من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التلميح (٢)
قال ابن دريد: اختلفوا في عرقوب فقيل: هو من الأوس فيصح على هذا أن يكون بالمثلثة المكسورة. وقيل: من العماليق فيكون بالمثناة وبالمفتوحة, لأن العماليق كانت من اليمامة إلى وبار, ويترب هناك. قال: وكانت العماليق أيضاً في المدينة, انتهى.
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: سميت المدينة يثرب باسم الذي نزلها من العماليق, وهو يثرب بن عبيد, وبنو عبيدهم الذين سكنوا الحجفة, فأحجفت بهم السيول فسميت الحجفة.
ولا يجوز الآن أن تسمى المدينة يثرب لقول النبي ﵌: يقولون: يثرب هي المدينة. وكأنه كره هذا الاسم, لأنه من مادة التثريب, وأما قوله تعالى (يا أهل يثرب) فحكاية عمن قاله من المنافقين.
ومنه قول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصاوما علم الإنسان إلا ليعلما
يشير إلى المثل (إن العصا قرعت لذي الحلم) يضرب لمن إذا تنبه انتبه.
وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني كان من حكماء العرب لا تعدل بفهمه فهما, ولا بحكمه حكما. فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئاً فقال لبنيه: أنه قد كبرت سني, وعرض لي سهو فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره فاقرعوا لي المحجن بالعصا. يقال: أنه عاش ثلاثمائة سنة.
وهو الذي يقول:
تقول ابنتي لما رأتني كأننيسليم أفاع ليله غير مودع
وما الموت أغناني ولكن تتابعتعلي سنون من مصيف مربع
ثلاث مئين قد مررن كواملاها أنا هذا ارتجي مر أربع
فأصبحت مثل النسر طارت فراخهإذا رام تطيارا يقال له قع
أخبر أخبار القرون التي مضتولابد يوما أن يطار بمصرعي
قال ابن الإعرابي: أول من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني, وربيعة تقول: بل هو قيس بن خالد بن ذي الجدين, وتميم تقول: بل هو ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم, واليمن تقول: بل هو عمرو بن حممه الدوسي.
قال: وكانت حكام تميم في الجاهلية: أكثم بن صيفي, وحاجب بن زرارة, والأقرع بن حابس, وربيعة بن مخاشن, وضمرة بن ضمرة. غير أن ضمرة حكم فأخذ رشوة فعذر.
وحكام قيس: عامر بن الظرب, وغيلان بن سلمة الثقفي. وكانت له ثلاثة أيام: يوم يحكم بين الناس, ويوم ينشد فيه شعره, ويوم ينظر فيه إلى جماله. وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة, فخيره النبي ﵌, فأختار أربعا فصار سنة.
وحكام قريش: عبد المطلب, وأبو طالب, والعاص بن وائل.
وحكيمات العرب: صخر بنت لقمان, وهند بنت الحسن, وجمعة بنت حابس, وابنة عامر بن الظرب الذي يقال له: ذو الحلم.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌوعير قسا بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفيةوقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهةوفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر أن الحياة ذميمةويا نفس جدي أن دهرك هازل
فلمح في البيت الأول إلى أربعة أمثال. فإن الطائي وهو حاتم ويضرب به المثل في الجود, فيقال: أجود من حاتم. وقسا يضرب به المثل في البلاغة فيقال: أبلغ من قس. ومادرا يضرب به المثل في البخل, فيقال: أبخل من مادر. وباقلا يضرب به المثل في العي, فيقال: أعيا من باقل.
فأما حاتم, فهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج. كان جوادا شجاعا شاعرا مظفرا, إذا قاتل غلب, وإذا غنم أنهب, وإذا سئل وهب, وإذا ضرب بالقداح سبق؛ وإذا أسر أطلق, وإذا أثرى أنفق. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمه.
ومن حديثه, أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة, فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم, يا أبا سفانة, أكلني الأسار والقمل, فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي, وما معي شيء, وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك. ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قده حتى أتي بفدائه فأداه إليهم.
ومن حديثه. أن ماوية امرأة حاتم حدثت: أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع, فأخذ حاتم عديا, وأخذت سفانة, فعللناهما حتى ناما. ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام, فرفقت به لما به من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة. فقال لي: أنت؟ مرارا فلم أجبه, فسكت: ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل, فرفع رأسه فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة أتيتك من عند صبية جياع, فقال: أحضريني صبيانك. فو الله لأشبعنهم. قالت: قمت سريعا فقلت: بماذا يا حاتم؟ فو الله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل. فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارا. ودفع إليها شفرة وقال: أشوي وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي: أيقظي صبييك, فأيقضتهما. ثم قال: والله (أن) هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم, فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم بالنار, فاجتمعوا وأكلوا. وتقنع بكسائه, وقعد ناحية, حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير, ولم يذق منه شيئا.
وزعم الطائيون أن حاتما أخذ الجود عن أمه غنية بنت عفيف الطائية, وكانت لا تليق شيئاً سخاء وجودا.
وأما مادر, فهو رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة, وبلغ من بخله أنه سقى أبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلخ فيه ومد الحوض به فسمي مادرا لذلك, واسمه مخارق.
وفي بني هلال يقول الشاعر:
لقد جللت خزيا هلال بن عامربني طرأ بسلحة مادر
فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدهابني عامر أنتم شرار المعاشر
قال حمزة: وحدثني أبو بكر بن دريد قال: حدثني أبو حاتم, عن أبى عبيدة, أنه قرأ عليه حديث مادر فضحك. قال: فقلت له: ما الذي أضحك؟ فقال: تعجبي من تسيير العرب من أمثال لها, ولو سيروا ما هو أهم منها لكان أبلغ لها, قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل مادر هذا جعلوه في البخل مثلا بفعلة صدرت منه تحتمل التأويل. وتركوا مثل ابن الزبير مع ما يؤثر على لفظه وفعله من دقائق البخل فتركوه كالغفل.
فمن ذلك أنه نظر إلى رجل من أصحابه - وهو يومئذ خليفة يقاتل الحجاج بن يوسف على دولته, وقد دق الرجل في صدور أهل الشام ثلاثة أرماح - فقال له: يا هذا اعتزل حربنا, فإن بيت المال لا يقوى على هذا. وقال في تلك الحرب لجماعة من جنده: أكلتم تمري وعصيتم أمري.
وسمع أن مالك بن أشعر الرزامي من بني مازن أكل من بعير وحده وحمل ما بقي على ظهره. فقال: دلوني على قبره أنبشه.
وقال لرجل أتاه مجتدياً - وقد أبدع به فشكى إليه حفى ناقته -: أخصفها بهلب, وأرقعها بسبت وأنجد بها يبرد خفها. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين جئتك مستوصلا لا مستوصفا, فلا بقيت ناقة حملتني إليك. فقال: إن وصاحبها.
قال أبو عبيدة: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب, أو مالك بن زيد مناة, وحنفيف الحاتم أطباء العرب من وصف علاج ناقة الإعرابي ما تكلفه هذا الخليفة لما كانوا يعشرونه, وكان مع هذا يأكل في كل أسبوع أكلة ويقول في خطبته: إنما بطني شبر في شبر, وعندي ما عسى يكفيني.
فقال فيه الشاعر:
لو كان بطنك شبرا وقد شبعت وقدأفضلت فضلا كثيرا للمساكين
فإن تصبك من الأيام جانحةلا نبك منك على دنيا ولا دين
وأما قس, فهو قس بن ساعدة بن حذاقة بن زهير بن أياد بن نزار الإيادي وكان من حكماء العرب, وأعقل من سمع به منهم, وهو أول من كتب من فلان إلى فلان, وأول من أقر بالبعث من غير علم, وأول من قال: أما بعد وأول من قال: البينة على من أدعى واليمين على من أنكر. وقد عمر مائة وثمانين سنة.
قال الأعشى:
وأبلغ من قس وأجرى من الذيبذي الغسيل من خفان أصبح خادرا
وأخبر عامر بن شراحيل الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن وفد بكر بن وائل قدموا على رسول الله ﵌, فلما فرغ من حوائجهم قال: هل فيكم أحد يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا كلنا نعرفه, قال: فما فعل؟ قالوا: هلك, فقال ﵌: كأني به على جبل أحمر بعكاظ قائما يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا, كل من عاش مات, وكل من مات فات, وكل ما هو آت آت. أن في السماء لخبرا, وأن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع, وسقف مرفوع, وبحار تموج, وتجارة لن تبور. ليل داج, وسماء ذات أبراج. أقسم قس حقا لئن كان في الأمر رضى ليكونن بعده سخط. مالي أرى الناس يموتون فلا يرجعون؟ أرضوا؟ أم تركوا فناموا؟..
ثم أنشد أبو بكر رضي الله تعالى عنه شعرا حفظه له وهو قوله:
في الذاهبين الأولينمن القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداللموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوهايسعى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليولا نم الباقي غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
وأما باقل, فهو رجل من ربيع, وقيل من أياد. يقال: أنه أشترى ظبيا بأحد عشر درهما, فمر بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي. فلم يقدر على الكلام, فمد يديه ونشر أصابعهما, ودلع لسانه مشيرا يردي أحد عشر, وخلى الظبي فشرد.
ومنه قول بعضهم:
عشن بجد ولا يضرك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القيسي نوكا أو شيبة بن الوليد
يشير إلى حمق هبنقة المضرب به المثل واسمه يزيد بن ثروان, ويلقب بذي الودعات, أحد بني قيس بني ثعلبة, وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له, فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟.
ومن حمقه أنه اختصمت الطفاوة وبنو راسب إلى عرباض في رجل ادعاه هؤلاء وهؤلاء, فقال الطفاوة: هذا من عرافتنا, وقال بنو راسب: بل هو من عرافتنا, ثم قالوا: رضينا بأول من يطلع علينا؟ فلما دنا قصوا عليه قصتهم فقال هبنقة: الحكم عندي, أن يذهب به إلى نهر البصرة فيلقى فيه, فإن كان راسبيا رسب فيه, وإن كان طفاوياً طفا. فقال الرجل: لا أريد أن أكون واحد من هذين الحيين, ولا حاجة لي بالديوان.
ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودعة وعظام وخزف, وهو ذو لحية طويلة, فسئل عن ذلك فقال: لا عرف بها نفسي, ولئلا أضل. فبات ذات ليلة وأخذ أخوه قلادته فتقلدها, فلما أصبح ورأى القلادة في عنق أخيه قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟.
ومن حمقه أنه كان يرعى غنم أهله, فيرعى السمان في العشب, وينحي المهازيل, فقيل له: ويحك ما تصنع؟ قال: لا أفسد ما أصلح الله, ولا أصلح ما أفسده.
ولنكتف من شواهد التلميح بهذا المقدار فإنه باب لا ينتهي حتى ينتهي عنه, ونورد الآن أبيات البديعيات.
فبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
إن ألقها تتلقف كلما صنعواإذا أتيت بسحر من كلامهم
التلميح فيه هو الإشارة إلى قصة موسى ﵇ مع السحرة لما ألقى العصا.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
وتقرع السمع عن حق زواجرهقرع الرماح ببدر ظهر منهزم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
وبان في كتب التاريخ من قدمتلميح قصة موسى مع معدهم
قال ابن حجة: لم ألمح من خلال بيت الشيخ عز الدين غفر الله له لمحة تلدني على نور التلميح, لكنه ساق حكاية مضمونها: أن كتب التاريخ القديمة بان فيها تلميح قصة موسى ﵇ مع معد, والله أعلم. انتهى, وهو في محلة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ورد شمس الضحى للقوم خاضعةوما ليوشع تلميح بركبهم
قد تقدم أن هذا التلميح استعملته الشعراء كثيرا في أقوالهم, أعني التلميح برد الشمس ليوشع, فما زاد ابن حجة عليهم بشيء يعلم, إلا بإعجابه بنظمه له, وتزكيته لنفسه بما تمجه الأسماع, وتنفر عنه الطباع.
وبيت بديعة الطبري قوله:
بمعجزات أتت كم أبهرت خصماكشاة خيبر تلميحا بعجزهم
التلميح فيه إلى قصة الشاة التي أهدتها اليهودية إليه ﵌ بخيبر, وكانت قد صلتها وسمتها, فأكل منها وأكل القوم, فقال: أرفعوا أيديكم فأنها أخبرتني أنها مسمومة, والقصة مشهورة.
وبيت بديعيتي هو قولي:
تلميحه كم شفى في الخلق من عللوما لعيسى يد فيها فلا تهم
التلميح فيه هو الإشارة إلى إبراء عيسى ﵇ للمرضى. قال البغوي في تفسيره: قال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا, من أطاق منهم أن يبلغه بلغه, ومن لم يطق مشى إليه عيسى. وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان.
وأما إبراء نبينا ﵌ للمرضى فقد وردت به روايات كثيرة.
روي أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته, فردها صلى الله عليه وآله, فكانت أحسن من عينه. وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد, قال: فما ضرب علي ولا قاح.
وروى النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله, أدع الله أن يكشف لي عن بصري, قال: فانطلق فتوضأ, ثم ﷺ ركعتين, ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري. اللهم شفعه في. قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.
وروي أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء, فبعث إلى النبي ﵌, فأخذ بيده جثوة من الأرض, فتفل عليها ثم أعطاها رسوله. فأخذها متعجبا يرى أن قد هزئ به, فأتاه بها - وهو على شفا - فشربها فشفاه الله.
وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك - يقال: فويك - أن أباه ابيضت عيناه, فكان لا يبصر بهما شيئا, فنفث رسول الله ﵌ في عينه فأبصر, فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين.
ورمي كلثوم بن الحصين يوم أحد في نحره, فبصق رسول الله ﵌ فيه فبرأ. وتفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد. وتفل في عيني علي يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرئت. وفي رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب (حين قتل ابن الأشرف) فبرئت. وعلى ساق علي بن الحكم يوم الخندق إذ انكسرت فبرأ مكانه وما نزل عن فرسه.
واشتكى عليه بن أبي طالب ﵇ فجعل يدعو, فقال رسول الله ﵌: اللهم اشفه (أو عافه), ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد.
وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء. فجاء يحمل يده, فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وآله, وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب. ومن روايته أيضاً, أن حبيب بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله ﵌ بضربة على عاتقه, حتى مال شقه, فرد رسول الله ﵌ ونفث عليه حتى صح.
وأتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم, فأتي بما فمضمض فاه, وغسل يديهن ثم أعطاها إياه وأمره بسقيه, ومسه به, فبريء الغلام وعقل عقلا يفضل عقول الناس.
وعن ابن عباس, جاءت امرأة بابن لها به جنون, فسمح صدره فثع ثعة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وشفي.
وانكفأ القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل, فسمح عليه ودعا له, وتفل فيه فبريء لحينه.
وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه من القبض على السيف وعنان الدابة, فشكاها للنبي ﵌ فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر.
وسألته جارية طعاما وهو يأكل, فناولها من بين يديه - وكانت قليلة الحياء - فقالت: إنما أريد من الذي في فيك, فناولها ما في فيه - ولم يكن يسأل شيئاً فيمنعه - فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم يكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
أهل الفضائل سيماهم تبين ولاسيماهم وهي نور في وجوههم
وقال ناظمة في شرحه: معناه هم أهل الفضائل (سيماهم تبين) أي تظهر. ولا سيماهم: الأصل, ولاسيما, بياء متحركة, وهي مركبة من سي, وما؛ يستثنى بها؛ فسكنت الياء بضرورة الشعر وهو جائز؛ والضمير المتصل يعود إلى الصحابة. وقوله: وهي نور في وجوههم, يعين أثر السجود. وفي البيت التجنيس الملفق. انتهى كلامه, وكأنه يريد التلميح إلى قوله تعالى (سيماهم في وجوههم من أثر السجود).
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع