تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي

هو العوالم عن حصر بأجمعهاوملحق الجزء بالكلي في العظم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع من مستخرجات ابن الأصبع, وعرفه بان يأتي المتكلم إلى نوع ما فيجعله له جنسا بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس, كقوله تعالى "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر" فإنه ﷾ تمدح بأنه يعلم ما في البر والبحر من أصناف الحيوان والنبات والجماد, لاحتمال أن يظن ضعيف, أنه ﷻ يعلم الكليات دون الجزئيات, فإن المولدات وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم, فكل واحد منها كلي بالنسبة على ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف, فقال لكمال التمدح "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك, فتمدح بما لا يشاركه فيه أحد ففال "ولا حبة في ظلمات الأرض" ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات حيث قال "ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين".

ومثاله من النظم قول السلامي:

إليك طوى عرض البسيطة جاعلقصارى المطايا أن يلوح لها القصر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
فكنت وعزمي في الظلام وصارميثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
فبشرت آمالي بملك هو الورىودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة

فإنه قصد تعظيم الممدوح, وداره التي قصده فيها, ويومه الذي لقيه فيه, فجعل الممدوح جميع الورى وهو جزء منه, وداره الدنيا وهي جزء منها, ويومه الدهر وهو جزء منه, فجعل الجزئي كليا وحصر أقسام الجزئي. لأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان ومكان, فقد حصر ذلك. قال الصفي وفي هذا الحصر نظر.

وقد أخذ هذا المعنى القاضي الأرجاني فقال من قصيدة:

يا سائلي عنه لما جئت أمدحههذا هو الرجل العاري من العار
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «يا سائلي عنه لما جئت أمدحه»
رأيته فرأيت الناس في رجلوالدهر في ساعة والأرض في دار

وكرر السلامي هذا المعنى في شعره لكنه لم يكمله, فأتى ببعضه في بيت من قصيدة وهو:

أنت الأنام فمن أدعو وحضرتك الدنيا فأين أقضي بعض أوطاري

واستعمله المتنبي أيضاً فقال:

هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

وقوله أيضاً:

هديه ما رأيت مهديهاإلا رأيت العباد في رجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

وقوله:

ولقيت كل الفاضلين كأنمارد الإله نفوسهم والأعصرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

والسابق إلى هذا المعنى أبو نواس في قوله يمدح الأمين والخطاب لناقته:

متى تحطي إليه الرحل سالمةتستجمعي الخلق في تمثال إنسان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»

وقوله في الفضل بن الربيع:

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وقال آخر في مرثية:

فيا قبره كيف احتويت على الورىويا لحده كيف اشتملت على البحر

والأصل في هذا كله قوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" قال المفسرون في أحد الوجوه: أي أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير.

وبيت بديعية الصفي قوله:

شخص هو العالم الكلي في شرفونفسه الجوهر القدسي في عظم

قال في شرحه: هذا من جعل الجزئي كليا فقط, لكون البيت الواحد لا يسع جميع تلك القيود. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

فألحق الجزء بالكلي منحصراإذ دينه الجنس للأديان كلهم

هذا البيت ليس فيه من هذا النوع إلا الإشارة إلى اسمه في صدر البيت, وأما المعنى الذي تقرر له فلم يسلم به. ولا يخفى ما في النصف الأخير من المحذور معنى ولفظا.

وبيت البديعية ابن حجة قوله:

ألحق بحصر جميع الأنبياء بهفالجزء يلحق بالكلي للعظم

أطنب ابن حجة على جاري عادته في الإعجاب بكلام نفسه في وصف هذا البيت, حتى قال: وما أعلم له في هذا الباب نظيرا لتحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة إيضاحه.

ومن تأمل تعريف هذا النوع الذي قرره له مخترعه زكي الدين بن أبي الأصبع, علم أن بيت ابن حجة ليس فيه جعل الجزئي كليا بوجه, فضلا عن حصر أقسام الجزئي, نعم لو قال مثلا: نبي هو الأنبياء, كما قال السلامي: ملك هو الورى, وكما قال الصفي: شخص هو العالم, كان قد جعل الجزئي كليا بالمعنى المذكور. وأما قوله (ألحق بحصر جميع الأنبياء به) فلا يدل على هذا المعنى, بل مدلوله: انك اجعل جميع الأنبياء مثله, أو أتبعهم إياه ليلحقوا به, من قولك: ألحقت هذا بهذا, أي جعلته مثله وفي رتبته. ومنه إلحاق الجزئي بالكلي أي جعله كليا, أو من ألحقت زيدا بعمرو أي أتبعته إياه فلحق, وليس في هذا ما يدل على المقصود من هذا النوع والله أعلم.

وبيت الطبري قوله:

جزئي هو العالم الكلي في رتبعليا فما فوقها مرقى لمستنم

وصفه ﵌ بالجزئي لا يخفى قبحه, وإن كان قد جعله كليا, على أنه قد فاته نصف الاسم من هذا النوع.

وبيت بديعيتي هو:

هو العوالم عن حصر بأجمعهاوملحق الجزء بالكلي في العظم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

وبيت المقري قوله:

فرد أتى سابقا وهو الورى معهآي هي الدين والدنيا لمعتصم

قال ناظمه في شرحه: وصف الممدوح بأنه فرد, ثم قال: وهو الورى معه آي, ثم قال: هي الدين والدنيا, فالحق الجزئي بالكلي بوصفين, بعد أن حصرهما. انتهى.

وأقول: أما إلحاق الجزئي بالكلي فمسلم, وأما حصرهما فممنوع, إذ المراد بحصر الجزئي في هذا النوع حصر الأقسام والأنواع فيه, وأين هذا المعنى في البيت؟.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.