من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
فصل في الرثاء (٢)
لمّا ورد من فارس إلى بغداد محمّد الجواد ومعه نعش كريمة محمّد الصالح التي تقدّم لها رثاء في قافية الألف، نظمت هذه القصيدة وأرسلتها للفاضل الصالح المذكور وهو في بغداد:
يا نعش ما يصنع الصفيحلم يدر ماذا به يبوح
وأيُّ لفظ إليه يغدوفي وصف معناك أو يروح
هل فلكٌ أنت من علاهإليه طرف السهى طموح
أم أنت نعشٌ به مسجىًجسمٌ لجسم العفاف روح
سرى على الأرض حاملوهوهو بأُفْق السما يلوح
وخلفه والهٌ ثكولٌأُمّ العلى دمعها سفوح
تطارح الورق وهي تدعوعلىمَ ورق الحمى تنوح
ماهي والوجد تدعيهقلبي لا قلبها الجريح
تضمّ أضلاعها حشاهاولي حشاً ضمّها الضريح
في طلحها ألفها وألقيعن وطني شخصها طليح
لقد بكت بقعة تصلّيفيها وشهب السما جنوح
وانتحب الكاتبان لمّافاتهما وردها الصحيح
قد غاض ماء الحياء ينديبه ثرىً نشره يفوح
توسّدت والعفاف فيهيضمّه جيبها النصيح
شلّت أكفُّ الزمان ماذامن حرم المجد يستبيح
إليه دبَّ الضرّاء لمّاأبدى بأن جاء يستميح
واغتال محجوبةً بخدريحوطه السؤدد الصريح
والعزُّ عنه يذبّ مالايذبُّه الفارس المشيح
ومن أبو المصطفى حماهفي منعة مالها مبيح
ذاك الذي راحتاه كلٌّعلى الورى ديمة دلوح
بالطبح مستحلب نداهاإنّ حلب الغاديات ريح
أغرُّ يلقى الوفود طلقاوالعام في وجهه كلوح
إن ناظم الخصم ردّ فاهمع أنّه المصقع الفصيح
لسانه ميّت مسجىًوالفم منه له ضريح
ماهو إلاّ خضم علممنه ذووا العلم تستميح
بل هو عنوان كلّ فضلوهم جميعاً له شروح
ونيّر في سما المعاليبنوه شهب بها تلوح
يا من غدا ربعهم وفيهأُمّ الندى منتج لقوح
تلك التي عنكم استقلّتعيس المنايا بها تسيح
طوبى لها جاورت ضريحاًعن جاره ربّه صفوح
واضطجعت في حمىً ضجيعاحميّه آدمٌ ونوح
وتوفي ولد لمحمّد الرضا اسمه جعفر قد سقط من سطح من سطوح الدار إلى الأرض فمات فرثيته وعزّيت أباه وجدّه بهذه القصيدة:
أجل منْ علىً ما خفت يرقاه فادحهلال المعالي طوّحته الطوائح
ومن حيث لا تعلو به الدهر أهبطتإلى اللحد نجم الفخر فالدهر كالح
تناوله من أُفق مجد لعزّهقد انحسرت عنه العيون الطوامح
فمطلعه في مشرق المجد مظلمومغربه في موضع اللحد واضح
لحي الله يوماً قد أراني صباحهتباريح وجد للحشا لا تبارح
به صاح ناعية فأشغلت مسمعيوقد مضَّ في قعر الحشاشة صائح
وهمّت جفوني بالبكاء فملكتهاعلى الدمع أرجو الكذب والصدق لائح
وقلت لمن ينعاه إذ جدّ باسمهينوح تبيّنْ باسم مَنْ أنت نائح
بفيك الثرى لا تسم في النعي جعفراًفيوشك أن تجتاح نفسي الجوائح
فلمّا أبى إلاّ التي تشعب الحشاوإلاّ الّتي تبيضُّ منها المسائح
جمعت فؤادي وانطويت من الجوىعلى حرق ضاقت بهنّ الجوانح
أعاذلتا عنّي خذا اللوم جانبافلا أدمعي ترقى ولا الوجد بارح
فلم ينسفح من جفني الدمع وحدهولكنَّ كلّي مدمعٌ منه سافح
أصبراً وذا إنسان عيني أطبقتعلى شخصه أجفانهنَّ الضرائح
بمن عن ضياء العين يعتاض طرفهافيغدو عليه وهو للجفن فاتح
لتجر الليالي كيف شائت بنحسهافما عندها فوق الذي أنا نائح
وماذا تريني بعدما في مدى الأسىبدا لفؤادي سعدها وهو ذابح
أقول لركب أجمعوا السير موهناًوقد نشطت للكرخ فيهم طلائح
أقيموا فواقي ناقة من صدورهالأودعكم مااستحفظته الجوانج
خذوا مهجتي ثمّ انضحوها عقيرةًعلى جدث دمع العلى فيه ناضح
وقولا لأيد أهبطت فيه جعفراًولم تدر ماذا قد طوته الصفائح
لأحدرت من قلب المكارم فلذةًقد انتزعتها من حشاها الفوادح
فغير جميل بعده الصبر والعزاولا العيش لي لولا محمّد صالح
فتى الحلم لا مستثقلاً لعظيمةتخفُّ بها الأحلام وهي رواجح
تدرّع من نسج البصيرة قلبهأضاة أسىً لم تدرعها الجحاجح
وصابرها دهياء في فقد جعفريكافح منها قلبه ما يكافح
تسربلتها يا دهر شنعاء وسمهالوجهك ما عمّرت بالخزي فاضح
أفق أيّ وقت منك فيه لجعفرتفرغ كفٌّ ليته منك طائح
وقد شغلت في كلّ لمحة ناظريديك جميعاً من أبيه المنائح
فتىً يجد الساري على نوره هدىًولو شمّه فجٌّ من الأرض نازح
كأنّ المحيّا منه والليل جانحٌسهيلٌ لأبصار المهبّين لامح
نمته إلى المجد الضريح معاشرٌأكفّهم أنواءُ عرف دوالح
مضيئون ضوء الأنجم الشهب للورىفأوجههم والشهب كلٌّ مصابح
على أوّل الدهر استهلَّ نداهمفسالت به قبل الغيوث الأباطح
ومدَّ أبوالمهدي فيه أناملارواضعها صيد الملوك الجحاجح
جرت بالنمير العذب عشر بحارهاوكلُّ بحار الأرض عذبٌ ومالح
فما للندى في آخر الدهر خاتمسواه ولا في أوّل الدهر فاتح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع