأ عليه شيئاً, فقال: شكر الله لك ذلك, غير أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لم نعد فيه, فقبلها.
وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس, فكان مما هجاه به:
أيحبسني بين المدينة والتيإليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيدوعينا له حولاء باد عيوبها
وقوله أيضاً وهو من المطرب:
حبيب دعا والرمل بيني وبينهفاسمعني سقيا لذلك داعيا
فكان جوابي أن بكيت صبابةوفديت من لو يستطيع فدائيا
لذكرى حبيب لم أزل مذ هجرتهأعد له بعد الليالي لياليا
ومثله قوله أيضاً:
والشيب ينهض في الشباب كأنهليل يصيح بحافتيه نهار
ومنه قول جرير وهو معدود من الطرب في هذا الباب:
إن العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لا يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك بهوهن أضعف خلق الله أركانا
وقوله أيضاً:
لعمرك لولا اليأس ما انقطع الهوىولولا الهوى ما حن من واله قلبي
سقى الرمل جون مستهل ربابهوما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقوله أيضاً:
يا أخت ناجية السلام عليكمقبل الرحيل وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكميوم الفراق فعلت ما لم أفعل
وقوله وبعضه من المرقص, وبعضه من المطرب:
سرت الهموم فبتن غير نياموأخو الهموم يورم كل مرام
ذم المنازل بعد منزلة الهوىوالعيش بعد أولئك الأيام
وإذا أتيت على المنازل باللوىفاضت دموعك غير ذات نظام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاوقت الزيارة فارجعي بسلام
تجري السواك على أغر كأنهبرد تحدر من متون غمام
ومنه قول الأخطل وكان نصرانياً من بني تغلب:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذاخراً يكون كصالح الأعمال
وقوله أيضاً:
وإذا دعونك عمهن فإنهنسب يزيدك عندهن خبلاً
وإذا وزنت حلومهن مع الصبارجح الصبا بحلومهن فمالا
ومنه قول سحيم عبد بني الحسحاس عندما باعه مولاه وكان عبداً أسوداً نوبيا:
أشوقا ولما تمض لي بعد ليلةفكيف إذا سار المطي بكم عشر
وما كنت أخشى مالكاً أن يبيعنيبشيء ولو كانت أنامله صفرا
أخوكم ومولاكم وصاحب سركمومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
البيت الأول يعد من المرقص المطرب. سحيم هذا أقدم عصراً ممن قبله من الإسلاميين لأنه أدرك النبي ﵌.
وأنشد عمر بن الخطاب قوله:
عميرة ودع أن تجهزت غادياكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه ومن مشهور شعره ما تمثل به إبراهيم بن المهدي (حين قال له المأمون بعد الظفر به: إنه الخليفة الأسود يا عم, يهزأ به) وهو:
أشعار عبد بني الحسحاس قمن لهعند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرماأو أسود اللون إني أبيض الخلق
ومن دقيق شعره الذي يعد من المطرب في هذا الباب قوله في أخت مولاه وقد مرضت:
ماذا يريد السقام من قمركل جمال لوجهه تبع
ما يرتجىخاب
من محاسنها
أما له في القباح متسع
وأنشد عمر بن الخطاب أيضاً قوله:
توسدني كفا وتثني بمعصمعلي وتلوي رجلها من ورائيا
فقال له عمر: ويلك إنك مقتول, فكان كذلك. فإنه لما أكثر تعرضه للنساء وتشبيبه بهن قال مولاه لقومه: إن هذا العبد قد فضحنا, فقالوا اقتله ونحن طوعك فمسكوه.
فمرت به امرأة كان بينها وبينه مودة فهجرها فضحكت شماتة فقال:
فإن تضحكي مني فيا رب ليلةتركتك فيها كالقباء المفرج
ولما أرادوا قتله نادى ما منكم امرأة إلا وقد أصبتها, فقتلوه.
ومنه قول ذي الرمة غيلان:
إذا هبت الأرواح من كل جانببه آل مي هاج قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنماهوى كل نفس حيث حل حبيبها
وقوله أيضاً:
وإلا يكن إلا تعلة ساعةقليل فإني نافع لي قليلها
ومنه قول جميل بثينة وهو من المرقص المطرب:
ولما تراجعنا الذي كان بينناجرى الدمع من عيني بثينة كالكحل
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابةإلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي
يقولون مهلاً يا جميل وإننيلا قسم مالي عن بثينة من مهل
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بهاويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
وقوله أيضاً: ألا هل إلى إلمامة أن ألمتها=بثينة يوماً في الحياة سبيل
فإن هي قالت لا سبيل فقل لهاعناء على العذري منك طويل
وما شرقي بالماء إلا تذكرالماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقهفليس الظمآن إليه سبيل
فيا أثلاث القاع من بطن توضححنيني إلى أطلالكن طويل
ويا أثلاث القاع قلبي موكلبكن وصبري دونكن قليل
ويا أثلاث القاع قد مل صحبتيمسيري فهل في ظلكن مقيل
فاشرب من ماء الحجيلاء شربةيداوى بها قبل الممات عليل
أريد انصبابا نحوكم فيصدنيويمنعني دين علي ثقيل
أحدث نفسي عنك أن لست راجعاًإليك فحزني في الفؤاد دخيل
قال صاحب الأغاني: ولجميل قصيدة يائية من الطويل, والناس يخلطون بين أبياتها وبين أبيات يائية المجنون وهي:
ألا طال كتماني بثينة حاجةمن الحاج ما تدري بثينة ما هي
أخاف إذا أنبأتها أن تضيعهافتتركها ثقلاً علي كما هيا
أغرك إني لا بخيل عليكمولا مفحش فيما لديك التقاضيا
أعد الليالي ما نأيت ولم أكنلما مر من دهري أعد اللياليا
ذكرتك بالديرين يوماً فأشرقتبنات الهوى حتى بلغن التراقيا
إذا اكتحلت عيني بعينك لم يزلقريرا وجلت غمرة عن فؤاديا
فأتت التي إن شئت كدرت عيشتيوإن شئت بعد الله أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدىيرى نضو ما أبقيت ألا رثى ليا
وأخبرتماني أن تيماء منزللليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضتفما للنوى ترمى بليلى المراميا
وإني لتثنيني الحفيظة كلمارأيتك يوماً إن أبثك ما بيا
وما زلت بي يا بثن حتى لو أننيمن الشوق استبكي الحمام بكى لي
إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤهادعاء حبيب كنت أنت دعائيا
وما زادني النأي المفرق بينناسلوا ولا طول التلاقي تقاليا
ولا زادني الواشون إلا صبابةولا كثرة الناهين إلا تماديا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أننيأظل إذا لم أسق ريقك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنية بغتةوفي النفس حاجات إليك كما هيا
وممن خلط بين أبيات هذه القصيدة وأبيات قصيدة المجنون, ابن حجة في شرح بديعيته, وجعل أول قصيدة المجنون قول جميل هذه القصيدة:
وخبرتماني أن تيماء منزللليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
ظنا منه أن ليلى هذه صاحبة المجنون, وليس كذلك, بل هي من أخوات بثينة, وتيماء من منازل بني عذرة الذي هم قوم جميل وبثينة لا من منازل بني عامر قوم المجنون وصاحبته ليلى, كما نص عليه الأصبهاني في الأغاني.
ومنه قول كثير عزة وهو معدود من المرقص:
ولما قضينا من منى كل حاجةومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطي الاباطح
وقيل هذان البيتان من أبيات ليزيد بن الطثرية, وقيل لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى وهو الذي ذكره الشريف المرتضى ﵁ في الغرر والدرر.
وقوله:
وادنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحل العصم سهل الاباطح
تجافيت عني حين لا لي حيلةوغادرت ما غادرت بين الجوانح
أأقيل أن جريرا ساير رواية كثير قاصدين الشام, فطرب وقال: أنشدني لأخي بني مليح - يعني كثيراً - فلما انتهى إلى هذين البيتين قال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره.
ومن مشهور شعره كثير وجيده الفائق قصيدته التالية, وهي غاية في باب الانسجام, وهي:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلاقلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكاولا موجعات القلب حتى تولت
فلا يحسب الواشون أن صبابتيبعزة كانت غمرة فتجلت
فوالله ثم الله ما حل قبلهاولا بعدها من خلة حيث حلت
وما مر من يوم علي كيومهاوأن عظمت أيام أخرى وجلت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينهاكناذرة نذرا فأوفت وبرت
فقلت لها يا عز كل مصيبةإذا وطنت يوما لها النفس ذلت
ولم يلق إنسان من الحب منعةبغم ولا عمياء إلا تجلت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلت تلاعا لم تكن قبل حلت
أريد ثواء عندها وأظنهاإذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فوالله ما قاربت إلا تباعدتبهجر ولا أكثرت إلا أقلت
يكلفها الغيران شتمي وما بهاهواني ولكن للمليك استذلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلت
فان تكن العتبى فأهلا ومرحباوحقت لها العتبى علينا وقلت
وإن تكن الأخرى فان وراءنامهامه لو سارت بها العيس كلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدينا ولا مقلية أن نقلت
فما أنا بالداعي لغزة بالردىولا شامت أن نعل عزة زلت
وإني وتهيامي بعزة بعدماتخليت عنها برهة وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلماتبوء منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها غمامة ممحلرجاها فلما جاوزته استهلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضتمن الصم لو تمشي بها العصم زلت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلةفمن مل منها ذلك النيل ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضتإلي وأما بالنوال فضنت
فوا عجبا للقلب كيف اغترارهوللنفس لما وطنت كيف ذلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننافلما تواثقنا شددت وحلت
وكنا سلكنا في صعود من الهوىفلما توافينا ثبت وزلت
فإن سأل الواشون كيف سلوتهافقل نفس حر سليت فتسلت
وللعين تذراف إذا ما ذكرتهاوللقلب وسواس إذا العين ملت
فكنت كذي رجلين رجل صحيحةوأخرى رمى فيها الزمان فشلت
ولي عبرت لو يدمن قتلننيتوالي التي ما بالتي قد تولت
فليت قلوصي عند عزة قيدتبحبل ضعيف بان منها فضلت
وأصبح في القوم المقيمين رحلهاوكان لها باغ سواي فبلت
تمنيتها حتى إذا ما رأيتهارأيت المنايا شرعاً قد أظلت
أصاب الردى من كان يبغي لها الردىوجن اللواتي قلن عزة جنت
عليها تحيات السلام هديةلها كل حين مقبل حيث حلت
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع