تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التلميح

تلميحه كم شفى في الخلق من عللوما لعيسى يد فيها فلا تهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التلميح - قال العلامة التفتازاني في شرح التلخيص: صح بتقديم اللام على الميم, من لمحه, إذا أبصره ونظر إليه. وكثيرا ما تسمعهم يقولون في تفسير الأبيات: في هذا البيت تلميح إلى قول فلان, وقد لمح هذا البيت فلان إلى غير ذلك من العبارات.

وأما التلميح - بتقديم الميم - فهو مصدر ملح الشاعر: إذا أتى بشيء مليح, وهو ههنا خطأ محض, نشأ من قبل الشارح العلامة, حيث سوى بين التمليح والتلميح, وفسرهما: بأن يشار إلى قصة أو شعر. ثم صار الغلط مستمرا, وأخذ مذهبا لعدم التمييز. انتهى.

فلا عبرة بقول ابن حجة: وسماه قوم التمليح - بتقديم الميم - كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة.

وهو في الاصطلاح, أن يشار في الكلام إلى آي من القرآن, أو حديث مشهور, أو شعر مشهور أو مثل سائر, أو قصة, من ذكر شيء من ذلك صريحا. وأحسنه وأبلغه, ما حصل به زيادة في المعنى المقصود. قال الطيبي في التبيان: ومنه قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا). وقال جار الله: قوله: وآتينا داود زبورا, دلالة على تفضيل محمد ﵌ وهو خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم, لأن ذلك مكتوب في الزبور. قال تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون), وقال: وهو محمد صلى الله عليه وآله وأمته.

ولنرتب شواهد هذا النوع على فصول.

الفصل الأول فيما وقع التلميح فيه إلى آية من القرآن فمنه قول نصر بن أحمد الخبز أرزي ﵀:

أستودع الله أحبابا فجعت بهمبانوا وما زودني غير تعذيب
بانوا ولم يقض زيد منهم وطراولا انقضت حاجة في نفس يعقوب
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «قالوا ولو صح ما قالوا لفزت به»

لمح في المصراع الأول إلى قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها), وفي الثاني قوله تعالى (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها).

ولمح إلى الآية الأولى البهاء زهير في مطلع قصيدة له فقال:

لم يقض زيدكم من حبكم وطرهولا قضى ليله من حبكم سمره
يا صارفي القلب إلا عن مودتهموسالبي الطرف إلا عنهم نظره
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «لم يقض زيدكم من وصلكم وطره»

ولمح في الثانية أيضاً الشريف الرضي ﵁ في قوله:

وحاجة أتقاضاه وتمطلنيكأنها حاجة في نفس يعقوب

ومنه قول بعضهم:

ما في الصحاب وقد سارت حمولهمإلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل راحلةوالحي في كل بيت منه يعقوب
للشاعر عَرقَلَةِ الكَلبِيّ، اقرأ القصيدة

يشير إلى ما قصه سبحانه في القرآن العظيم من أمر يوسف. وحرض يعقوب ﵉.

ولهذين البيتين حكاية لطيفة, وهي ما حكي أن الشيخ شهاب الدين السهروردي صاحب عوارف المعارف لما رجع من الشام إلى بغداد, وجلس على عادته للوعظ, أخذ يقلل أحوال الناس, ويهضم جانب الرجال ويقول: أنه ما بقي من يلقى وقد خلت الدنيا.

وأنشد:

ما في الصحاب أخو وجد نطارحهحديث نجد ولا خل نجاريه

وجعل يكرره ويتواجد, فصاح عليه من أطراف المجلس شاب عليه قبا وكلونة: يا شيخ كم تشطح وتتنقص بالقوم, والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك, وقصاراك أن تفهم ما يقول, هلا أنشدت؟ (ما في الصحاب وقد سارت حمولهم) وأنشد البيتين. فصاح السهروردي ونزل عن كرسيه وقصد الشاب ليعتذر إليه فلم يجده, ووجدت مكانه حفرة فيها دم كثير لشدة ما كان يفحص برجليه عند إنشاد الشيخ البيت. وهو من قصيدة لابن المعلم الوسطى تقدم إنشاد بعضها في نوع الانسجام.

وقلت ملمحا التلميح المذكور لغرض سنح:

لله من واله عان بأسرتهومن محب غدا يبكيه محبوب
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لله من واله عان بأسرته»
كأنه يوسف في السجن مضطهداوكل ذي خلة في الحي يعقوب
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لله من واله عان بأسرته»

ومن بديع هذا النوع قول أبي نصر محمد الأصبهاني في ذم مملوك له:

بليت بمملوك إذا ما بعثتهلأمر أعيرت رجله مشية النمل
بليد كأن الله خالقنا عنىبه المثل المضروب في سورة النحل

يشير إلى قوله تعالى (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ولا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير) الآية.

ومنه قول الباخرزي يمدح جعفر بن داود:

والله لولا حسن نيته لمالقي الشقاء ببأسه مسعود
كان الحديد فلان يوم لقائهحتى تحقق أنه دواد

يشير إلى قوله تعالى في داود (وألنا له الحديد) ومنه ما ذكره ابن الأبار في تحفة القادم: أن أبا بكر الشبلي جلس يوما على الجسر, فتعرض له بعض الجواري للجواز, فلما أبصرته رجعت بوجهها, وسترت ما ظهر له من محاسنها, فقال أبو بكر المذكور:

وعقيلة لاحت بشاطئ نهرهاكالشمس طالعة لدى آفاقها
للشاعر ابن سكن الشلبي، اقرأ القصيدة
فكأنما بلقيس وافت صرحهالو أنها كشفت لنا عن ساقها
حورية قمرية بدويةليس الجفا والصد من أخلاقها
للشاعر ابن سكن الشلبي، اقرأ القصيدة

قال بعضهم: ويمكن تغيير البيتين الأولين بأن يقال:

وعقيلة لاحت بشاطئ نهرهاكالشمس تتلو في المشارق صبحها
لو أنها كشفت لنا عن ساقهالحسبتها بلقيس وافت صرحها

الإشارة في ذلك إلى قوله تعالى في قصة بلقيس مع سليمان ﵇ (قيل لها أدخلي في الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها) الآية.

وجمع النفيس القطرسي بين التلميح إلى القرآن والشعر في قوله:

يسر بالعيد أقوام لهم سعةمن الثراء وأما المقترون فلا
للشاعر النفيس القطرسي، اقرأ القصيدة
هل سرني وثيابي فيه قوم سباأو راقني وعلى رأسي به ابن جلا
للشاعر النفيس القطرسي، اقرأ القصيدة

يشير إلى قوله تعالى عن قوم سبا (ومزقناهم كل ممزق).

وإلى قول الشاعر:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

ومنه ما حكاه صاحب كتاب التبر المسبوك: أن السلطان محمودا كتب إلى الخليفة القادر بالله كتابا يتهدده فيه بالفيل, وخراب بغداد, وأن يحمل تراب دار الخلافة على ظهور الفيلة إلى غزنة. فكتب إليه القادر بالله كتابا صغيرا فيه بعد البسملة (ألم) لا غير, فلم يدر السلطان ما معناه, وتحيرت علماء حضرته في حل هذا الرمز, وجمعوا كل سورة من القرآن, أولها (ألم) فلم يكن فيها ما يناسب الجواب. وكان في الجماعة شاب فقال: إن أذن لي الملك أعزه الله حللت الرمز, فقال له الملك: قل, فقال: ألست كتب إليه تهدده بالفيلة وأنك تنقل تراب دار الخلافة على ظهورها إلى غزنة؟ قال: بلى, قال: فإنه كتب إليك (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل), فاستحسن الحاضرون منه ذلك, ثم اصطلح السلطان والخليفة.

ومن خفيه ما حكاه صاحب نزهة العشاق: أن الملك محمود بن صالح ظفر بعدو له فأعتقله, وكان لذلك العدو أخ, فأراد الملك أن يقبض على الأخ كما قبض على أخيه, فأمره أن يكتب إلى أخيه كتابا يدعوه إلى خدمة الملك, ويذكر في الكتاب أن الملك أكرمه وأحسن إليه. فأمتثل ما أمره, وكتب في آخر الكتاب: فعجل القدوم تنل الخير إن شاء الله تعالى, وجعل على رأسه النون تشديدة. فلما وصل الكتاب إلى أخيه فرح وطابت نفسه, فلما انتهى إلى التشديد على رأس النون أنكر ذلك واستراب, وقال: ما شددت هذه النون إلا لخطب شديد. فلم يزل يعمل فكره حتى فطن أن أخاه قصد قوله تعالى (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك). ثم كتب إلى أخيه كتابا, وذكر في آخره: أنا آت عقب كتابي إلى الملك أعزه الله, وشدد النون من (أنا آت) فلما وصل الكتاب إلى أخيه, ورأى ذلك طابت نفسه وفهم أن أخاه أشار إلى قوله تعالى (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها).

ومنه قول علاء الدين الوداعي فيمن وعده بسمك:

يا مالكا صدق مواعيدهخلي لنا في جوده مطعما
للشاعر علاء الدين الوداعي، من قصيدة «يا مالكاً صدق مواعيده»
لم نعد في السبت فما بالنالم تأتنا حيتاننا شرعا
للشاعر علاء الدين الوداعي، من قصيدة «يا مالكاً صدق مواعيده»

يشير إلى قوله تعالى (وأسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا). وكان بنو إسرائيل في زمن داود ﵇ في قرية بأيلة على ساحل البحر, بين المدينة والشام, وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت, فكان إذا دخل السبت اجتمعت الحيتان من كل مكان حتى لم يبق حوت إلا اجتمع هناك, يخرجن خراطيمهن من الماء, حتى لا يرى الماء لكثرتها. فإذا مضى السبت تفرقن فلا يرى منها شيء. ثم أن الشيطان وسوس لهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت, فعمد رجال فحفروا حياضا نحو البحر, وشرعوا منه إليها الأنهار, فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها, وقلة مائها, فيأخذونها يوم الأحد, أو كانوا ينصبون آلات الصيد يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد. وفعلوا ذلك مدة, فلما لم ينزل بهم عقوبة قالوا: ما نرى إلا أنه أحل لنا السبت, فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكثر مالهم. فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحو سبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى, وصنف أمسك ولم ينه, وصنف انتهك الحرمة. فكان الناهون أثني عشر ألفا. ولما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار وتجبروا كذلك سنتين, فلعنهم داود, وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية. فخرج الناهون ذات يوم من ديارهم, ولم يخرج من المجرمين أحد, ولم يفتحوا لهم بابا, فلما أبطأوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم قردة لها أذناب يتعاوون, صار الشباب قردة, والمشايخ خنازير. فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا, ولم يبق مسخ فوق ثلاثة أيام, ولم يتوالدوا. وقال مجاهد: مسخت قلوبهم دون صورهم, وهذا خلاف الإجماع وما نطق به القرآن العظيم.

وفي الأمثال المولدة: عليه ما على أصحاب السبت. يعنون بذلك اللعنة.

قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: فان قيل: لما كان الله تعالى نهاهم عن الاصطياد يوم السبت, فما الحكمة في أن نثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام, كما قال (تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) وهل هذا إلا إثارة الفتنة واردة الإضلال؟.

قلنا: أما على مذهب أهل السنة, فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى, وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.

الفصل الثاني فيما وقع التلميح فيه إلى حديث مشهور فمن ذلك قول بعضهم مع التورية:

يا بدر أهلك جارواوعلموك التجري
وقبحوا لك وصليوحسنوا لك هجري
فيفعلوا ما أرادوالأنهم أهل بدر

يشير إلى قوله ﵇ لعمر حين سأله قتل حاطب: لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

وما أحسن ما لمح إلى هذا الحديث أيضاً الشيخ عمر بن الفارض بقوله مع التورية:

ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهممسيرهم في صباح منك منبلج
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «ما بين معترك الأحداق والمهج»
فليصنع الركب ما شاؤا بأنفسهمهم أهل بدر فلا يخشون من حرج

ونظم ذلك بعضهم في مواليا فقال وأجاد:

يا بدر أهلك يقولوا لك علي جوروعلموك التجافي يا بهي النور
فليصنعوا ما أرادوا يا شقيق الحورلأنهم أهل بدر ذنبهم مغفور

ومنه ما حكي أن ابن الصابوني حضر مجلس أحد الفضلاء فقدم للحاضرين خيارا, فجعل أحد الأدباء يقشره بسكين, فخطف ابن الصابوني السكين من يده, فألح عليه في استرجاعها, فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها, فقال صاحب المنزل لذلك الأديب: كف عنه لئلا يجرحك, فيكون جرحا جبارا, يلمح إلى قوله ﵇: جرح العجماء جبار. فأغتاض ابن الصابوني وخرج من عقله, وهجر بلسانه, وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع إليه, وخرج عن ذلك المجلس مغضبا.

ومنه قول الحريري في المقامة السابعة والثلاثين: فلم أزل أتقرب إليه بالإلمام, وأتنفق عليه بالاجمام, حتى صرت صدى صوته, وسلمان بيته. يشير إلى قول النبي ﵌ في سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت.

الفصل الثالث في ما وقع فيه التلميح إلى شعر مشهور.

فمنه ما حكاه ابن قتيبة قال: تمازح معاوية والأحنف - فما رئي مازحان أوقر منهما - قال معاوية: يا أبا بحر ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال: السخينة يا أمير المؤمنين.

وإنما أشار معاوية إلى ما رمي به بنو تميم من النهم وحب الأكل في قول القائل:

إذا ما مات ميت من تميموسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمنأو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف بالآفاق حرصاليأكل رأس لقمان بن عاد

وأراد الشاعر بالشيء الملفف في البجاد: وطب اللبن, والبجاد ككتاب: كساء مخطط. وأشار الأحنف إلى ما كانت تعير به قريش من أكل السخينة قبل الإسلام, لأن أكثر زمانها كان زمان قحط ومحل, والسخينة: ماء يسخن بالنار ويذر عليه دقيق, وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة.

قال حسان:

زعمت سخينة أن ستغلب ربهاوليغلبن مغلب الغلاب
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، من قصيدة «زعمت سخينت أن تغالب ربها»

ومثل ذلك ما روي أن عبد الله بن ثعلبة المحاربي دخل على عبد الملك أبن يزيد الهلالي - وهو يومئذ والي أرمينية - فقال له: ماذا لقينا البارحة من شيوخ محارب؟ منعونا النوم بضوضاتهم ولغطهم. فقال عبد الله بن ثعلبة: أنهم - أصلح الله الأمير - أضلوا البارحة برقعا فكانوا يطلبونه.

أراد عبد الملك قول الشاعر:

تكش بلا شيء شيوخ محاربوما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وأراد عبد الله قول القائل:

لكل هلالي من اللؤم برقعولابن يزيد برقع وجلال

وكان سنان بن أحمر النميري يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري وهو على بغلة له, فتقدمت البغلة على فرس الأمير فقال: أغضض بغلتك يا سنان, فقال: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير, فضحك الأمير وقال: قاتلك الله, ما أردت ذلك, قال: ولا أنا.

وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وأراد سنان قول الأخطل:

لا تأمنن فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار

وكانت فزارة تعير بإتيان الإبل, ولذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذا ويخاطب يزيد بن عبد الملك حين ولاه العراق:

أمير المؤمنين وأنت برتقي لست بالجشع الحريص
أأطعمت العراق ورافديهفزاريا أحذ يد القميص
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمير المؤمنين وأنت »
ولم يك قبلها راعي مخاضليأمنه على وركي قلوص
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمير المؤمنين وأنت »

الرافدان: دجلة والفرات. وأخذ يد القميص: كناية عن السرقة والخيانة. وتفنق: تنعم وسمن, يقال: جارية فنق, أي سمينة. والبيت الآخر تلميح إلى إتيان الإبل الذي كانوا يعيرون به.

وعلى هذه الأبيات روى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الأعلى قال: كنا نتغدى مع الأمير عمر بن هبيرة فاحضر طباخه جام خبيص, فكرهه للبيت السابق في هذه الأبيات, إلا أن جلده أدكه فقال: ضعه يا غلام, قاتل الله الفرزدق, لقد جعلني أرى الخبيص فاستحي منه.

قال المبرد: وقد يسير البيت في الواحد فيرى أثره عليه أبدا, كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:

فما تصنع بالسيفإذا لم تك قتالا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا قل لابن معن ذا »
فكسر حلية السيفوصغها لك خلخالا

فكان عبد الله إذا تقلد السيف فرأى من يرمقه بأن أثره عليه وظهر الخجل منه.

ومثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال: والله لقد قلت في بني تغلب بيتا لو طعنوا بعده الرماح في أستأهم ما حكوها وهو:

والتغلبي إذا تنحنح للقرىحك استه وتمثل الأمثالا
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

وحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبد الملك بن مروان يوما وعنده رجال: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا أنهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال أسماء بن خارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين, قال: وما هو؟ قال: قول الحارث بن ظالم المري:

وما قومي بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشعر الرقابا

فو الله أني لا لبس العمامة الصيفية فيخيل لي أن شعر فقاي قد بدا منها.

وقال هاني بن قبيصة النميري: نحن يا أمير المؤمنين, قال: وما هو؟ قال: قول جرير:

فعض الطرف أنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا

كان النميري إذا قيل ممن أنت, يقول: من نمير, فصار يقول بعد هذا البيت من عامر بن صعصعة.

وكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول: والله أن التنحنح والسعال ليأخذاني وأنا في الخلا فأردهما حياء من قول القائل:

إذا ذات دل كلمته لحاجةوهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة

رجع إلى أمثلة التلميح إلى الشعر.

ومنه ما حكي أن تميميا قال لشريك النميري: ما أحب إلي من البازي, فقال شريك: خاصة إذا كان يصيد القطا.

أشار التميمي إلى قول جرير:

أنا البازي المطل على نميرأتيح من السماء له أنصبابا

وأشار شريك إلى قول الطرماح:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطالو سلكت طرق المكارم ضلت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

ومثله ما حكي أن تميميا نزل بفزاري فقال له: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا, فقال: أنها مكتوبة, أشار الفزاري إلى بيت الطرماح المذكور, وأشار التميمي إلى قول الأخطل المقدم ذكره.

(ومثله) ما يحكى أن محمد بن عقال المجاشعي دخل على يزيد بن مزيد الشيباني وعنده سيوف تعرض عليه, فرفع سيفا منها إلى يد محمد فقال: كيف ترى هذا السيف؟ فقال: نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف.

أراد يزيد قول جرير في الفرزدق:

بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا محدث غير صارم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

وأراد محمد قول مروان بن أبي حفصة:

لقد أفسدت شيبان بكر بن وائلمن التمر ما لو أصلحته لمارها
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لقدْ أفسدتْ شيبانُ بكرَ بنَ وائلِ»

ولبيتي جرير المذكورين قصة يأتي ذكرها في نوع المواردة إنشاء الله تعالى.

وقد غلط السكاكس على جلالة قدره في تفسير قوله (ولم تضرب بسيف ابن ظالم) فقال: أن الفرزدق كان عرض عليه سيف غير صالح للضرب فقال: بل أضرب بسيف أبي رغوان مجاشع, يعني سيفه, وكأنه قال: لا يستعمل ذلك السيف إلا ظالم وابن ظالم, فلما نبا سيفه وبلغ جرير ذلك قال البيتين, وأشار بقوله: ابن ظالم إلى ذلك.

وتبعه على هذا جماعة من أهل الفضل. ولم يرد جرير ذلك قط, مع أن معنى البيت لا يستقيم على هذا التفسير كما لا يخفى. وإنما أراد جرير بابن ظالم, الحارث بن ظالم المري وكان فاتكاً, فتك بخالد بن جعفر بن كلاب وهو إذ ذاك نازل على النعمان بن المنذر, وإنما قال جرير ذلك لان ابن ظالم المذكور من قومه, وهو مشهور بالفتك فيهم, فقال: ضربت بسيف جدك فينا ولم يقطع, ولو ضربت بسيف ابن ظالم الذي هو من قومي لم ينب, ولكنك لم تضرب به. هذا معنى البيت المقصود لا ما ذكره السكاكي وغيره فأعلم.

ومن لطيف التلميح أيضاً ما روي, أن الفضل بن محمد الضبي بعث بأضحية هزيل إلى شاعر, فلما لقيه سأله عنها فقال: كانت قليلة الدم, فضحك الفضل وقال: مهلا يا أبا فلان.

أراد الشاعر قول القائل:

إذا ذبح الضبي بالسيف لم تجدمن اللؤم للضبي لحما ولا دما

وروى ابن الأعرابي في الآمالي قال: رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعي على أصبع بن عياش وضحا فقال: ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجراح؟ قال سلح النعامة يابن أخي.

أراد قول جرير:

فضح العشيرة يوم يسلح إنماسلح النعامة شبه بن عقال

وكان شبة قد برز يوم الطوانة مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل من الروم, فحمل عليه الرومي فنكص وأحدث. فبلغ ذلك جريرا باليمامة فقال فيه ذلك.

ورأى الفرزدق مخنثا يحمل قماشة كأنه متحول من دار إلى دار فقال: إلى أين راحت عمتنا؟ فقال: قد نفاها الأغر يا أبا فراس.

يريد قول جرير في الفرزدق:

نفاك الأغر ابن عبد العزيزبحقك تنفى عن المسجد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»

وإنما قال جرير ذلك لأن الفرزدق ورد المدينة والأمير عليها عمر بن عبد العزيز, فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير وأعطاه, وقعد عنه عبد الله بن عمرو بن عثمان وقصر به, فمدح الفرزدق حمزة.

وهجا عبد الله فقال:

ما أنتم من هاشم في سرهافأذهب إليك ولا بني العوام
قوم لهم شرف البطاح وأنتموضر البلاط وموطئ الأقدام

فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز فأمره أن يخرج من المدينة, وقال له: إن وجدتك بها بعد ثلاث عاقبتك. فقال الفرزدق: ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام.

وأنشد:

توعدني وأمهلني ثلاثاًكما وعدت لمهلكها ثمود

فبلغ ذلك جريرا فقال يهجوه:

نفاك الأغر ابن عبد العزيزبحقك تنفى عن المسجد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»
وسميت نفسك أشقى ثمودفقالوا ضللت ولم تهتد
وقد أجلوا حين حل العذابثلاث ليال إلى الموعد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»
وجدنا الفرزدق بالموسمينخبيث المداخل والمشهد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»

وروى أبو بكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبي حاتم عن العيبي عن أبيه: أنه عرض على معاوية فرس وعنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فقال: كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف؟ فقال: أراه أجش هزيما, قال معاوية: أجل, لكنه لا يطلع على الكنائن. فقال: يا أمير المؤمنين ما استوجبت منك هذا الكلام كله, قال: لقد عوضك عنه عشرين ألفا.

قال ابن دريد: أراد عبد الرحمن التعريض لمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفين:

ونجى ابن حرب سابح ذو غلالةأجش هزيم والرماح دواني
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
إذا قلت أطراف الرماح تنوشهمرته به الساقان والقدمان

فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح وقال: لكنه لا يطلع على الكنائن, لأن عبد الرحمن كان يتهم بنساء أخوته.

قال: وروى صاحب الأغاني هذا الخبر على وجه آخر فقال: عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحكم خيله, فمر به فرس فقال له: كيف تراه؟ فقال: هذا سابح, ثم عرض عليه آخر فقال: هذا ذو غلالة, ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم, فقال له معاوية: أبي تعرض؟ قد علمت ما أردت.

إنما أردت قول النجاشي في:

ونجى ابن حرب سابح ذو علالةأجش هزيم والرماح دواني
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
سليم الشظى عبل الشوى شنج النساكسيد الغضا ماض على النسلان

أخرج عني فلا تساكنني في بلد. فذهب إلى أخيه مروان وشكى إليه معاوية فقال له مروان: هذا عملك لنفسك؟ فانشأ يقول:

أتقطر آفاق السماء لها دماإذا قلت هذا الطرف أجرد سابح
فحتى متى لا نرفع الطرف ذلةوحتى متى تعيا علينا المنادح

فدخل مروان على معاوية فقال: حتى متى هذا الاستخفاف بآل أبي العاص؟ أما والله لتعلم قول النبي ﵌ فينا. ولقلَّ ما بقي من الأمد, فضحك معاوية وقال: قد عفوت لك عنه يا أبا عبد الملك.

ورواه أيضاً على وجه غير هذا فقال: قدم عبد الرحمن بن الحكم (على معاوية) وكان قد عزل أخاه مروان وجهه قبله وقال له: ألق معاوية وعاتبه لي واستصلحه.

فلما دخل عليه وهو يعشي الناس فأنشأ يقول:

أتتك العيس تنفخ في براهاتكشف عن مناكبها القطوع
بأبيض من أمية مضر حيكأن جبينه سيف صنيع

فقال له معاوية: أزائرا جئت أم مفاخرا أم مكاثراً؟ فقال: أي ذلك شئت, فقال: ما أشاء من ذلك شيئا. وأراد معاوية أن يقطعه من كلامه الذي عن له فقال: أي الظهر أتيتنا عليه؟ قال له على فرس, قال: وما صفته؟ قال: أجش هزيم.

يعرض له بقول النجاشي له:

ونجى ابن حرب سابح ذو علالةأجش هزيم والرماح دواني
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فغضب معاوية وقال: أما أنه لم يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب, ولا هو ممن يتسور على جاراته, ولا يتوثب على كنائنه بعد هجعة الناس - وكان عبد الرحمن يتهم في امرأة أخيه - فخجل عبد الرحمن وقال: يا أمير المؤمنين ما حملك على عزلك ابن عمك؟ ألجناية أوجبت سخطا أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته؟ فقال: بل لرأي رأيته وتدبير استصوبته, قال: فلا بأس بذلك, وخرج من عنده فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن: قبحك الله ما أضعفك عرضت للرجل بما أغضبته, حتى إذا انتصر منك أحجمت عنه. ثم لبس حلته وركب فرسه وتقلد سيفه ودخل على معاوية, فقال له معاوية حين رآه والغضب يتبين في وجهه: مرحبا بأبي عبد الملك, لقد زرتنا عند اشتياق إليك منا, قال: لا والله ما زرتك لذلك, ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاء, لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص, والصهر برسول الله ﵌ لهم, والخلافة فيهم, فوصلوكم يا بني حرب, وشرفوكم, وولوكم فما عزلوكم, حتى إذا وليتم أبيتم إلا سوء صنيعة, وقبح قطيعة, فرويدا رويدا, قد بلغ بنو الحكم وبنو أبيه نيفا وعشرين, وإنما هي أيام قلائل حتى يكملوا أربعين ويعلم امرؤ أين يكون حينئذ منهم, ثم هم للجزاء بالحسنى والسوأى بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث, لو لم يكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه.

والثانية, كراهيتك لأمر زياد.

والثالثة, أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها. فقال مروان: أما ابن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني, ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موقعه.

وأما كراهتي لأمر زياد, فإن سائر بني أمية كرهوه, وجعل الله لنا في ذلك الكره خيرا.

وأما استعداء رملة على عمرو, فو الله أنه ليأتي علي سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا - يعرض له بأن رملة إنما تستعدي عليه بطلب النكاح - فقال له معاوية: يا بن الوزغ, لست هناك, فقال مروان: هو ذاك. ألآن والله إني أبو عشرة, وأخو عشرة, وعم عشرة, وقد كاد ولدي يكملون العدة, ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع مني.

فانخزل معاوية ثم قال:

فإن أك في شراركم قليلافإني في خياركم كثير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
بغاث الطير أكثرها فراخاوأم الصقر مقلاة نزور
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «تَرَى الرَّجَلَ النحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ»

فلما فرغ مروان من كلامه خضع له معاوية وقال: لك العتبى وأنا رادك إلى عملك, فوثب مروان وقال له: كلا وعيشك, لا رأيتني عائدا إليه أبدا, وخرج.

فقال الأحنف بن قيس لمعاوية - وكان حاضرا -: ما رأيت قد لك سقطة مثلها, ما هذا الخضوع لمروان؟ وأي شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأي شيء تخشاه منهم؟. فقال أدن مني حتى أخبرك بذلك. فدنا منه فقال له: أن الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أختي أم حبيبة لما زفت إلى النبي ﵌, وهو تولى نقلها, فجعل رسول الله ﵌ يحد النظر إليه, فلما خرج من عنده قيل له: يا رسول الله لقد أحددت النظر إلى الحكم؟ فقال: ابن المخزومية ذلك الرجل إذا بلغ ولده ثلاثين, أو قال: أربعين, ملكوا الأمر بعدي, فوالله لقد تلقاها مروان من عين صافية. فقال له الأحنف: لا يسمعن هذا منك أحد, فإنك تضع من قدرك وقدر ولدك, وأن يقض الله أمرا يكن, فقال معاوية: فاكتمها علي يا أبا عمرو إذن, فقد لعمري صدقت ونصحت.

ومن لطيف التلميح المذكور أيضاً, ما حكي أنه دخل عبد الحميد بن سعيد بن مسلم الباهلي ومعه ابنه الأفوه - وكان مبغما - فتخلى الناس حتى بلغ إلى عمر بن فرح المذحجي, فلما قرب منه قال له: من هذا؟ قال: ابني أصلحك الله, وهل يخفى القمر؟ فقال: إن كان كذلك فرفع عنه حاشية الأزرار.

أراد قول بشار بن برد:

إذا أعيتك نسبة باهليفرفع عنه حاشية الأزرار
على أستاه سادتهم كتابموالي عامر وسما بنار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «دعيني يا أميرة من سرار»

ومنه حمزة بن بيض الحنفي الشاعر قدم على بلال بن بردة, وكان كثير المزاح معه, فقال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي, فدخل الحاجب فأخبره به, فقال: أخرج فقل له: حمزة بن بيض ابن من؟ فقال له: أدخل فقل له: الذي جئت إليه وأنت أمرد, فسألته أن يهب لك طائرا, فأدخلك وناكك ووهب لك الطائر, فشتمه الحاجب, فقال له: ما أنت ذا؟ بعثتك برسالة فأخبره الجواب, فدخل الحاجب وهو مغضب, فلما رأه بلال ضحك وقال: ما قال لك قبحه الله؟ فقال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال. فضحك حتى فحص برجله الأرض وقال له: قد عرفنا العلامة فأدخله, فدخل وأكرمه, وسمع مديحه, وأحسن وصلته.

وأراد بلال: ابن بيض ابن من؟ قول القائل فيه:

أنت ابن أبيض لعمري لست أنكرهفقد صدقت ولكن من أبو بيض

ومن التلميح الدقيق ما حكي أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرأه ولا يعلم معناه وهو مفكر, فقال: ما الذي أحزن الأمير؟ قال كتاب ورد من أمير المؤمنين لا أعلم معناه, فقال: إن رأى الأمير أعلامي به, فناوله إياه وفيه: أما بعد فأنك سالم والسلام. فقال قتيبة: مالي أن استخرجت لك ما أراد؟ قال: ولاية خرسان, قال: إنه ما يسرك أيها الأمير ويقر عينك.

إنما أراد قول الشاعر:

يديرونني عم سالم وأديرهموجلدة بين العين والأنف سالم

أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر. فولاه خرسان.

ويشبه هذه الحكاية: أن الحجاج كتب إلى عبد الملك كتابا يغلظ فيه أمر الخوارج, ويذكر فيه حال قطري وغيره وشدة شوكتهم, فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكري زيدا والسلام.

فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك, فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب فلم يعلم أحد منهم ما أراد. فقال: من جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم. وورد رجل من أهل الحجاز متظلم من بعض العمال, فقال له قائل: أتعلم ما أوصى به البكري زيدا؟ قال: نعم أعلمه, فقيل له: فأت باب الأمير فأخبره ولك عشرة آلاف درهم.

فدخل عليه وسأله فقال: نعم أيها الأمير أنه يعني قوله:

أقول لزيد لا تترتز فإنهميون المنايا دون قتلك أن قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وان أبوافعرضه نار الحرب مثلك أو مثلي
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترىفشب وقود النار بالحطب الجزل
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

فقال الحجاج: أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني, وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا, وأصبت أيها الأعرابي, ودفع إليه الدراهم.

وكتب الحجاج إلى المهلب, إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا, وأنا أوصيك بذلك, وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه. فنظر وصية الحارث بن كعب فإذا فيها: يا بني كونوا جميعا ولا تكونوا شيعا فتفرقوا, وترووا قبل أن تنزوا, فموت في قوة وعز, خير من حياة في ذل وعجز. فقال المهلب: صدق البكري, وصدق الحارث وأصاب.

ومن لطائف التلميح قصة المنصور مع الهذلي. فقد روي أنه وعده بجائزة ثم نسي, فحجا معا ثم مرا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة, فقال الهذلي: يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:

يا دار عاتكة التي أتغزلحذر العدى وبه الفؤاد موكل

فأنكر عليه المنصور ابتداءه بالخبر من غير سؤال, ثم أمر المنصور القصيدة على خاطره ليعلم ما أراد, فإذا فيها:

أراك تفعل ما تقول وبعضهممذق اللسان يقول ما لا يفعل

فعلم أنه أراد هذا البيت, فتذكر ما وعده به فأنجزه.

ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي, وشرح ديوانه وسماه معجز أحمد, وكان يقول: إن المتنبي نظر إلي بلحظ الغيب حيث يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

فاتفق أنه حضر يوما مجلس الشريف المرتضى فجرى فيه ذكر أبي الطيب المتنبي, فأخذ المرتضى في هضم جانبه, فقال المعري: يا مولانا لو لم يكن للمتنبي من شعر إلا قوله (لك يا منازل في القلوب منازل) لكفاه. فغضب الشريف وأمر الغلمان بسحبه وإخراجه, فأخرج مسحوبا. فلامه الحاضرون على ذلك, فقال لهم: أنكم لا تدرون ما عنى بذكر هذا البيت.

إنما عنى به قوله في هذه القصيدة:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

فعجبوا من ذكاء الشريف فهمه لما عناه.

ومن لطيف التلميح بهذا البيت أيضاً ما حكاه صاحب الحدائق: أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ في كتابه - قلائد العقيان - فقال فيه: رمد عين الدين, وكمد نفوس المهتدين, أشتهر سخفا وجنونا, وهجر مفروضا ومسنونا, ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة, ولا أظهر مخيلة إنابة, ولا استنجى من حدث, ولا شجى فؤاده مواراة في حدث, ولا قر بباريه ومصوره, ولا فر عن تباريه في ميدان تهوره. الإساءة إليه أجدى من الإحسان, والبهيمة لديه أهدى من الإنسان, إلى غير ذلك. فبلغ ابن الصائغ انتقاصه له, فمر يوما على الفتح وهو جالس في جماعة فسلم على القوم, وضرب على كتف الفتح وقال له: شهادة يا فتح, ومضى, فلم يدر أحد من القوم ما أراد بذلك إلا الفتح, فأنه تغير لونه, فقيل له: ما قال لك؟ فقال: إني وصفته بكتابي بما تعملون, فما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة.

فإنه يشير إلى قول المتنبي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

ويقرب من هذا التلميح الدقيق ما حكاه أبو الوليد إسماعيل الشقندي - نسبة إلى شقندة, بالشين المعجمة, قرية مطلة على نهر قرطبة, مجاورة لها من جهة الجنوب - قال: كنت يوما بين يدي الفقيه الرئيس أبي بكر بن زهر, فدخل علينا رجل عجمي من فضلاء خرسان - وكان ابن زهر يكرمه - فقلت له: ما تقول في علماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم؟ فقال: كبرت, فلم أفهم مقصده, واستبردت ما أتى به, وفهم عني أبو بكر بن زهر أني نظرته نظرة المستبرد المنكر فقال لي: أقرأت شعر المتنبي؟ قلت: نعم وحفظت جميعه, قال: فعلى نفسك إذن فلتنكر, وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم.

فذكرني بقول المتنبي:

كبرت حول ديارهم لما بدتمنها الشموس وليس فيها المشرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

فاعتذرت إلى الخرساني وقلت له: والله قد كبرت في عيني بعدما صغرت نفسي عندي حين لم أفهم نيل مقصدك.

ومن ذلك أيضاً قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بن حمدان بسبب المتنبي, فإنهما كانا من شعرائه ومداحه فجرى ذكر المتنبي يوما بحضرة سيف الدولة, فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه وعلى شعره, فقال له السري: أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لا عارضها, ويتحقق بذلك أنه أركب في غير سرجه. فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدة القافية التي مطلعها:

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقيوللحب ما لم يبق منه وما بقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختارات أبي الطيب, ولكني رأيته يقول فيها:

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غباري ثم قال له الحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

فعلمت أن سيف الدولة إنما أشار إلى هذا البيت فأعرضت عن معارضته.

ومن ذلك أيضاً ما حكاه الشيخ الفاضل الأديب عبد علي بن ناصر الشهير بابن رحمة الحويزي في كتابه - المعول في شرح شواهد المطول -: أنه جرى بين السيّد علي بن بركات الحسني والشريف زيد بن محسن أمير مكة المشرفة عتاب طال به الخطاب, وكان السيّد علي بن بركات شيخا عالي السن, والشريف زيد شابا.

فأنشد السيّد علي قول الطفرائي:

هذا جزاء امرئ أقرانه درجوامن قبله فتمنى فسحة الأجل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

فغضب الشريف زيد وقال: لم ترد هذا, وإنما أردت ما قبله وهو:

ما كنت أحسب أن يمتد بي زمنيحتى أرى دولة الأوغاد السفل

انتهى بالمعنى.

ومن الطريف التلميح أيضاً ما يحكى أن رجلا قعد على جسر بغداد, فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى جانب الغربي, فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم, فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري, وما وقفا بل سارا مشرقا ومغربا. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت لها: لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم, وما أردت بأبي العلاء المعري فضحكت.

فقالت: أراد بابن الجهم قوله:

عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وأردت أنا بأبي العلاء قوله:

فيا دارها بالخيف أن مزارهاقريب ولكن دون ذلك أهوال

ومثل ذلك بعينه ما حكاه الشيخ فتح الدين بن السيّد الياس: أن الشيخ بهاء الدين النحاس دخل إلى الجامع الأزهر يوما, فوجد أبا الحسين الجزار جالسا إلى جانبه وإلى جانبه مليح, ففرق بينهما وصلى ركعتين, ولما فرغ قال لأبي الحسين الجزار: ما أردت إلا قول ابن سناء الملك, فقال أبو الحسين: وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق.

أراد ابن النحاس قول ابن سناء الملك:

أنا في مقعد صدقبين قواد وعلق

وأراد الجزار قول السراج الوراق:

ومهفهف راض الأبي فقاده سلس القياد

لما توسط بينناجرت الأمور على السداد

ومن لطيفه أيضاً ما روي: أن أحمد بن يوسف الوزير دخل على المأمون, وعريب جاريته تغمز رجله, فخالسها النظر وأومى إليها بقبلة فقالت: كحاشية البرد, فلم يدر ما أرادت, فحدث بذلك محمد بن بشير فقال له: أنت تدعي الفطنة ويذهب عليك مثل هذا؟ أرادت طعنة وعنت قول الشاعر:

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

ومنه قول الحريري: وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته, وأعددت له الأهب قبل موافاته.

يريد قول ابن سكرة:

جاء الشتاء وعندي من حوائجهسبع إذا الغيث عن حاجاتنا حبسا
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
كن وكيس وكانون وكأس طلامع الكباب وكس ناعم وكسا
للشاعر أبو نصر الدغلاباني الطالقاني، اقرأ القصيدة

وقال الآخر وفيه تلميحان:

يقولون كافات الشتاء كثيرةوما هن إلا واحد غير مفترى
إذا صح كاف الكيس فالكل حاصللديك وكل الصيد في باطن الفرى

لمح بكافات الشتاء إلى بيتي ابن سكرة, ولمح بقوله (وكل الصيد في باطن الفرى) إلى المثل المشهور (كل الصيد في جوف الفرى) وأصله: أن قوما خرجوا للصيد, فصاد أحدهم ظبيا, والآخر أرنبا, وأخر فرى, أي حمارا وحشيا, فقال لأصحابه في جوف القرى, يعني أن ما صاده كلكم يسير بالنسبة إلى ما صدته. ومن أظرف ما وقع من التلميح إلى بيتي ابن سكرة ما حكي: أن امرأة بارعة الجمال والأدب مرت بقوم وهي ملتفة بكساء, فقال لها بعضهم: من أنت؟ فقالت: أنا السادس في السابع. تشير إلى قوله (وكس ناعم وكسا) فكأنها قالت: أنا الكس الناعم في الكساء ونظم بعضهم هذا المعنى فقال:

رأيتها ملفوفة في كساخوفا من الكاشح والطامع
قلت لها من أنت يا هذهقالت أنا السادس في السابع

وما ألطف قول أبي الحسين الجزار ملمحا إلى بيتي ابن سكرة أيضا:

وكافات الشتاء تعد سبعاومالي طاقة بلقاء سبع
إذا ظفرت بكاف الكيس كفيظفرت بمفرد يأتي بجمع

فائدة - قال في القاموس: الكس بالضم للحر ليس من كلامهم وإنما هو مولد. وقال الأنباري في شرح المقامات الكس والسرم لغتان مولدتان وليستا بعربيتين, وإنما يقال: دبر وفرج. وقال الحافظ السيوطي في المزهر: في لفظة الكس ثلاثة مذاهب لأئمة العربية, أحدها هذا, والثاني أنه عربي ورجحه أبو حيان في تذكرته, ونقله عنه الأسنوي في المهمات, وكذا الصغاني في كتاب خلق الإنسان ونقله عنه الزركشي في تتمات المهمات.

قلت: وحكى أبو حيان عن النحاس أنه سمع من كلام العرب:

وا عجبا للساحقات الورسالواضعات الكس فوق الكس

الثالث أنه فارسي معرب, وهو رأي الجمهور ومنهم المطرزي في شرح المقامات.

ومنه أيضاً قول بعضهم:

لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظيأرق وأحنى منك في ساعة الهجر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بعقلي هذا صرت أحدوثة الركب»

ولمح فيه إلى قول الشاعر:

المستجير بعمرو عند كربتهكالمستجير من الرمضاء بالنار
للشاعر ابن الدجاجية، اقرأ القصيدة

وقول ابن حجاج وفيه تلميحان:

نبهت منه لحاجتي عمراولم أعول فيها على عمرو
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «ولي شفيع إليك شرفني»

لمح في الصراع الأول إلى قول القائل:

إذا أيقضتك حروب العدىفنبه لها عمرا ثم نم

وفي المصراع الثاني إلى البيت المذكور.

الفصل الرابع فيما وقع فيه التلميح إلى مثل. فمنه قول كعب بن زهير:

كانت مواعيد عرقوب لها مثلاوما مواعيدها إلا الأباطيل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

يشير إلى المثل المشهور (أخلف من عرقوب) وهو رجل من العمالقة, وهو عرقوب بن زهي, أحد بني شمس بن ثعلبة, أو عرقوب بن صخر, على خلاف في ذلك. وكان من خبره أنه وعد أخا له ثمرة نخلة, وقال له: ائتني إذا طلع النخل, فلما أطلع قال: إذا أبلح قال: إذا أزهى (فلما أزهى) قال: إذا رطب قال: إذا أتمر, فلما أتمر جذه ليلا ولم يعطه شيئا.

وقال ( ...) أو علقمة الأشجعي:

وعدت وكان الخلف منك سجيةمواعيد عرقوب أخاه بيترب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «وعدت وكان الخلف منك سجية»

قال التبريزي: والناس يروون (يثرب) في هذا البيت, بالثاء المثلثة والراء المكسورة, وإنما هو بالمثناة وبالراء المفتوحة: موضع بقرب مدينة الرسول ﵌, قال ابن الكلبي. قال ابن هشام: وقاله أبو عبيدة, وقد خولفا في ذلك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.