من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (٣)
قلت فيه هذه المقطوعة:
طمحت إليك فما ألذّ طماحهاهيفاء راض لك الغرام جماحها
وحبتك للتقبيل منها وجنةًتحمي بعقرب صدغها تفّاحها
خوطية العطفين ذات موشّحمنه على غصن تدير وشاحها
مجدولة بيضاء رائقة الصباملكت على أهل الهوى أرواحها
وبمسقط العلمين غازلت الدمىفعلقتها مرضى الجفون صحاحها
من كلّ صاحية الشمائل لم يزلسكر الدلال بها يطيل مراحها
زفّت إليّ كخدّها عنبيّةخضبت بلون الراح منها راحها
وتروّحت ذات الأراك بنفحةمنها فشاق عبيرها مرتاحها
والى أبي الهادي بعثت بمثلهافي الحسن ما استجلى سواه ملاحها
لاغرّ يبسط في المكارم راحةًبيضاء تمتاح الورى ممتاحها
بدجىً حوادثها وعند فسادهاتلقاه مصباح الورى مصلاحها
ما استغلقت لبني المطالب حاجةًإلاّ وكان بنانه مفتاحها
وقد اشتمل قولي: خوطية العطفين الخ على التجريد، والتجريد هو أن ينتزع من أمرء ذي صفة أمراً آخراً مثله فيها مبالغة لها فيه، كأنّه بلغ من الإتّصاف بتلك الصفة إلى حيث يصحّ أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو على أقسام: منها: أن يكون ب "من" التجريديّة نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم أي بلغ فلان من الصداقة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها. وكذلك قولي: منه على غصن تدير وشاحها أي بلغ موشحها وهو خصرها من الرقّة واللطافة حدّاً صحّ معه أن يستخلص منه غصن آخر مثله فيهما.
ومنها: أن يكون ب "الباء" التجريديّة، وذلك كقولهم: سألت به البحر ولقيت به الأسد.
ومنها: أن يكون ب "الباء" المعيّة والمصاحبة، كما قال الشاعر:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغىبمستلئم مثل الفنيق المرحل
المستلئم: لابس اللاّمة وهي الدرع، والباء فيه للملابسة والمصاحبة. والفنيق: الفحل المكرم عند أهله. والمرحل: من رحل البعير أشخصه عن مكانه. والمعنى: تعدو بي ومعي من نفسي لابسٌ درعاً لكمال استعدادي للحرب بالغٌ باتّصافه في الإستعداد أن ينتزع منه مستعد آخر لابس درع.
ومنها: أن يكون بدخول في نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فيها دارُ الخُلْد) أي في جهنّم؛ وهي دار الخلد لكنّه انتزع منها داراً أُخرى وجعلها معدّة في جهنّم لأجل الكفّار تهويلاً لأمرها ومبالغةً في اتّصافها.
ومنها: ما يكون بدون توسّط حرف كقول قتادة بن مسلمة الحنفي:
بكرت عَلَيّ من السفاه تلومنيسفهاً تعجّز بعلها وتلوم
لمّا رأتني قد رزيت فوارسيوبدت بجسمي نهكة وكلوم
ما كنت أوّل من أصاب بنكبةدهر وحي باسلون صميم
إلى أن يقول فيها:
ومعي أسود من حنيفة في الوغىللبيض فوق رؤسهم توسيم
قوم إذا لبسوا الحديد كأنّهمفي البيض والحلق الدلاص نجوم
ولئن بقيت لأرحلنّ بغزوةتحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني بالكريم نفسه، فكأنّه انتزع من نفسه كريماً مبالغةً في كرمه إذ لم يقل أو أموت.
ومنها: ما يكون بطريق الكناية كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولايشرب كأساً بكف من بخلا
إنتزع من الممدوح جواداً يشرب الكاس بكفّه على طريق الكناية، لأنّه إذا نفى عنه الشرب بكفّ البخيل فقد أثبت له الشرب بكفّ كريم ومعلوم أنّه يشرب بكفّه فهو ذلك الكريم.
ومنها: مخاطبة الإنسان لنفسه وهو أن ينتزع من نفسه شخصاً آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام يخاطبه، قال أبوالطيب المتنبّي:
لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النطق إن لم تسعد الحال
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي في هذا الباب ما سألني نظمه بعض الأعزّاء على في مدح الشهم الماجد صبحي بك وأسأله بفقرات نثريّة أن يكون واسطة في إيصال قصيدتي الرائيّة في إطراء الصدر الأعظم إليه لمودّة موكّدة بينهما، والفقرات هذه: بنان براعة الفصحاء، ولسان يراعة البلغاء لا ينبسطان للإحاطة بمزايا من أوضح لأهل الفخر نهجه، وهداهم صراطه.
شمس العلا بدر سماء الجلالإنسان روح الفضل عين الكمال
الأغرّ الذي إذا أسفر وجهه جائت الشمس تقول: هذا صبحي، والفصيل الذي إذا نطق لسان أقبل الملك يقول لها: هذا سيفي، فإليك عنه تنحّي.
ويدّعيه المجد من بينهمالنفسه فيعطيان ماادّعى
وكيف لا يكون كذلك من تستمدّ الشمس من نوره، ويعتضد الملك برأيه في مهمّات أُموره، شهدت معاني بيانه بباهر فضله، ودلّ بديع تبيانه على كمال ظرفه ونبله، وإنّي لمّا آنس فكري على البعد نار ذكائه، ونودي قلبي من جانب طور مجده وعليائه، عرفت أنّ الذي صار قلبي كلّه مستجمعاً لنداه، هو واحد الفضل الذي لا ربّ للكمال سواه، وحيث أنّه يجب في شرع الآداب مدح المتوحّد في الفضل الجامع لصفات الكمال عملت له هذه الحائيّة، ونسجتها حلّةً حليّة، وأهديتها إليه لكن كما تهدى إلى البحر قطرة، وإلى الطود ذرّة، ولا غرو فهي جهد المقلّ، إلى الجواد المكثر المفضل، على أنّي وإن سمّتني الفصاحة حيدر خيسها، ودعتني البلاغة بليث عرّيسها، وكان أبي سليمان عصره، يأتيه بعرض بلقيس المعاني آصف فكره، فيراه مستقرّاً لديه قبل ارتداد طرفه إليه، فأراني لو استخرجت الدراري من نهر المجرّة، ونظمت بكفّ الثريّا أنجم النثره، عقوداً أحلي بها نحور علياه، وأوشح بها حسان مزاياه، لما زدتها بذلك حسنا، ولا أفدت جميل معانيها جميل معنى، بل أكون كمن يقول لماء السحاب: ما أطهرك، ولنور الرياض ما أزهرك.
ولم يستفد بالمدح ماليس عندهوهل ينفع التحجيل من هو أشهب
هذا ورجائي من تلك الحضرة، زاده الله نظرة، إيصال هذه الرائيّة الغرّاء (وستأتي في حرف الراء) إلى حضرة صدر الوزراء، وهي وإن كانت حقيرة، في جنب معاليه الخطيرة، فأراها إن شملتها ألطافك بالعنايه، ولحظتها بعين الرعايه، وقعت موقعها لديه، أمّا الحائيّة فهي هذه:
لتلق ملوك الأرض طوعاً يد الصلححذار حسام صاغه الله للفتح
وأجرى فرنداً فيه من جوهر العلىغدا بخطف الأبصار باللمع واللمح
فكم شقّ فجراً من دجى ليل حادثوأضحك للأيّام من أوجه كلح
لو الدولة الغرّاء يوماً تفاخرتمع الشمس قالت أين صبحك من صبحي
فتىً في صريح المجد ينمي لمعشربيوتهم في المجد سامية الصرح
فتىً ولدت منه النجابة حازماًبعيد مجال يرفد الملك بالنصح
أغرّ لسيماء العلى في جبينهسناً في حشا الحسّاد يذكي جوى البرح
له طلعة غرّاء دائمة السناهي الشمس لو تمسي هي البدر لو يضحي
هو البحر لا بل يشبه البحر جودهوهل يستوي العذب الفرات مع الملح
يزوّج آمال العفاة بجودهويقرنه في الحال في مولد النجح
ويبسط كفّاً رطبةً من سماحةإذا قبض اليبس الأكفّ من الشحّ
أرى المدح للأشراف أفضل زينةولكنّه في فضله شرف المدح
هو السيف لا بل يفعل السيف فعلهبقوم على الأضغان مطويّة الكشح
فقاتل أهل الضغن بالبطش لم يكنكقاتل أهل الضغن بالبطش والصفح
هو الرمح سل عنه فؤاد حسودهبما بات يلقى من شبا ذلك الرمح
تجده كليما وهو أعدل شاهدفيا شاهداً أضحى يعدّل بالجرح
إليك ابن أُمّ المجد عذراء تجتليكأنّ محيّا وجهها فلق الصبح
بها أرجٌ من طيب ذكرك نشرهيعطّر أنفاس الصّبا لك بالنّفح
تودُّ بنات النظم أن لو حكينهاويا بعد مابين الملاحة والقبح
لقد فاز فيها قدحك اليوم مثلماغدت وهي فيك اليوم فائزة القدح
فليس لها كفوٌ سواك ولم يكنيليق سواها فيك من خرّد المدح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع