من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التشبيه
ماضيه كالبرق والتشبيه متضحينهل في أثره ما لاح صوب دم
التشبيه ركن من أركان البلاغة. قال أبو العباس المبرد: لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يبعد. ولهم في تعريفه عبارات, فعرفه جماعة: بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى.
وقال الزنجاني: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف, هو من أوصاف الشيء في نفسه, كالشجاعة في الأسد, والنور في الشمس. وقال الطيبي: هو وصف الشيء بمشاركة الآخر في معنى.
وقال ابن أبي الأصبع: هو إخراج الأغمض إلى الأظهر.
وقال بعضهم: هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه.
وقال آخر: هو أن يثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن التشبيه مما اتفق العقلاء على شرف قدره, وفخامة أمره في فن البلاغة, وأنه إذا جاء في أعقاب المعاني أفادها جمالا, وزادها كمالا, وضاعف قواها في تحريك النفوس إلى المقصود بها على اختلاف فنونها, وإن أردت تحقيق ذلك, فانظر إلى.
قول البحتري:
دان على أيدي العفاة وشاسععن كل ند في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضؤهللعصبة السارين جد قريب
وقول السري وفاء:
أصبحت أظهر شكرا عن صنايعهوأضمر الود فيه إضمار
كيانع النخل يبدي للعيون ضحىطلعا نضيدا ويخفي غض جمار
وقال ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجارأيت صورته من أقبح الصور
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنانفر منها إذا مالت إلى الضرر
وقول ابن الرومي:
بذل الوعد للأخاء سمحاوأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعين ويأبى الاثمار كل الإباء
وقول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةطويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
وقس حالك وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني, على حالك وأنت قد انتهيت إليه ووقفت عليه, تعلم بعد ما بين حالتيك في تمكن المعنى لديك. وشاهد بعد الفرق بين أن تقول: الدنيا لا تدوم وتقتصر على ذلك, وبين أن تذكر عقيبه ما روي عنه ﵇: من في الدنيا ضيف وما في يديه عارية والضيف مرتحل, والعارية مردودة.
أو تنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا وديعةولا بد يوما أن ترد الودائع
وبين أن تقول: أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر وتسكت, وأن تتبعه.
وقول ابن لنكك:
في شجر السرو منهم مثلله رواء وماله ثمر
وانظر في جميع ذلك في الحالة الثانية كيف يتزايد شرفه عليه في الحالة الأولى, وسببه أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي وتأتيها بصريح بعد مكني, وأن تردها فيما تعلمه إلى ما هي بشأنه أعلم ولهذا كان التمثيل بالمشاهد أوقع, ولمادة الشبه أقطع.
واعلم أن التشبيه يستدعي خمسة أشياء: أحدها: الطرفين, أعني المشبه والمشبه به ليحصل التشبيه, لأنه من الأمور النسبية المفتقرة إلى المنتسبين.
الثاني: الوجه المشترك, ليجمع الطرفين.
الثالث: الغرض, ليصح العدول إليه من أصل المعنى, فلا يعد عيبا.
الرابع: الأحوال, ليحسن التشبيه برعاية مقبولها, والاحتراز عن مردودها.
الخامس: الأداة, لتوصل أحد الطرفين بالآخر لفظا, كما يوصله الوجه معنى, ولنبين ذلك في خمسة فصول.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع