تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

المذهب الكلامي

والله لولا هداه ما اهتدى أحدلمذهب من كلام الله ذي الحكم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع أول من ذكره الجاحظ, وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكلمين, وهي أن تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمدعى.

قال بعضهم: وإنما نسبت طريقة الاستدلال إلى المتكلمين والمتكفل ببيانها أهل الميزان, لكمال اجتهادهم في استعمال قواعد الاستدلال في المطالب الكلامية, حتى صاروا علما يضرب بهم المثل في البحث وإلزام الخصوم بأنواع الدليل.

وزعم الجاحظ أن هذا النوع - أعني المذهب الكلامي - لا يوجد منه شيء في القرآن, ورد بأنه مشحون به.

قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة. ما من برهان, ولا دلالة وتقسيم وتحديد ينهي من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطب به, لكن أورده على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين, لأمرين: أحدهما, بسبب ما قاله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).

والثاني, أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام, فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون, لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا, فاخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة, ويفهم الخواص من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء.

ومن بديع ما ورد من هذا النوع في القرآن المجيد قوله تعالى (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).

فإنه تعالى ذكر الدليل على فساد قول من يضيف هذه الحوادث إلى الطبع, وحرره على وجه أسقط كثيرا من الأسئلة, بأن بين أن في الأرض قطعا متجاورات يقرب بعضها من بعض, ليسقط قوله من قال: إن الأرض إذا تباعدت أطرافها اختلفت التربة, وكان منها الطيب والخبيث, لأن ذلك يبعد في المتقارب منها. وكذلك الهواء لا يمكن أن يدعى أن تغيره هو المؤثر لأن الأراضي ما لم يتباعد بعضها من بعض لا يظهر في أهويتها التغير, وكذلك الماء إذا كان واحدا لا يمكن لأحد أن يدعي أن اختلاف الأكل راجع إلى اختلاف الماء. فدل بذلك كله أنه بفعل القادر الحكيم, ﵎.

فينبغي للمتأمل أن يتأمل هذا الكلام, ويتصفح كلام المتكلمين, هل لشيء منه هذا الحسن الرائع؟ فإنه تعالى جمع فيه بين حسن المعنى وشرف الموضوع, وجزالة اللفظ وعذوبته, مع جمع المقاصد الكثيرة في ألفاظ يسيرة, ربط بعضها ببعض بحيث حسم عنها مطاعن المعترض, فسبحانه من صانع عليم.

ومنه قوله تعالى أيضا: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أي الإعادة أهون وأسهل عليه من البدء, وكل ما هو أهون فهو أدخل في الإمكان. فالإعادة أدخل في الإمكان وهو المطلوب.

وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ (فلما أفل قال لا أحب الآفلين) أي القمر آفل وربي ليس بآفل, فالقمر ليس بربي.

وقوله تعالى: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي أنتم تعذبون والبنون لا يعذبون, فلستم ببنين له.

ومما ورد منه في الحديث, ما روي عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزل قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الأقربين) صعد ﵌ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر, يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا, فجعل الرجل منهم إذا لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو. فجاء أبو لهب وقريش, فقال ﵌: يا معشر قريش, أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فألزمهم الاعتراف أولا بأنه مخبر صادق, ليلزمهم تصديقه فيما يخبر به, ثم إذا أخبرهم حملهم اللجاج والعناد على أن لم يصدقوه. فقال أبو لهب - تبت يداه -: تبا لك لهذا جمعتنا؟ فنزلت سورة تبت.

ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵇ لما انتهت إليه أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله ﵌, قال: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير, قال ﵇: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله ﵌ أوصى بأن يحسن إلى محسنهم, ويتجاوز عن مسيئهم قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال ﵇: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم, ثم قال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول ﵌ فقال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.

تقرير الاحتجاج: - لو كانت الإمارة حقا لهم لما كانت الوصية بهم, لكنها بهم فليست الإمارة لهم. بيان الملازمة أن العرف قاض بأن الوصية والشفاعة ونحوهما إنما يكون إلى الرئيس في حق المرؤوس من غير عكس. وإما بطلان الثاني فللخبر المذكور. وأما قوله ﵇: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة, فهو كلام في قوة احتجاج له على قريش بمثل ما احتجوا به على الأنصار, وتقريره: إنهم إن كانوا أولى من الأنصار لكونهم شجرة رسول الله ﵌ فنحن أولى لكوننا ثمرته, وللثمرة اختصاص بالشجرة من وجهين: أحدهما القرب وميزته ظاهرة. والثاني أن الثمرة هي المطلوبة بالذات من الشجرة وغرسها, فإن كانت الشجرة معتبرة, فبالأولى اعتبار الثمرة. وإن لم يلتفت إلى الثمرة فبالأولى لا التفات إلى الشجرة.

ويلزم من هذا الاحتجاج أحد أمرين: إما بقاء الأنصار على حجتهم لقيام هذه المعارضة, أو كونه ﵇ أحق بهذا الأمر وهو المطلوب.

ومنه ما حكي أن الوليد قال لأبي الأقرع: أنشدني قولك في الخمر فأنشده:

كميت إذا شجت ففي الكاس وردهالها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوب
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة, فقال: لئن كان وصفي لها رابك لقد رابني معرفتك بها.

وقصد شاعر أبا دلف العجلي فقال: ممن أنت؟ قال: من تميم, فقال:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت طرق المكارم ضلت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

قال: نعم بتلك الهداية جئتك, فخجل أبو دلف, واستكتمه وأجازه.

ومنه قول النابغة من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر وقد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان من ذلك:

حلفت فلم أترك لنفسي ريبةوليس وراء الله للمرء مطلب
لئن كنت قد بلغت عني خيانةلمبلغك الواشي أغش وأكذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
ولكنني كنت امرءاً لي جانبمن الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وأخوان إذا ما مدحتهمأحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم تر هم في مدحهم لك أذنبوا

يعني لا تلمني, ولا تعاتبني على مدح آل جفنة وقد أحسنوا إلي, كما لا تلوم قوما مدحوك وقد أحسنت إليهم, فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا, كذلك مدحي لمن أحسن إلي.

وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي يسميه الفقهاء قياسا. ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال: لو كان مدحي لآل جفنة ذنبا, لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنبا, لكن اللازم باطل, وكذا الملزوم.

وقول مالك بن المرحل الأندلسي:

لو يكون الحب وصلا كلهلم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرا كلهلم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لايستطاب الماء إلا بالعلل

البيتان الأولان قياس شرطي, والثالث قياس فقهي, فإنه قاس الوصل على الماء, فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش, فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد الهجر.

وقال الآخر:

دع النجوم لطرفي يعيش بهاوبالعزائم فانهض أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهواعن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا

يعني لو كان الظفر والفوز بالمطالب بالنجوم لم يظفروا بشيء مما ظفروا به, لأنهم نهوا عنها, لكنهم مع ذلك ظفروا, فلم يكن الظفر بها.

ومنه قولي:

تريك إذا بدت ليلا محيايضيق لوصفه وسع العباره
ولولا أنه قمر تجلىلما دار الخمار عليه داره
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أشارت من لها في الحسن شاره»

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:

كم بين من أقسم الله العلي بهوبين من جاء باسم الله في القسم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

مدعاه تفضيله ﵌ على غيره من الأنبياء, واحتج على ذلك بقسم الله سبحانه به في قوله تعالى (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) ولم يقسم بغيره منهم, بل هم أقسموا به سبحانه؛ وشتان بين المنزلتين.

والعمر بالفتح بمعنى العمر بالضم, إلا أنهم خصوا القسم بالفتح لإيثار الأخف. قال المفسرون: خاطب سبحانه رسول الله ﵌, وأقسم بحياته كرامة له, وما أقسم بحياة أحد قط, وذلك يدلك على أنه أكرم الخلق على الله سبحانه.

وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:

لو لم تحط كفه بالبحر ما شملتكل الأنام وأروت قلب كل ظمى
للشاعر ابن جابر الأندلسي، اقرأ القصيدة

احتج على ما تقدم من الحكم بأن كفه ﵌ محيطة بالبحر, بأنها لو لم تكن كذلك لما شملت كل إنسان, وأروت كل ظمئ لكنها شملت وأروت, فثبت أنها محيطة به.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

ومذهب في كلامي أن بعثتهلو لم تكن ما تميزنا على الأمم

وبيت بديعية الطبري قوله:

أليس لولاه ما كنا الخيار ولابمذهب من كلام لاحق ملتزم

وبيت بديعيتي هو قولي:

والله لولا هداه ما اهتدى أحدلمذهب من كلام الله ذي الحكم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

تقرير الاحتجاج فيه: - أنه لو لم يثبت هداه لما اهتدى أحد لمذهب من كلام الله, لكن اهتدى كثير له ثبت هداه ﵌, لأنه هو الذي جاء بكلام الله سبحانه.

وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:

هل من ينادي غدا رب النجاة كمنبه ينادى اشفعن للعرب والعجم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.