تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه

قال أعزّه الله مقرضاً على الكتاب المعروف ب "مصباح الأدب الزاهر"، الذي ألّفه عمّي المهدي في أبيه الصالح طابت تربته: هذا الكتاب الرائقة عباراته، الفائقة إشاراته، الشريفة مراميه ومقاصده، اللطيفة مصادره وموارده، المثني على منشئه بلسان إحسانه وإبداعه، وبيان نظمه وأسجاعه، روضة تلحظ منها الأبصار زهرا، فتقطفه فتراه درّاه، فتحقّقه الأفكار فتجده سحرا، فلا تعلم أشاهدت روضةً أو وجدت بحرا، وهذا غير بعيد ممّن خصّهم الله بالتأييد.

كواكبُ في سماء الطرس لاحتبه الساري اهتدى في الشعر نهجه
وينظرها الظريف إذا رآهامزينةَ حدائق ذات بهجه

وكتب إليّ أيضاً بهذه الرسالة في غرض له: إنّ أبهى ما رقم في الطروس، وأزهى ما ترتاح إليه النفوس، دعوات هتكت حجاب الظلماء، وقرعت أبواب السماء، حتّى كتبت مع المجرّة سطرا، ورفعت في ديوان القبول صدرا، وتحيّات تعطر أنفاس الصبا والشمائل، وتثبت أشواقاً أنضت الضلوع، وأودت بمهجة كم فيها لبينك من صدوع، تشكوا غراماً لا يهدء وإن ردكت رياح الأشواق، وجفناً لا يغمض وإن نامت عيون العشّاق، أهديهما - بأتمّ الإكرام - إلى من طاب فرعاً وأصلا، واشتمل على الفواضل والفضائل شابّاً وكهلا، صافي الأُرومة، زاكي الجرثومة، الراقي من رتب المجد أسناها، والمتسنّم من ذروة النجد أعلاها، لا برح علم مجده مرفوعاً أبداً، وبناء سعده منصوباً بخفض العدى، ما ألقى الحام درس سجعه، وسقى الغمام غرس نبعه.

أمّا بعد؛ يا أيّها النّدب، والمنهل العذب، أُعلمك - ثمّ أفاض في ذكر غرضه وهو نظم أبيات لمجاراة بعض شعراء الشام لأمر يقتضيه (وسوف تأتي الأبيات في باب الدال).

ومن رسالة كتبها إليّ وقد ذهب عَلَيّ أوّلها حين نقلها منها: ذاك من تتبّع آثار آبائه وجدوده، وانتهت إليه مآثر فضلهم وفضلهم لا إنتهاء لحدوده، أدام الله له سنيّ الخلود، وأضفى عليه جلابيت الإقبال والسعود، ما دامت الأفلاك دائره، والأنجم سائره بمحمّد وأهل بيته الذين من تمسّك بهم نجى، وأصحابه الذين نالوا بشرف صحبته كلّ مرتجا، ومنها في التشوّق لي أنا لا زلت ولا أزال مترقّباً عود ليالي الإقبال وإن طوتها يد النوى، متطلّعاً ورود مافيه ورود السلسبيل الزلال، عسى ينطوي الجوى، فلم تفز نفسي بمناها، ولم تحظ عيني بما يجلو قذاها، فلو شرّفني سيّدي بكتابه، ونوّه باسمي في خطابه، ناقعاً بعباراته العذبة غلّة صدري، ورافعاً بها بعد الإنخفاض قدري، لكان ذلك الأليق بكرمه، والأوفق بشيمه، لكنّي لست أعلم سبباً للحرمان، الممتدّ إلى هذا الأوان - هذه نبذة يسيرة من نظمه البديع، وستسمع له في خاتمة الكتاب فصولاً كثيرة من النثر المزري بعقود الدر.

وأمّا منظومه: فإنّي مورد له في هذا الكتاب ما هو السحر الحلال الجدير بقوله من قال:

كلمٌ هي الأمثال إلاّ أنّهابين الورى أضحت بلا أمثال

وسأثبت له من الغزل والنسيب، والمدح والفخر، والتأبين والتهجين، وسائر ضروب الشعر وفنونه قوافياً سائرة، تزري بالرياض الناظره، فمن غزله قوله:

حيّ عنّي بالحمى عهداً قديماوتعهّدْ لي به الظبي الرخيما
رشأٌ بالنبل من الحاطةغادر القلب على عمد كليما
إنْ أقلْ ريم صريم نافرٌفلكمْ أخجل بالعينين ريما
لا ومن أرشق قلبي لحظهأنا لا أعرف لولاه الصريما
أبلج الخدّين ما ألطفهقامةً هيفاء أو كشحاً هظيما
راع بالرقّة من وجنتهرائق الورد وبالطبع النسيما
خلته والشعر في عارضهشمس أفق زاحمت ليلاً بهيما
فامنح الدرياق من عذب اللمىفلكم بت بصدغيك سليما
فالتصابي لي سمير في الدجىوالجوى في الصبح لي صار نديما

ومنه قوله وهو الذي يكاذ يسيل لرقّته:

ضاع قلب الموله المفتونبربى الكرخ لا ربى جيرون
فانشداه بين الظعون فإنّيخلته سار بين تلك الظعون
حنّت النيب يوم حنَّ فؤاديوشجى الساجعات رجع أنيني
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
وصبغت الرياض حمراً ولكنبمذاب من الفؤاد هتون
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
فهي طوراً تذوي بنار زفيريوهي طوراً تزهو بماء شئوني
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
يا غزالاً تاقت له النفس شوقاًلا لغيد من الظباء العين
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
أنت ليلاي والرصافة نجديوأنا في هواك كالمجنون
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة

ومنه قوله وأبدع فيه:

أنا إنْ همتُ صوبةً بالعذارفي الغرام العذريّ صحّ اعتذاري
فاحمرار الشقيق يزهو إذا ماحفَّ من آس روضة باخضرار
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
فنجديه مثل ما بفؤاديمن لهيب تذكية جذوة نار
رشأ تستعير رقّته الخمرإذا ما مرّ كالنسيم الساري
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
كم دموع صبغت فيها أقاح الرمل بعد ابيضاضه باحمرار
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
وإذا ما أضمرت كتم هواهعن عذولي لم يجدني اضماري
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
كيف يجدي كتمان سرّ غراميودموعي تنمّ بالأسرار
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
يا عذولي عَلَى التصابيَّ دعنيوالتصابي إنّ التصابي شعاري
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
لا تزد في الهوى أواري فإنّيعن عيون الورى أواري أواري
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
بأبي من عصيت فيه اللواحيوعصاني على هواه اصطباري
ذو قوام إن مرَّ يخطر راع الصب في لدن قدّه الخطّار
بي رفقاً فلا تزدني أواراًإنّ زند الغرام في القلب واري

ومن ذلك أيضاً قوله لا فضّ فوه:

مالقلبي تهزّه الأشواقخبّرينا أهكذا العشّاق
كلّ يوم لنا فؤاد مذابودموع على الطلول تراق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
عجباً كيف تدعي الورق وجديولدمعي بجيدها أطواق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
كم لنا في الحمى معاهد أُنسوالصبا يانع الجنى رقراق
عهد لهو به الليالي ترامتماله عرّست به الأحداق
يالظعن به النياق تهادىنهنهي السير ساعة يا نياق
فباحداجك استقلّت ضياءٌآنسات بيض الخدود رقاق
فارحمي يا أميم لوعة صبٍّشفه يوم ذي الأثيل الفراق
كاد يقضي من الصبابة لولاأن تحاماه في الوداع العناق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة

ومنه قوله وقد أغرب فيه:

الصبر غار وأنجد الدمعمن ناظري فاعشوشب الربع
والقلب حيث نأَى الخليط نأىرفقاً به فله الهوى طبع
حتام ترشق باللحاظ حشاًما مسّها لولا النوى صدع
وببانة الجرعاء لي رشأٌباهى ذكاءَ بوجهه الربع
رشأ رشيق القدّ ذو غنجأهواه إنْ وصلٌ وإنْ قطع
قمر تباهى الشمس طلعتهإن أقض فيه هوىً فلا بدع
أُمناي هل من ريق فيك رُقىًفلكمْ لصدغك في الحشا لسع

ومن ذلك ما قاله من قصيدة وأجاد فيه:

رشاءٌ يخيط فؤاد عاشقهإن خاط بالألحاظ لا الأبر
قمر إذا ما هزَّ قامتهأزرى بغص البان والقمر
النار في خدّيْه موقدةٌترمي فؤاد الصب بالشرر
يا ما أحيلا عين ذي غنجمكحولة الأجفان بالحور
يا سائقاً ظعن الخليط ضحىًرفقاً فإنّ القلب في الأثر
قف بالحمول على ديارهمواسئل فهل بالربع من خبر

ومنه قوله مرتجلاً:

أنا لم أنس بالحمى لك عهداًما أحيلا عهد الحمى ما أحيلا
وبذات الأثيل قد ضاع قلبيمستفزّاً فلا عدمت الأثيلا
عرصات روضتهنَّ بدمععن دم أفعم المفاوز سيلا
فبها عرّست ركائب لهوأركضت في حشا المتيم خيلا
خلِّ عنّي ذكر الدمى وهواهاودع الغانيات يسحبن ذيلا
واطوِ يا صاح ما تقادم عهداًمن أحاديث قيس لبني وليلى
وأعد ذكرهم فقد طال ليليوحديث الغرام يعذب ليلا

ومن ذلك قوله:

أصهباء تروق لنا مزاجامزاجكِ يا صبا نجد مزاجا
أم الروض الأريض سقاه نوءٌمن الأنواء فابتهج ابتهاجا
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
فلو سالت برقتها طباعٌلأفعمنا برقتك الزجاجا
على أنّ المعاطف منك ماجتفكنَّ كجدول بالبرد ماجا
مرضنَ بلحظك الأحشاء لكنرضا بك كان للمرضى علاجا
أعرت الغص ليناً والحميّاعذوبة فيك والقمر انبلاجا
فرفقاً يا رشيق القدّ رفقاًفقلبي فيك للزفرات هاجا
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
ومذ ناسبت لطف الراح كادتبك الأرواح تمتزج امتزاجا
ولمّا فاح خالك وهو مسكعلمنا حقَّ نهدك كان عاجا
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
فقم بي نغتبط للهو ربحاًفسوق مواسم اللذّات راجا

ومن هذا الباب قوله وأحسن فيه:

نحن قول إذا نظرنا صبوناوإذا العشق ملنا ما سلونا
لم نرح من هوىً معافين إلاّوعلى جمرتين منه غدونا
جئت مستعدياً من الحبّ عقليفإذا العقل للصبابة عونا
فتنتنا بحسنها وجناةٌككؤس الطلا صفاءً ولونا
وجفون رشقننا بنبالنحن منها لولا الهوى ما دنونا
يا حياتي بختري وصليناودعي الغانيات يمشين هونا
وارشفينا من لثتيك رضاباًما مررنا عليه إلاّ حلونا
أفبعداً بعد التداني يميناًليرى الصب بين هذين بونا

وله من قصيدة فريدة:

ما شمت أبهج منظراًمن وجنة زينت بخال
ممنوعة عن ناظريبالبيض والسمر العوالي
رقَّ الفؤاد لها هوىًبالله هل رقّت لحالي

ومن ذلك هذه الموشحة الفذَّة في حسنها:

حبّذا ليل به ظبي الصريممسعف والليل والنجم تحلى
وسرى في الربع معتلّ النسيموالدجى في غرّة البدر تجلّى
أطربتني روضة قد زانهاخدّ مَنْ أخجل قدّاً بانّها
والصبا قد سرّحت ريحانهاوعلى وجنة غنيَّ النديم

فتثنّى مائساً كالغصن دلاّ

من ثناياه الورود ابتسمتوبخدّيه البرايا افتتنت
رشأ منه ذكاً قد خجلتواستعارت منه ولدان النعيم

حسن الحاظ تروق العين كحلى

أبلج الخد عليه الصدغ رفذو شباب رق أعطافاً وشف
ما ثنى عنّي عطفاً بل عطفوهداني بمحيّاه الكريم

نحو نهج في الهوى عزّ وجلاّ

ذو طباع كالصبا في لطفهاوسجاياه اعجزت عن وصفها
وحمياً راقني في رشفهامن ثناياه التي تشفي السقيم

برضاب من جنا اليعسوب أحلا

لست أنسى ذلك الربع الحسنقرَّ طرفي فيه بالظبي الأغن
من به قدماً حشا قلبي افتتنوأنا اليوم على العهد مقيم

مغرم أصبو ولن أسمع عذلا

ومن ذلك قوله من قصيدة أوّلها:

نعم الأنيس الراح للأرواحفألفه ألف العيد للأفراح
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
يا مرسل الأصداغ فوق خدودهعجباً سدلت الليل فوق صباح
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
تصحو ويسكرك الصبا متدلّلاًنفسي فدائك من نزيف صاحي
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
كم رمت وصلك مجهداً بوسيلةفقصصت لي المرتاش من أجناحي
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
وتركتني حيران أختبط الدجىلا أهتدي قصداً للحي اللاحي
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
ريم تدجّج مذرنا متمايلاًتيهاً بلدن قناً وبيض صفاح

ومنه قوله وأجاد ما شاء فيه:

غنى النديم فارقص الحبباوتصفقت أكوابه طربا
قمرٌ وشمس عقاره ازدوجتبالماء حتّى انتجت شهبا
رقّت كرقّته سلافتهفكأنّه في كأسه انسكبا
عصرت زبيباً ثمّ مازجهاسرّ الغمام فارجعت عنبا
مثل اللجين القسّ عتقهافغدا النديم يديرها ذهبا
نار ولكن في اليد انسكبتوطلاً ولكن مائها التهبا

ومن ذلك قوله وفيه حسن التضمين لأنّه ضمن فيه قولهم: الرشف أنقع.

وربّ غرير لم يروع فؤادهأخو حنق في روضة الحسن يرتع
يناولني بالراح راحاً وتارةيرشّفني من فيه والرشف أنقع

ومنه قوله وأحسن للغاية لتضمينه قول بعضهم: وللناس فيما يعشقون مذاهب.

وبي رشأ غض الشبيبة أهيفرقيق الحواشي وهو للحسن سالب
يرقّ لحالي إذ يراني متيّماًأليف جوى والقلب منّي ذائب
ينادي بعذّالي دعوه وحبّهفللنّاس فيما يعشقون مذاهب

ومنه قوله:

ومهفهف كلمتهبلسان من يهوى كلامه
يا مخجلاً بالجيد والعين الكحيلة ريم رامه
ومورد الوجناة غضّالقد إذ يثني قوامه
ما هذه السوداء تحرسروض خدّك قال شامه

ومن ذلك قوله:

وحبيب طلّق المحيا أسيلالخد يثني لصبّه أعطافه
نيقدٌ يعرف النزاهة ممّنهام فيه ونسكه وعفافه
قد حباني لكن بطيف خيالقبلةً في شفاهه وارتشافه
لم أكن أعرف السلافة لكنبلماه عرفت معنى السلافه

ومنه وهو من نوادره السائرة:

عيناه أخجلتا جأذر رامةبملاحة فتكت بنا والحورا
خدّاه في وسط الحشا قد أضرماناراً وعمّا في البريّة نورا

ومنه وهو من بدايعة النادرة:

سباني ضبي أتلع الجيد أهيفطليق المحيّا بالملاحة منعوت
أليف صباً حلو الشمائل أحورٌتعلّم من أجفانه السحر هاروت
فلم أستطع صبراً لمرّ فراقهوتالله لم يصبر بديمومة حوت

ومنه قوله وهو من نفائس أبكاره:

يا حبّذا ليلة بالخيف قد زهرتفيها النجوم وبدر التم قد سطعا
والماء يجري نميرا والرياض زهتونسمة الليل هبّت والحبيب رعى
فلم تكن لحظة هاتيك من قصرحتّى بفرقتنا داعي الصباح دعا

ومن ذلك قوله وهو من عرائس خواطره الباهرة:

فما روضة من رياض الربيع فلتفلت أنمل القطر ريحانها
وما شطة الريح قد سرَّحتذوائب آس بها زانها
ولا طفلة عضة إنْ ثنتمعاطفها أخجلت بانها
إذا رمقت أو لوت جيدهافقد فضحت ثمه غزلانها
بألطف ممّن بهجرانهأبان عن النفس سلوانها

ومن ذلك قوله وأحسن فيه تضمين قوله بعضهم: وكلّما فعل المحبوب محبوب.

وأحور فاتر العينين كلّفنيبالهجر والدمع من عيني مسكوب
كأنّه يوسف في حسن غرّتهوإنّني في جليل الحزن يعقوب
جفا ولكنّني راض بجفوتهوكلّما يفعل المحبوب محبوب

ومنه قوله وهو من نكاته البديعة:

إنّي أُحبّك لا لأنّك مخجلشمس الضحى وجهاً أغرّ وسيما
لكن جبلت على هواك طبيعةًفأصبت معدوم النظير كريما

ومن ذلك أيضاً وهو من الغريب:

ودّعت من أهوى فودّعنييوم الوداع حشاي والصبر
وتسعّرت كبدي لظىً فلذامن مقلتيّ تساقط الجمر

ومن ذلك قوله من قصيدة فريدة أنشأها في عرس سليل شقيقه المصطفى، الكوكب الدرّي، الحاج عبد الغني، أوّلها: قف بالديار فذاك موقفهاحيث الرياض يروق مألفها، فمنها:

يا جارتاه وللهوى شعبٌغير المتيّم ليس يعرفها
أو تعجبين وأنت عالمةقدماً بأنّ القلب مدنفها
فلربعها الخالي تشوّقهاولريمها الحالي تشوّفها
ألوت لها ولهاً أعنتهافعن المنازل ليس تصرفها
لا أبتغي لدمي بها ديةملك الفؤاد عَلَيّ أهيفها
إن همت فيه هوىً فلا عجببغداد مصر وهو يوسفها
يرنوا إليّ بمقلة شربتكأساً لديَّ يروق قرقفها
لعبت بها النشوات فاترةًفكأنّ من شفتيه يرشفها
وشقائق بهرت بوجنتهلا عذر أو بالعين أقطفها
فكأنّه شمس يزاحمهامن وفرة الأصداغ مسدفها

ومنه قوله وهو من سوائره الفريدة:

وقهوةِ طاب من أرواحها عبقفلذَّ مصطبح منها ومغتبق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
كالشمس تعبث بالنادي أشعّتهاإذ لاح من وجنة الساقي لها شفق
عنيت صهباء قد شيبت بريقتهأو الّتي من دجى ظلمائها الغسق
من كفّ ساق ولكن من لواحظهوما أرقّ مداماً كاسها الحدق
أرخى على الأبلج القاني غدائرهفالليل منسدل والصبح منفلق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
يا جيرة الحيّ من نجران ما ذرفتعيناي إلاّ وشبّت في الحشا حرق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة
سقياً لدارك من دار أرقت لهاوأين منّي لولا عهدها الأرق
للشاعر محمد سعيد الحبوبي، اقرأ القصيدة

ومن غرره في التأبين قوله في رثاء أبيه وهي من أوائل شعره:

ءأبيَّ كيف تذوق عيني لحظةًنوماً وكيف من المدامع تجمد
أم كيف قلبي لا يذوب ومهجتيكمداً بنار الحزن لا تتوقّد
وظعنت عن غضّ النسيم إلى البلاياليت لو أنّي مكانك ألحد
وتركت من تحنو عليه رقّةًأسفاً يحنّ إلى لقاك وينشد
ياللرجال قضى فؤادي نحبهوجداً فهل فيكم لقلبي مسعد
ويحقّ لي أن لا أراني صابراًفالصبر لي من بعده لا يحمد

ومن نظمه في الفخر من العقود المرزية بنظام الدر، قوله عند فراغه من الحج ورجوعه:

حمداً لربّ المشعرين فإنّهأعلا بزمزم والمقام مقامي
فحطمت خائنة المقاول والضباأي والحطيم بمذودي وحسامي
وبدرت أمنع جار بيت مكارميحيث امتنعت بذمّة الإسلام

ومنه وقد جمع فيه بين الإفتخار والعتاب:

أنحن نحنوا عليكم دائم الأبدحنوَّ مرضعة ولهى على ولد
وإنّكم لم تراعوا حقَّ عهدكمبل خنتموه فيا وجدي ويا كمدي

ومن هذا الباب قوله في جواب بعض شعراء النجف:

بناء الأكارم فيَّ إحتكموشمل المكارم فيَّ انتظم
وطبعي من خفة كالنسيمويثقل حلمي كطود أشم
فقل لاُناس سعت جهدهالتدرك منّي تراب القدم
تنحّوا ألم ينهجم عجزكمفأين الوجود وأين العدم
فما تبلغون مقاماً بهخدين المعالي عليّ الهمم
وقل لأخي الفضل فرع الكرامحميد الخصال وفي الذمم
تقول ولست بمستعظمعلوّ مقامي بين الأُمم
حلبت لكم لبناً صافياًوأنتم حلبتم مشوباً بدم
تجرمت جوراً بهذا الكلاموإنّي أُجيبك أن لا جرم
سأعفو وأصفح عمّا ارتكبتومن شأننا العفو عمّن ظلم

ومنه قوله وفيه الإقتباس من القرآن المجيد:

يا قاصداً بالكرخ أبحر الندىيهنيك منها نهل وعلّ
روضة مأمولك من سمائناإن لم يصبها وابل فطلّ

ومنه قوله وقد جمع فيه الفخر والتهجين:

أبى شرفي عتباً عليك وأنت مَنْعلمت فته جهلاً وما شئت فاصنع
ويرزي بحقّي بل وبالهجو إنّنيأذلّك هجواً فالسهى تحت موضعي

ومنه قوله مخمّساً لهذين البيتين:

ورثت عزمة أسد الغاب عن سلفيحتّى أذقت عدوّي منهل التلف
بصولتي وأنا ابن التالد الشرفتبكي الفوارس والهنديَّ يضحك في
يوم الهياج وبالخطيّ تكتحللا غرو إن نال خصمي الرعب والولهُفالسيف عانقه والرمح قبّله
بموقف مذ وهبت الجو قسطلهُغنى الحسام بشجو والدماء له

خمر وقامت نشاوى ترقص الأسلومن فرائده اليتيمة في باب التهجين، وهو أقلّ شعره، قوله يهجو جماعة:

يدعون الإسلام في ظاهر الحال ولا يعرفون منه المحجّه
فعماهم عن الصواب دليللهدانا على الرشاد وحجّه

وقوله فيمن اسمه نظام الملك وهو بديع جدّاً:

أيدعى نظام الملك من لم يكن لهنظاماً ولكن كان عاراً على الملك
وينسبني منه افتراءً وإنّنينصير الهدى والدين جهلاً إلى الشّرك
أقول له قولاً يشابه قولهبأنّك فينا من ذوي الدين والنسك
فقابلته إفكاً بإفك وإن يكنلساني قدماً لم يعوَّد عَلَى الإفك

ومنه قوله مداعباً بعض خلصائه:

أتنسبني جهلاً إلى الخلف عالماًبأنّك يا كذّاب أجدر بالخلف
ولا عجب ممّن غدى الجهل ألفهإذا ما هذى والألف يعرف بالألف

ومن مدحه، بل ملحه، وهي في الحقيقة من منحه، قوله ف مدح عمّي (المهدي) عند وفودنا عليه:

لولا الهموم الطارقات وإن أكنفرغت شطر القلب في ذكراكا
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة
لنظمت حبّات الفؤاد فرائداًعربيّةً يزهو بها مغناكا
لكنّني ماذا أقول وإنّمايتحيّر النحرير في معناكا
للشاعر محمد حسن كبة، اقرأ القصيدة

وقال فيه أيضاً:

أنور أقاحي الفضل من قد زهت لهرياض نظام هنّ أبهى من الزهر
لقد جزت جوزاء الفضائل والنهىوأمسيت بدراً مشرقاً في سما الفخر

وقوله وكتب بهما إليّ:

نلت أقصى العلا بمجد أثيليا خدّين العلا وقد حزت عزّا
أحرز الماهرون منْ بلغاهالك من معدن الفصاحة كنزا

وقوله يخاطب الشيخ أحمد قفطان الأصم ذاكراً لي:

ءأحمد إن كنت لم تسمعنداء خدّين المعالي فع
لقد فاق في نظمه حيدرلبيد الفصاحة والأصمعي

وقال يخاطبه أيضاً:

أحمد الإسم والمسمّى عديم الند في المكرمات طلق اليدين
إنّما أنت واحد الدهر ثاني البحر جوداً وثالث القمرين

وكتبت إليه بهذه المقطوعة في شهر جمادي الاُولى سنة:

شهدت لنفسك أنّ الكمالأتى معها يوم ميلادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
كما شهدت لك أُمّ العلابأنّك أكرم أولادها
رضعت النجابة في حجرهاوضمّك أطهر أبرادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فكفّك كعبة معروفهاووجهك قبلة قصّادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تكاثر في جانبيك الضيوفنجوم السماء بأعدادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تعلّلها وببرد الحديثتزيل حرارة أكبادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فتمسي وبشرك عن مائهاينوب وخلقك عن زادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فعال أخي كرم أرغمتمكارمه أنف حسّادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وذهنك لولم يكن روضةلما أتحفتنا بأورادها
ترفّ بأنفاسك الطيّباتعليها حشاشة روّادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لك الفائقات بنات القريضبإنشائها وبإنشادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تودّ الكواعب منها يخططراز الجمال بأجسادها
فلو بمذهبها قلّدتلزان مفضّض أجيادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ولو بممسكها ضمّخترمت بالغوالي لأضدادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ولو لعواقدها سحرهالحلّت به عزم آسادها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

فأجابني على الوزن والقافية، ولقد أجاد فيما قال:

أريحانة العزّ من هاشموفهر وفلذة أكبادها
وبدر سماها عزّها المستنيروحائز عزمة آسادها
وبحر سماحتها المستفيضلوفّادها ولورّادها
لقد فقت في نثرك ابن الهلالأبا بدرها وابن عبّادها
وفي شعرك الحكمي الرضيأبا طيبها نور أورادها
وأبرزت من فكرك الحيدريعروساً عديمة أندادها
برائق فضلك جلببتهافها هي تزهو بأبرادها
وقلّدتها بالمعاني الرقاقفزنت عواطل أجيادها
وطوّقت نحري بها أنعماًيكلّ لساني بتعدادها
فلو أنّ نفسي غدت مهرهالأكمدت أنفس حسّادها
زهى ربع أنسى بإنشائهاونادى علاي بإنشادها
إذا نظرتها عيون الظريفتشاهد أسعد أعيادها

وأرسل إليّ قصيدة فريدة يطلب منّي تخميسها وهي تعريض بالإستجفاء وتلويح بالعتب عَلَيّ الإبطاء فخمستها وجريت في التخميس مجراه في الأصل لأُمور عتبت بها عليه ثمّ أرسلتها إليه وها هو الأصل والتخميس.

عجباً سمرت بذكر غير مسامريوسهرت فيمن ليس فيَّ بساهر
ولأجل أن يجتاز بين محاجريناديت من سلب الكرى عن ناظري
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وتجلّدي بقطيعة وفراقودعوت دونك يا صبا بحياتهعتباً نسيمك كان خير رواته
فاستخجلي لي في شذا نفحاتهمن أخجل الغزلان في لفتاته
والشمس من خدّيه بالإشراقهبني أقول وما أسألت إقالةًيا تاركاً منّي الدموع مذالةً
أرأيت قبلك إذ هجرت ضلالةًمن مال عنّي واستقلّ ملالةً
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
والدمع فيه النهل من آماقيفلو أنّ لي إذ كان هجرك حائحيقلباً سواك نبوت نبوة جامح
كن كيف شئت فما هواك ببارحأُمناي أنت القلب بين جوانحي
أُمناي أنت النور في أحداقييا من أقام على الجفاء وما ارعوىلا توقدنَّ مكان حبّك بالجوى
فعلى سواه فؤاد صبّك ما انطوىأُمناي حنَّ إليك من فرط الهوى
توقاً فؤاد متيّم مشتاقأيداً بغيرك ما شغفت بفاتنوعلى الوفاء أقمت منك لظاعن
ألهيتني عن أن أهيم بشادنوغدا الجوى ألفي وليس فداوني
غير الوصال لدائه من راقيرفقاً بصب في هواك معذّبلك في عوير حشاه أحسن ملعب
يدعوك دعوة خائف مترقّبهلاّ ترقّ لمدنف متجلبب

بردا العفاف رمية الأشواق

بالوصل خلتك قد برقت إثابةًفمطرتني هجراً وكنت سحابةً
أوما كفاك بأنْ أشفَّ كآبةًفحشاشتي ذابت عليك صبابةً
والعين ترعف بالدم المهراقأنا في هواك قطنت أولم تقطنكلف حسنت لديك أو لم أحسن
يا ثالث القمرين صل وتبيّنإن كنتَ فرداً في الجمال فإنّني
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
تالله فيك لواحد العشّاقوانظر لنفسك إن أردت تحوّلاأيليق غير حشاشتي من منزلا
أنت المنير السعد شمس ضحى الملاوأنا الأثيل المجد بدر سما العلى
فرع المكارم طيّب الأعراقمن دوحة في المجد طاب نماؤهالبني الزمان مظلّة أفيائها
أنا من عليه تجمّعت أهواؤهافإذا الملا اضطربت بها آراؤها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لعظيمة كشفت لهم عن ساقأوضحت مشكلها بأوّلِ نظرةوفتحت مقفلها بأسرع خطرة
ما زلت إن ظلّ الأنام لخبرةأهديهم نهج الصواب بفكرة
كالشمس مشرقة على الآفاقشهدت لي الدنيا غداة أتيتهاأنّي نهضت لأهلها فكفيتها
فإذا بها التوت الخطوب لويتهاوإذا السنون تتابعت أوليتها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
من راحتيَّ بوابل مغداقوإذا القنا انتظمت نثرت عقودهابيد تحلّ طلى العدى وبنودها
وإذا الظبا ازدحمت ثنيت حدودهاوإذا الوغى استعرت أذقت أسودها
طعم الحمام على متون عتاقألقى الوفود بطلعة ميمونةويد بربح ثنائها مفتونة
تثني العدى في صفقة مغبونةبأسنّة خطّيّة مسنونة
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وصوارم صمّ الشفار رقاقحاربت بالهجران من لك سالماحتّى كانا كأشجان تظالما
بك لبست لأوابيك أعدل عالمافلئن وصلت أخا الهو فطالما
كنت الحريَّ بأكرم الأخلاقأفبعد صدق مودّة لم تمننتجفو وتكذب ظنَّ من لم يظنن
فلئن لحظتَ فأنت عين المحسنولئن أقمت على الجفاء فإنّني
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أشكوك مبتهلاً إلى خلاّقيمتحرّك شوقي لمن هو ساكنأدعوه وهو مع التجنّب بائن
أين المودّة والوفاء معادنفأجابني خجلاً ودادك كامن
بحشاي خيفة عامد لنفاقشوقي لوصلك يابن أكرم ماجدصلتي إليك وأنت أكرم عائد
فتصفّح الدعوى بفكرة ناقدوالقلب منك وسله أعدل شاهد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لي المودّة والقلوب سواقيما مالني لهوىً به استانفتهعوداً كما بدءً عليه الفته
والصدق فيما يدّعيه عرفتهفلثمته في فيه ثمّ رشفته
وجذبته وضممته لعناقودعوت وصلك لي نهاية بغيتيفلقد حفظت عليَّ فيه بقيّتي
بشراي فزت بمن يشاق لرؤيتيوطفقت أنشد نلت غاية منيتي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

يا حبّذا لو أنّ وصلك باقي أقول: هذه نبذة يسيرة من نظم هذا الهمام، الذي برع في فنونه وهو غلام، ولعمري ما هذه نغمات شاعر، بل نفثات ساحر، فلا أدري بأيّة لحظة يوفي النظم والنثر حظّه، وقد نيطت إليه حين ترعرع أمور يقصر العدّ عنها، إذ هو مركز رياستها، وجماع سلسلة سياستها، يقري الضيوف، ويؤمن المخوف، ويصطنع المكارم، ويفرّج العظائم، ويحمل المغرم، ويوضح من الرأي ما استبهم، بين حلّ وعقد، وعكس في القضايا وطرد، فالعيون إليه محدقة، والنفوس بأجنحة الآمال إليه محلقة، وكلّها ألسن تنشده:

يا أيّها المولى الذيتبهى به الرتب الجليله
وكلامه سحر وأسحر منه فطنته الجميله
ما جود كفّك والرجاإلاّ الغدير سقى الخميله
راجي سواك يحزّ لافي مفصل بمدى كليله
ففداء همّتك الصحيحة في الندى الهمم العليله
كرمٌ كغادية السحائب يمطر النعم الجزيله

على أنّ هذه النجعة من نثره، واللمعة من شعره، من نتائج صباه، ونسائج شبيبته، فكيف يكون لو امتدّ به العمر، فتنقل في الرتب العاليه، بهمم نامية:

وما مرّ يوم جديدٌ عليهإلاّ وبان بفضل جديد

وسأثبت له في خاتمة الكتاب من محاسن النثر وفنون النظم ما يبهر الشعراء والكتّاب. ولنختم هذه المقدّمة بذكر ما ورد في الحثّ على اكتساب الآداب: قال أميرالمؤمنين ﵇: عليكم بالآداب فإن كنتم ملوكاً برزتم، وإن كنتم وسطاً فقتم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم.

وقال: لا تتّكلوا على البخت فربّما لم يكن وربّما كان وزال، ولا على الحسب فطالما كان بلاءً على أهله، يقال للناقص هذا ابن فلان الفاضل فيتكامل غمّه وعاره، ولكن عليكم بالعلم والأدب، فإنّ العالم يكرم وإن لم ينتسب، ويكرم وإن كان فقيراً، ويكرم وإن كان حدثاً.

وقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريّاً زاد مرارةً.

وقال الأصمعي: بينا أنا في المسجد إذا أعرابيٌّ يقول: أيّها الناس تعلّموا الأدب فإنّه زيادة في الفضل، ودليل على العقل، وصاحب في الغرابة، وأنيس في الوحدة، وصلة في المجلس، ورياسة في الناس. فقلت: يا أعرابي، أما من حجّة؟ قال: بلى، وأنشأ يقول:

تعلّم فليس المرء يولد عالماًوليس أخو علم كمَنْ هو جاهل
للشاعر الإمام الشافعي، اقرأ القصيدة
وإنّ كبير القوم لا علم عندهصغيرٌ إذا التفّت عليه المحافل
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لكلّ شيء حسن زينةٌوزينة العاقل حسن الأدب
قد يشرف المرء بآدابهفينا وإن كان وضيع النسب

وكان يقال: حسن الأدب خلفٌ من الحسب.

وسمع معاوية رجلاً يقول: أنا الغريب، فقال له: الغريب من لا أدب له.

وقال بعض الشعراء:

قد كانت الآداب في دهرتعلّم النّاس فعال الكرام
فصارت الآداب في عصرناتفيد ما يأنف منه اللئام

وقيل لبعض الحكماء: أخبرنا عن دعائم الحكمة، فقال: هي أربع: العقل والعلم والمعرفة والأدب.

وقيل: حليّ الرّجال الأدب، وحليّ النّساء الذهب.

وقالت الحكماء: الأدب أشرف النسب.

وقالوا: قد يستغنى بالأدب عن الحسب.

وقال سيبويه: تكلّم رجل من أهل الأدب بين يدي المأمون، فقال له: ابن من تكون؟ فقال: ابن أدب، أعزّ الله الأمير، فقال له: نعم النسب الذي انتسبت له.

وسمع بعض الأعراب رجلاً يتكلّم في فنّ الآداب، فازدراه لمّا اراد الكلام معه لخساسة حاله، فقال: مالكم يا عبدة الثياب ويا شياة الذئاب حقّرتموني لأطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري؟! وقدم عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبيد الله بن عباس من الرقة بعد خروجه من الحبس، وقد ولاّه الأمين الشام والجزيرة والعواصم، فلقيه ولد أبيه، فلم يرهم أُدباء، فقال: سوأةً لكم يا شرّ خلف من خير سلف، أبتزّ العزّ من أُميّة آبائكم قسراً، وحضوه وحاطوه ثمّ مضوا إلى رحمة الله وخلّفوا لكم فرشاً ممهّدةً، فأهملتم وضيّعتم إقبالاً على الأشربة الخبيثة الملاهي الفاحشة. لله درُّ أخي كلاب حيث يقول:

إذا الحسب الرفيع تواكلتهولاة السوء أوشك أن يضيعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ورثنا المجد عن آباء صدق»
ورثنا المجد عن آباء صدقأسأنا في ديارهم الصنيعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ورثنا المجد عن آباء صدق»

وقال عبد الملك: لقد استهتر أحداثنا باللذّات، وشغلوا بالشهوات، وبطروا النعم، وأضاعوا الكرم، فصاروا كما قال عبد الرّحمان بن حسان بن ثابت:

إنّي رأيت من المكارم حسبكمأن تلبسوا حرَّ الثياب وتشبعوا
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة
فإذا تذوكرت المكارم مرّةًفي مجلس أنتم به فتقنّعوا

تمّت مقدّمة الكتاب بعونه تعالى، فلنشرع بذكر الأبواب، وهي مرتّبة على حروف الهجاء، متضمّنة ذكر ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي فيه وفي أبيه وإخوته والأماجد من قبيلته، وأذكر في الأثناء ما اشتملت عليه تلك القصائد من الأنواع البديعية، والمطالب الأدبيّة، والبعض من تراجم من يجيء له ذكر في أثناء ذلك الشعر، وليعلم أنّ هذه الأبواب المشيّدة البناء ليستدعي فتح أقفالها المحكمة ذكر نبذة من ترجمة ابيه وإخوته ليعلم بذلك أنّ هذا العرق في أيّ طينة وشج، وبأيّ أعراق لفّه الشرف فانتسج: كان أبوه محمّد الملقّب ب "الصالح" ديمة منن ومنايح يباري النجوم، ويجاري الغيوم، فيباهي تلك مناقب، ويضاهي هذه مواهب، بل أين غيوث السماء من سما يده البيضاء، وهي في استهلال عواديها كما قلت فيه وفيها:

صدقتْ بروقك والبوارق خلّبٌوأضاءَ بشرك والزمان مقطّب
لا قسمت كفّك بالسحاب مساوياًبالجود بينهما مخافة أكذب
فالسحب يحلبها النسيم وكفّك البيضاء طبعاً جودها يتحلّب

وكان مع خطره وعظمه في النفوس، حلو البشاشة، طيّب المفاكة، سهل الخليقة، حسن السمت، يديم اصطناع المعروف، ويتابع للعفاة برّه الموصوف، ولقد بنى في الزوراء دار كرم بيد مجده، لإضافة وفده، فخمد ركب الآمال فيها مناخه، وربى طائر الرجاء فيها أفراخه، ولم يكفه ذلك حتّى بنى على كواهل الطرق حصوناً منيعة، وبيوتاً رفيعة، يريح إليها السفر، ويأمن فيها غائلة القفر، وما برح شاغلاً أوقاته بأداء نفل أو قضاء فرض، وما انفكّ عن عمل الصالحات وتربية العلم وطلاّبه أجمع، وتشييد بيوت أذن الله أن ترفع، حتّى سافر إلى نعيم الآخرة، ولم تدنّس الدنيا بعلائقها أثوابه الطاهرة، كانت ولادته، وقد أرّخت ذلك العام، وإن لم أدركه، بقولي:

أتى اليوم خاتم أهل النهىعلى أنّه للندى فاتح
أغرّ غدا السعد لمّا استهلّوهو لغرَّته ماسح
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وهنّى به المجد وفّادهوبشَّرها الشرف الواضح
فقالوا جميعاً وقد أرّخوانرى ولد الخلف الصالح

عاش ستّاً وثمانين سنة، وتوفي سنة، فانهدّت لمماته قواعد الزوراء، وحمل باحتفا عظيم إلى النجف الأشرف، ودفن حيث قبور أُسرته اليوم، وأرّخت عام وفاته بقولي:

إن يطو مصباح المكارم ضارحفلقد أضائت في علاه مصابح
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ملك له الشرف الرفيع مشيّعوعليه حتّى المكرمات نوائح
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
شكت العفاة لدائه لمّا شكىوقضى فالخد والقلوب ضرائح
مَنْ جاره هود دعاه فأرّخواأسعد جوارك ذا محمّد صالح
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

أنجب هذا الماجد أولاداً أكبرهم: المهدي، ولد سنة، وكان مذ ترعرع فريد زمانه، في كرمه وإحسانه، وواحد عصره فيى شرف نفسه وفخره، قد برع في البلاغة والفصاحة، واشتهر من كرم أخلاقه بالسجاحة والسماحة، جامعاً بين نباهة الذكر، وجلالة القدر، عاش اثنين وخمسين عاماً، وتوفي في حياة أبيه سنة، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:

ألا بكّر الناعي بثاو بنانهتوسّده المعروف تحت ثرى اللحد
وعاش الهدى فيه ومات بموتهفأرّخ معاً غاب الهدى وهو المهدي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

واستقلّ بعده بجميع تلك التكاليف وتدبير أموره الزعامة أخوه محمّد الملقّب ب "الرضا"، ولد سنة، وكان أرقّ طبعاً من الهواء، وأطهر من ماء السماء، إن سكت فوقار مهاب، وإن نطق ففصل خطاب، توفي في حياة أبيه الصالح أيضاً سنة، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:

وقف المجد ناعياً عند قبروارت المكرمات فيه حشاها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ودعا أنت جنّة قلت أرّخطاب مأوى نعيمها لرضاها
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ثمّ انتهت بعده الرياسة في تلك المكارم إلى أخيه المصطفى، وكانوا كما قال الناظم:

نجوم سماء كلّما انقضّ كوكببدى كوكب تأوي إليه الكواكب
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «تهدم من ربع المعارف جانبه»

ولد هذا الماجد سنة، وها هو اليوم قمر دارة المجد، وقطب دائرة الثناء والحمد، تشدّ إليه الرحال، وتكثر عليه مزاحمة الآمال.

أمّا أخوهم محمّد الملقّب ب "الحسن" المعنيّ في هذا الكتاب فقد ولد سنة ولا غرو أن أستمل الفكر حتّى يمل، وأستنطق لسان القلم حتّى بكل، في ذكر مناقب هذا الهمام الماجد، ولعمري إنّ مناقبه في الإنارة لتباهي الكواكب السيّارة، علم جم، وأدب وافر، وفضل باهر، وشرف نفس، وعلوّ جدّ، وصراح حسب، وصريح مجد، وببشاشة ونبل، مع طلعت ميمونة، ووجه أنقى من صفحة مرآة، وعرض أملس من صفاة، ولقد رأى ولرأيه الإصابة، أن لا يؤثر خبر الجود إلاّ عمّن أنسى عرابه، ولا يقال جلى في حلبه المكارم وإلاّ من غبر في وجه حاتم، فصقل بجوده حسبه، وأشاع له فرنداً تقتبس المكارم من أشعّته الملتهبة، وبالآخرة أقول أنّ مناقب هذا الهمام لا تحصى، ومزاياه الحميدة لا تستقصى، ولا أقول فيها ما قال أبو تمام:

إذا شئت أن تحصى فضائل كفّهفكن كاتباً أو فاتّخذ لك كاتباً

فلقد عيب عليه ذلك لما جاء عن الحكماء: لا خير في المعروف إذا أُحصي.

وقال بعضهم: إذا أحصي المعروف فقد حصر، وإذا حصر فقد وقف على غاية، ولا يكون ذلك إلاّ مع القلّة.

وقال أبوبكر الصولي على تعصّبه لأبي تمام وتفضيله له: إنّ هذا البيت لم يقع له جيّداً.

أقول: وربّما يعتذر له بتخريج معنىً وإن كان بعيداً وذلك أن يقال إنّه أراد بلفظتي "كاتب" في البيت "المَلَك الحفيظ" مبالغةً في كثرة فضائل كفّه حيث جعل إحصائها غير ممكن للبشر، بل لا يحصيها إلاّ الملك الحفيظ أو من شأنه أن يتّخذ كاتباً بهذا المعنى، فهو يقول لمن يخاطبه: إذا أردت إحصاء فضائل كفّه فذلك متعذّر عليك إلاّ أن تكون من الحفظة الكاتبين أو تتّخذ لك كاتباً منهم لأنّ إحصائها خارج عن طوق البشر، ولعلّ هذا المعنى أليق وأنسب بالبيت الذي قبله وهو:

لو اقتسمت أخلاقه الغرّ لم تجدمعيباً ولا خلقاً من النّاس عائبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»

لأنّه جعل حسن أخلاقه يفضل على جميع الناس لو اقتسمتها، فكيف يجعل واحداً منهم يحصي فضائل كفّه؟ وممّا يبعث انقداح المعنى الذي ذكرناه في الذهن قول أبي الطيب المتنبّي، وكأنّه نظر إليه فقال:

خذ من ثناي عليك ما أسطيعهلا تلزمنّي من ثناك الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونهما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

ألا تراه كيف لمحه على أنّه لم يرض بإحصاء الملك الكاتب لفعله، بل جعله يندهش بدونه وهو بعضه فضلاً عن استطاعته كلّه.

هذا ولا بأس بتوشيح هذا المقام بذكر ما يؤثر من الأخبار عن بعض الكرام: قال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ قال: لست بسيّدهم ولكنّي رجل منهم. قال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. قال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنّي فأنا أفضل منه، ومن جاوزني فهو أفضل منّي.

وكان هرم بن سنان المرّي قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير بن أبي سلمى إلاّ وأعطاه غرّة من ماله؛ فرساً أو ناقة أو عبداً أو أمةً، فأضرّ ذلك بهرم وقدح في حاله، فجعل زهير يمرّ بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحاً خلا هرم، وخيركم تركت.

وعن أبي عبيدة قال: مرّ حاتم الطائي ببلاد عنزة فناداه أسير في أيديهم: يا أبا سفانة! قتلني الأسار والقمّل، فقال له: ويحك والله لقد أسأت إذ نوّهت باسمي في غير بلاد قومي ومالك مع ذلك منزل، ثمّ نزل فشدّ نفسه مكانه في القيد ثمّ أطلقه فلم يزل في الأسر إلى أن عرف خبره ففداه أهله.

وقال الأعشى: أتيت سلام ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتّى وصلت إليه بعد مدّة، فأنشدته:

إنّ محلاًّ وإنّ مرتحلاوإنّ في جود من مضى مثلا
إستأثر الله بالوفاء وبالعدل وولّى الملامة الرّجلا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «إن محلا وإن مرتحلا»
والشعر قلّدته سلامة ذافائش والشيء حيثما جعلا

فقال: صدقت، الشيء حيثما جعل، وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني وأعطاني كرشاً مدبوغة مملوّة عنبراً فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء.

وقال أبو عمرو بن العلاء: قدم عبد القيس ابن خفاف البرجمي على حاتم بن عبد الله الطائي في دماء حملها، فقام ببعضها وعجز عن بعض، فقال: يا أبا سفانة إنّي حملت دماء عوّلت فيها على مالي وآمالي؛ فقدّمت مالي وكنت أكبر آمالي، فإن تحمّلتها فكم من حقّ قضيت وهمٍّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّم يومك ولم أيأس من غدك، فحملها حاتم جميعها عنه، فأنشأ البرجمي يقول:

يعيش الندى ما عاش حاتم طيىءفإن مات قامت للسخاء ماتم
يفيد الذي فيه الغنا وكأنّهلتحقيره تلك العطيّة خادم

وقال النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض وأغبر أُفق السماء وضنّت المراضع على أولادها وجلفت المال وأيقنّا بالهلاك، فوالله إنّا لفي ليلة صنبرة بعيدة مابين الطرفين وصبيتنا يتضوّرون من الجوع؛ عبد الله، وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكنوا إلاّ بعد هدأة من الليل، فأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت ما يريد، فتناومت، فلمّا توارت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال حاتم: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوَّلاً إلاّ عليك أبا عديّ، فقال: عجّلي بهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فمضت وجائت تحمل اثنين وتمشي خلفها أربعة كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبّته ثمّ كشط جلده عنه ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك، قالت النوار: فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، وجعل يأتي الحي بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيّها النيام عليكم النّار، فاجتمعوا عليه والتفع هو بثوبه ناحية ينظر إلينا حتّى فرغنا ولم يذق منه مزعةً وإنّه لأجوع إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلاّ عظم وحافر، فأنشأ يقول:

مهلاً نوار أقلي اللوم والعذلاولا تقولي لشيء فات ما فعلا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «مهلا نوار أقلي اللوم والعذل»
يرى البخيل سبيل الجواد واحدةإنّ الجود يرى في ماله سبلا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «مهلا نوار أقلي اللوم والعذل»

وذكر صاحب الأنيس والجليس: أنّه وقف رجل على باب خمارويه بن أحمد بن طولون سنةً كاملة لا يقدر على الوصول إليه، فأرق ذات ليلة خمارويه فقال لغلامه: أخرج وانظر من بالباب من الشعراء، فخرج فوجد ذلك الرجل الشاعر فأدخله، فلمّا مثل بين يديه وسلّم عليه قال: يا أخا العرب هات ما عندك، فقال: أيّها الملك، إنّ لي اليوم سنة كاملة لم أقدر على الدخول إليك وقد قلت فأكثرت، ومدحت فأطنبت غير أنّني جائني بالأمس كتاب من امرأتي من بغداد ورددت جوابه. فقال: وماذا كتبت إليك؟ وماذا رددت جوابها؟ فقال شعراً:

كتبت تبتغي الإياب وتوصيني بتعجيله أشدّ وصيّه
وشكت علّة إليّ وقالتعُدْ إلينا ولو بغير هديّه
قد لبسنا ثوب التجمّل من بعدك حتّى لم تبقَ فيه بقيّه
فإلى كمْ تغيب والغائب النازح يخشى عليه صرف المنيّه
أتزوّجت أم أصبت بمصرغضةً بضة البنان صبيّه
فتشاغلت عن عيون تراعيك على البعد بكرةً وعشيّه
فرددت الجواب مهلاً فإنّيسوف آتيك منه بالأُمنيّه
بألوف من الدنانير حمرمن خمارية ومن أحمديّه

قال: إذ ضمنت لها ذاك يا أخا العرب لأعجلنّ سراحك إليها، ولألفينّ لك ضمانك لها، يا غلام، عَلَيّ بألف دينار من ضربي وثلاثة آلاف من ضرب أبي، فأُتي بها. قال الأعرابي: فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني فقال: إرجع، فرجعت إليه وظننت أنّه يستعيدها منّي، فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّك ضمنت لها الوفاء في شعرك ثمّ ذكرنا أنّه لابدّ من النفقة في الطريق لتصل إليها بغير ما ضمنته لها، يا غلام، سلّم إليه خمسة آلاف أخرى، فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني وقال: إرجع، فرجعت إليه فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّها تذكر لك:

أتزوّجت أم أصبت بمصرغضة بضة البنان صبيّه

وقد أردت أن أحقّق ظنّها فيك، يا غلام، سلّم إليه جارية بخمسمائة دينار وجهّزها بمثلها، قال: فضممتها المال والجارية وانصرفت في أحسن حال وأنعم بال.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.