من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
تجاهل العارف
تجاهل العارف الباغي فقال لهأمعجز ما نرى أم سحر مجترم
تجاهل العارف هو كما سماه السكاكي: سوق المعلوم مساق غيره لنكتة. قال: ولا أحب تسميته بالتجاهل, لوروده في كلام الله تعالى.
والتسمية الأولى لابن المعتز, وخصه بعضهم بأن يكون على طريق التشبيه, ليوهم أن شدة التشبيه بين المشبه والمشبه به أحدثت التباس أحدهما بالآخر, وفائدته المبالغة كقول البحتري:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباحأم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
فإنه يعلم أن الابتسام غير لمع البرق وضوء المصباح, لكنه لما قصد المبالغة في وصفه باللمعان والضياء, استفهم استفهام من لا يعلم, حتى كأنه من شدة الشبه بينهما التبس عليه أحدهما بالآخر, والمشهور الأول, أعني سوق المعلوم مساق المجهول, سواء كان على طريق التشبيه أو غيره, لكن لا بد له من نكتة, كالمبالغة في المدح, أو الذم, أو التعظيم, أو التحقير؛ أو التوبيخ؛ أو التقرير؛ أو التدله؛ أو التعريض, أو غير ذلك.
قال التفتازاني: ونكت التجاهل أكثر من أن يضبطها العالم.
فمما ورد منه للمبالغة في المدح قول حسان بن ثابت:
أنسيم ريقك أخت آل العنبرهذا أم استنشأته من مجمر
وبديد ثغرك ما أرى أم لمحةمن بارق أم معدن من جوهر
وقول مهيار الديلمي ﵀ وفيه التعظيم والتدله:
أمن بابل أم من نواظرك السحرأمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه أم حادث النوىوهل هو شوق بين جنبي أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أسالهدمي أم دموع العاشقين أم القطر
وقول ظافر بن القاسم الحداد:
يا أيها الرشأ الذي من طرفهسهم إلى حب القلوب نفاذه
در يلوح بفيك من نظامهخمر يجول عليه من نباذه
وقناة ذاك القد كيف تقومت=وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه وقول مهذب الدين الطرابلسي:
من ركب البدر في صدر الردينيوموه السحر في حد اليماني
وأنزل القمر الأعلى إلى فلكمداره في القباء الخسرواني
وقول عمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصب من منىولي نظر لولا التحرج عارم
فقلت أشمس أم مصابيح راهببدت لك خلف السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط أما لنوفلأبوها وأما عبد شمس وهاشم
ومما ورد من هذا النوع للمبالغة في التعجب, وقد نص الشاعر عليه قول نصر بين سيار:
أرى خلل الرماد وميض جمرويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالزندين تورىوإن الحرب أولها كلام
أقول من التعجب ليت شعريأأيقاض أمية أم نيام
ومنه للمبالغة في المدح قول ابن مليك الحموي:
أوميض برق بالحمى يتوهمأم ثغر صبح نواله يتبسم
وسحاب مزن أم غمام ماطرأم بحر جود بالمكارم مفعم
وأخو حروب عند مشتبك القناأم فيلق قد سار وهو عرمرم
ومحله حرم غدا أم ملجأأم كعبة الراجين حين تيمموا
وقوله:
طراز ذاك العذار من رقمهودر دمعي بفيه من نظمه
وخاله فوق كنز مبسمهبالمسك قفلا عليه من ختمه
وقول التلعفري:
أتلك قدود أم غصون موائدونور نضيد فوقها أم قلائد
وهاتيك غيد آنسات نواعمبدت أم ظباء نافرات شوارد
وقولي:
معاطف أم رماح سمهرياتوأعين أم مواض مشرفيات
يا قاتل الله ألحاظا سفكن دميأكان عندي لها في الحب ثارات
وقلت بعده:
سل عن دمي عندما تلقاك مسفرةتخبرك عنه الخدود العندميات
ما بلبل القلب من وجد ومن ولههواي لولا العيون البابليات
وما أبرئ نفسي إنها حكمتبالحب فاحتكمت فيها الصبابات
وليس بدعا فكم بالعشق قد بليتقبلي نفوس عن البلوى أبيات
يا عاذلي في الهوى أسرفت في عذليوكأن يكفيك لو أجدت إشارات
كيف السلو وأشواقي في مضاعفةوبين حبي وسلواني منافات
هيهات قلبي عصاني في محبتهملما غدا وله في الحب طاعات
وما ربوع الهوى يوما بدارسةوقد وفت لي الحسان العامريات
لي من سعاد سعادات أفوز بهايوم اللقاء ومن لبنى لبانات
وفي غرامي سر لا أبوح بهوللمحبين أسرار خفيات
لا أنكرن الهوى من بعدما تليتعلي من سور الأحباب آيات
فخذ صحيح الهوى عني ومسندهفكم بإسناده عندي روايات
ومن يناظرني فيه وقد نشرتعلى مفارق لهوي منه رايات
واستفرغته صباباتي فما بقيتبعدي لأهل الهوى إلا صبابات
ومن البديع في هذا الباب قول ابن هاني المغربي من قصيدة يمدح جعفر بن علي أمير الزاب:
أبني العوالي السمهرية والمواضي المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنهتحت السوابغ تبع في حمير
يحكى أنه لما أنشدها ترجل العسكر كله, ولم يبق أحد راكبا سوى المعز, فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرار غيره.
وقول القاضي الفاضل, يمدح الملك العادل:
أهذه سير في المجد أم سوروهذه أنجم في السعد أم غرر
وأنمل أم بحار والسيوف لهاموج وافر ندها في لجها درر
وأنت في الأرض أم فوق السماء وفييمينك البحر أم في وجهك القمر
وقول ابن نباتة السعدي:
والله لا أدري أكانت مدامةمن الكرم تجنى أم من الشمس تعصر
إذا صبها جنح الظلام وعبهارأيت ظلام الليل يطوى وينشر
وقول الآخر:
والله ما أدري بأي صفاتهملك القلوب فأوثقت في أسره
أبوجهه أم شعره أم نحرهأم ثغره أم ردفه أم خصره
ومما ورد للتقرير قول مهيار الديلمي:
طرفك والمسحور يقسم بالسحرأعمدا رماني أم أصاب ولا يدري
وما أحسن ما قال بعده, ولم يخرج بالاستطراد عما نحن فيه:
تعرض لي في القانصين مسددالإشارة مدلول السهام على النحر
رنا اللحظة الأولى فقلت مجربفكررها أخرى فأحسست بالشر
فهل ظن ما قد حرم الله من دميمباحا له أم نام قومي على الوتر
ومن بديع هذا النوع في المبالغة في النحول, قول أبي العباس أحمد بن محمد النامي:
حقا أن قاتلت زرودوإن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتىتبين موقفي أني الفقيد
وشكت في عذالي فقالوالرسم الدار أيكما العميد
ومنه قول الثعالبي:
لي فاتن سيد يعلمنيبحسنه كيف يعبد الصنم
لما رآني وفي يدي قلملم يدر مولاي أينا القلم
وقول السري الرفاء:
إذا ما الراح والأترج لاحالعينك قلت أيهما الشراب
هتف الصبح بالدجى فاسقنيهاخمرة تترك الحليم سفيها
لست أدري لرقة وصفاءهي في كأسها أم الكأس فيها
وقول أبي إسحاق الصابي: تورد دمعي إذ جرى ومدامتي=فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فو الله ما أدري أبالخمر أسبلتجفوني أم من عبرتي كنت أشرب
وقول أحمد بن المغلس:
أبروق تلألأت أم ثغوروليال دجت أم شعور
وغصون تأودت أم قدودحاملات رمانهن الصدور
وقول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز:
من أين للعارض الناري تلهبهوكيف طبق وجه الأرض صيبه
هل استعان جفوني فهي تنجدهأم استعار فؤادي فهو يلهيه
وقول أبي الفتح المحسر بن علي البديع من أهل حمص:
بالذي ألهم تعذيبي ثناياك العذابا
ما الذي قالته عينا_ك لقلبي فأجابا ومنه في المدح قول البديع الهمذاني:
تعالى الله ما شاءوزاد الله إيماني
أأفريدون في التاجأم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادتإلينا بسليمان
وقول مهيار الديلمي:
أتراها يوم صدت أن أراهاعلمت أني من قتلى هواها
أم رمت جاهلة ألحاظهالم تميز عمدها لي من خطاها
وما أحسن ما قال بعده:
لا ومن أرسلها مفتنةتجرح النسك بجمع وقضاها
ما رمى نفسي إلا واثقأنه يقضي عليها من رماها
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
ليت شعري أمليك في الورىأنت يا إنسان عيني أم ملك
وقولي في مطلع قصيدة:
من عم طلعتك الغراء بالبلجوخص مبسمك الدري بالفلج
وموه السحر في جفنيك فاتفقاعلى استلاب النهى بالغنج والدعج
وضاعف الورد في خديك حين بداريحان عارضك السبكي بالضرج
وقول مهيار الديلمي:
سألت طيبة ما هذا النحولأسقام باح أم هم طويل
أهلالا بعد أن أقمر ليأم قضيبا ومشى فيه الذبول
أنت والأيام ما أنكرتهوبلاء المرء يوم أو خليل
قتلتني وانبرت تسأل بيأيها الناس لمن هذا القتيل
وقول الآخر:
إنسانة الحي أن أدمانة السمربالنهي رقصها لحن من الوتر
ياما أميلح غزلانا شدن لنامن هؤليائكن الضال السمر
تالله يا ظبيات القاع قلن لناليلاي منكن أم ليلى من البشر
وقول شيخنا محمد الشامي:
بالله قولا لنسيم الصبالا تعجلن إني كسير الجناح
وناشدا عني عيون المهاأكان جدا كسرها أم مزاح
وقوله:
بيني وبينك يا ظباء الأجرععهد أضيع وحق دين مارعي
لي عندكن وديعة وأظنهاقلبي فإني لا أرى قلبي معي
قالت وقد خطرت بعطفيها الصباهيل الكثيب على كواعب أربع
أي القلوب فإنهن كثيرةعندي فقلت أخفهن إذ دعي
وقول أبي فراس:
تسائلني من أنت وهي عليمةوهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوىقتيلك قالت أيهم فهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشقوإن يدي مما علقت به صفر
وما أحسن قول أبي الحسن علي بن محمد التهامي:
وموقف لولا التقى لالتقىفيه نجادي ونظام الوشاح
قلت لخلي وثغور الربىمبتسمات وثغور الملاح
أيهما أبهى ترى منظرافقال لا أعلم كل أقاح
أبان لنا من درة ودعاعقودا وألفاظا وثغرا وأدمعا
وأبدى لنا من دله وجبينهومنطقة ملهى ومرأى ومسمعا
فقلت أوجه لاح من تحت برقعأم البدر بالغيم الرقيق تبرقعا
وقوله:
أرأيت طرفك نابل أم سائفأم نافث للسحر أم خمار
وقوله:
لعينك وخزة في كل قلبأأشفار جفونك أم شفار
وقوله:
أتاني منك ذكر لو يناديبه الأموات كان لهم معادا
ثناء أم ثنايا أقحوانتبسم عن مباسمها فرادى
ومن التحقير قوله يمدح أبا نصر الكاتب:
من حاتم جودا إذا ذكر الندىمن سيف ذي يزن من الأقوام
من قسهم نظما ومن فصحاؤهمنثرا ومن لقمان في الأحكام
من يوسف في عفة وصباحةمن مثله علما من الأعلام
ولا يخفى ما في البيت الأخير من المبالغة القبيحة.
ومنه قول الآخر:
أسائل عن ثمالة كل حيوكلهم يقول وما ثمالة
فقلت محمد بن سعيد منهمفقالوا الآن زدت بهم جهالة
ومنه في المديح قول ابن قلاقس:
أكوكب بشر من جبينك لائحوصيب يسر من يمينك سافح
وإلا فماذا البرق والغيم مقنعوماذا النوال السكب والجو واضح
ومما هو للتوبيخ قول حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بكفءفشركما لخيركما الفداء
ومما هو للتقرير قول جرير:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
ومما هو للذم قول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
وفيه دلالة على أن (القوم) للرجال خاصة. قال تعالى "لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء".
ومما هو للتحقير قول الآخر:
يقولون هذا عندنا ليس ثابتاومن أنتم حتى يكون لكم عند
وقول الباخرزي:
قالت وقد فتشت عنها كل منلاقيته من حاضر أو باد
أنا في فؤادك فارم لحظك نحوهترني فقلت لها وأين فؤادي
وقول العميد أبي سهل محمد بن الحسن:
يا دهرنا أينا أشجى ببينهمأأنت أم أنا أم ريا أم الدار
وقول أبي الطيب المتنبي:
من الجآذر في زي الأعاريبحمر الحلى والمطايا والجلابيب
وما أحسن ما قال بعده منكرا على نفسه هذا التجاهل:
إن كنت تسأل شكا في معارفهافمن بلاك بتسهيد وتعذيب
ومما ورد منه للتوبيخ قول الخارجية:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاكأنك لم تجزع على ابن طريف
وقوله تعالى "فهل عسيتم إن توليتم أن تفيدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم".
فلو عدل عن الاستخبار المتضمن للتوبيخ إلى تصريح الأخبار, بأنكم إذا توليتم أمر الناس أفسدتم, وقطعتم الأرحام, للبسوا له جلد النمر, ولكن إذا تأملوا في الاستخبار أنصفوا وأذعنوا.
ومما ورد للتدله, ما وقع كثيرا في خطابهم للأطلال والرسوم والمنازل والأيام وغيرها, والاستفهام عنها كقول مهيار:
نشدتك يا بانة الأجرعمتى رفع الحي من لعلع
وهل مر قلبي بالتابعينأم خار ضعفا فلم يتبع
وقول ذي الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكماهل الأزمن اللاتي مضين رواجع
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمىثلاث الأثافي والديار البلاقع
ومما ورد للتحقير قوله تعالى حكاية عن الكفار"هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد" يعنون محمدا صلى الله وآله وسلم, كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما, وهو عندهم أظهر من الشمس. قال بعضهم: وينبغي أن يسمى هذا تجهيل العارف, لأنهم جهلوهم مع كونهم عارفين به ﵌ لغرض فاسد لهم لعنهم الله.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله:
يا ليت شعري أسحر كان حبكمأزال عقلي أم ضرب من اللمم
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
إذا بدا البدر تحت الليل قلت لهأأنت يا بدر أم مرأى وجوههم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
وعارف مذ بدا بدري تجاهل ليوقال حبك أم ذا البدر في الظلم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفةقلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم
وبيت بديعية الطبري قوله:
سراة حسن بدوا قلنا سنا قمرتجاهلا أم سنا برق على أضم
وبيت بديعيتي هو:
تجاهل المعارف الباغي فقال لهأمعجز ما نرى أم سحر مجترم
لا يقال ما في هذا البيت من المدح شيء سوى أنه حكاية حال لتجاهل الكفار. لانا نقول المدح في مفهومه, وهو بيان أن من شك في معجزه ﵌ إنما شك عنادا, وأظهر شكه تجاهلا, فهو من باب تجاهل العارف المعاند, وإلا فمعجزه صلى الله عليه وآله قد تحقق إعجازه لكل ذي بصر, آمن من آمن, وكفر من كفر.
وبيت بديعية المقري قوله:
هل بين بدري وبين الأفق من نسبفالكل للجد سام قد عزي ونمي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع