تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

التسهيم

به دعا إذ دعا فرعون شيعتهموسى فأفلت من تسهيم سحرهم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

التسهم مأخوذ من البرد المسهم أي المخطط, وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده منه. والمراد به في الاصطلاح, أن يؤسس الكلام على وجه يدل على بناء ما بعده, ومناسبته للمعنى اللغوي ظاهرة.

وقيل: سمي تسهيما لأن المتكلم يصوب ما قبل عجز الكلام إلى عجزه. والتسهيم: تصويب إلى الغرض. ومنهم من سماه (الأرصاد) من أرصد له, بمعنى أعد أول الكلام لآخره, أو لأن السامع يرصد ذهنه لعجز الكلام بما دل عليه مما قبله.

قال الشيخ صفي الدين: ومن المؤمنين من سماه (التوشيح) والتوشيح غيره, والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها, أن التسهيم يعرف به من أول الكلام آخره, ويعلم مقطعه من حشوه, من غير أن تتقدم سجعة النثر أو قافية الشعر, والتوشيح لا يعلم السجعة والقافية منه إلا بعد تقدم معرفتها.

والآخر, أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب, والتسهيم يدلك تارة على عجز البيت, وطورا على مادون العجز, بشرط الزيادة على القافية.

والثالث, أن التسهيم يدل تارة أوله على آخره, وطورا آخره على أوله, بخلاف التوشيح. فهذه الفروق ظاهرة. انتهى.

إذا عرفت ذلك فأعلم, أن التسهيم ضربان: أحدهما ما دلالته لفظية كقوله تعالى (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) فلو وقف على (أوهن البيوت) علم أن بعده (بيت العنكبوت).

ومنه قول البحتري:

أحت دمي من غير جرم وحرمتبلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحللوليس الذي حرمته بحرام
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألا هل أتاها بالمغيب سلامي»

وقوله أيضا:

فإذا حاربوا أذلوا عزيزاوإذا سالموا أعزوا ذليلا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا»

وقول القائل - وينسب إلى أمير المؤمنين علي ﵇:

ولي فرس بالجهل للجهل ملجمولي فرس بالحلم للحلم مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقومومن شاء تعويجي فإني معوج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقول ابن هاني الأندلسي:

وإذا حللت فكل واد ممرعوإذا ظعنت فكل شعب ما حل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل آجل مما أؤمل عاجل»
وإذا بعدت فكل شيء ناقصوإذا قربت فكل شيء كامل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل آجل مما أؤمل عاجل»

الثاني, ما دلالته معنوية, وأحسن شواهدها, ما روي أنه حين بلغت قراءته ﵌ في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى (ثم أنشأناه خلقا آخر) قال عبد الله بن أبي سرح: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له ﵌: أكتب هكذا نزل, فقال: إن كان محمد نبيا يوحى إليه, فأنا نبي يوحى إلي, ولحق مرتدا بمكة. فلما كان يوم الفتح أهدر النبي ﵌ دمه, فأستأمن له عثمان (وكان أخاه من الرضاعة) فأمنه وأسلم يومئذ.

ومن غريب أمثلة هذا النوع - لأنوع التوشيح كما زعم ابن حجة وغيره لما عرفته في وجوه الفرق بينهما - ما حكى جعفر بن سعيد بن عبيدة العماري قال: أتى عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن العباس ﵄ وهو في حلقة في المسجد الحرام قال: أمتعني الله بك, إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر وقد أكثر الناس في الشعر, فجئت حتى أنشدك. فأقبل عليه عبد الله بن عباس فقال: هات, فأنشده: - (تشط غد دار جيراننا) فقال ابن عباس: - (وللدار بعد غد أبعد) فقال عمر: والله ما قلت إلا كذا, فقال ابن عباس: وهكذا يكون.

وقريب من ذلك ما يحكى أن عدي بن الرقاع أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: (عرف الديار توهما فأعتادها) حتى انتهى إلى قوله فيها: - (تزجي أغن كأن إبرة روقه) ثم شغل الوليد عن الاستماع بأمر عرض له فقطع عدي الإنشاد, فقال الفرزدق لجرير - في خلال ذلك -: ما تراه قائلا؟ فقال جرير: أراه يستلهب بها مثلا, فقال الفرزدق: إنه سيقول: - (قلم أصاب من الدواة مدادها). فلما عاد الوليد إلى الاستماع, وعاد إلى الإنشاد قال كما قال الفرزدق. فقال الفرزدق: فو الله لقد سمعت صدر البيت فرحمته, فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا.

قال زكي الدين بن أبي الأصبع: الذي أقول: أن بين ابن العباس وبين الفرزدق في استخراجهما العجزين كما بينهما في مطلق الفضل, وفضل ابن العباس معلوم, وأنا أذكر الفرق. فإن بيت عدي بن الرقاع من جملة قصيدة تقدم سماع مطلعها مع معظمها, وعلم أنها دالية مردفة بألف, وهي من وزن قد عرف, ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفا لها قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه, مع العلم بسواده, وهذه القرائن لا تخفى على أهل الذوق الصحيح, أن فيها ما يدل على عجز البيت, بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء. وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي القوافي, ولا رويه من أي الحروف, ولا حركة رويه من أي ضرب هي من القوافي, ولا رويه من أي الحروف, ولا حركة رويه من أي الحركات, فاستخرج عجزه ارتجالا في غاية العسر, ونهاية الصعوبة, لولا ما أمد الله به هؤلاء الأقوام من المواد التي فضلوا بها غيرهم. انتهى كلام ابن أبي الإصبع. وإنما قال: إن بيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته ولا رويه, لأنه هو مطلع القصيدة ولم يتقدمه شيء يعلم به ذلك.

ومثل ذلك ما روي عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة فمر بالفرزدق, فقال له: هل رأيت ابن المراغة؟ قال: نعم, قال: فأي شيء أحدث بعدي؟ فأنشده:

هاج الهوى بفؤادك المهتاجفقال الفرزدق
فانظر بتوضح باكر الأحداجفأنشد الرجل
هذا هوى شغف الفؤاد مبرحفقال الفرزدق
ونوى تقاذف غير ذات خداجفأنشد الرجل
إن الغراب بما كرهت لمولعفقال الفرزدق

بنوى الأحبة دائم التشحاج ... فقال الرجل: هكذا والله قال أفسمعتها من غيري؟ قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال.

وحكي أن جريرا لما أنشد الراعي النميري قصيدته التي هجاه بها كان الفرزدق حاضرا, فلما وصل إلى قوله: (ترى برصا بمجمع إسكتيها) غطى الفرزدق عنفقته فقال جرير: (كعنفقة الفرزدق حين شابا) فقال له الفرزدق: أخزاك الله, والله لقد علمت أنك لا تقول غيرها.

ومدح أبو الرخاء الأهوازي الصاحب بن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة منها:

إلى ابن عباد أبي القاسم الصاحب إسماعيل كفاي الكفاة

فاستحسن جمعه بين اسمه وكنيته لقبه واسم أبيه في بيت واحد. ثم ذكر وصوله إلى بغداد, وملكه إياها إلى أن قال: (ويشرب الخيل هنيئا بها) فقال له: أمسك, ثم قال: تريد أن تقول:

(من بعد ماء الري ماء الفرات) فقال: هو كذا والله, فضحك.

وبيت بديعية الصفي المحلي قوله:

كذاك يونس ناجى ربه فنجامن بطن حوت له في اليم ملتقم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:

تسهيمه في الوغى حسم لمتصلتسليمه في الرضا وصل لمنحس

قال ابن حجة: بيت عز الدين رماه بالتسهيم في العكس فتشوش, إذ صار كل من النوعين يجاذبه. انتهى.

والذي أعتقده أنا أن الشيخ عز الدين أخطأ سهم تسهيمه الغرض في هذا البيت.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

كذا الخليل بتسهيم الدعاء بهأصابهم ونجا من حر نارهم

وبيت بديعية الطبري قوله:

وكل مقتحم في الحرب مبتدرلم يثنه ذاك عن تسهيم لحمهم

ما أحق الطبري أن ينشد في هذا المقام:

على نفسه فليبك من ضاع عمرهوليس له فيها نصيب ولا سهم
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «شربنا على ذكر الحبيب مدامة»

وبيت بديعيتي هو قولي:

به دعا إذ دعا فرعون شيعتهموسى فأخطأه تسهيم سحرهم

وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:

ساقي البرايا غدا ماء على قدمصدق فبورك من ساق على قدم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.