أجل من عُلًى ما خلتُ يرقاه فادحُ
الشاعر: حيدر الحلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر حيدر الحلي، من العصر الحديث، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الحاء، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أجل من عُلًى ما خلتُ يرقاه فادحُ ... هلالُ المعالي طوَّحته الطوائحُ
ومن حيث لا تعلو يدُ الدهرِ أهبطت ... إلى اللحد نجمَ الفخر فالدهر كالح
تناوله من أُفق مجدٍ لعزَّةٍ ... قد انحسرت عنها العيونُ الطامح
فمطلعه في مشرق المجد مظلمٌ ... ومغربه في موضع اللحد واضح
لحى اللهُ يوماً قد أراني صباحه ... تباريحَ وجدٍ للحشا لا تبارحُ
به صاحَ ناعيه فأشغلت مسمعي ... وقد مضَّ في قعر الحشا منه صائحُ
وهمَّتْ جفوني بالبكا فملكتُها ... على الدمع أرجو الكذب والصدق لائحُ
وقلتُ لمن ينعاه إذ جدَّ باسمه ... بنوح تبيَّنـ باسم من أنت نائحُ
بفيك الثرى لا تُسم في النعي جعفراً ... فيوشك أن تجتاحَ نفسي الجوائحُ
فلمَّاـ أبى إلاَّ التي تشعبُ الحشا ... وإلاّ التي تبيضُّ منها المسائحُ
جمعتُ فؤادي وانطويتُ على الجوى ... على حرقٍ ضاقت بهنَّ الجوانحُ
أعاذلتي عنِّيـ خذي اللومَ جانباً ... فلا أدمعي ترقى ولا الوجدُ بارحُ
فلم ينسفحْ من عيني الدمعُ وحده ... ولكنَّ كلِّي مدمعٌ منه سافحُ
أصبراً وذا إنسانُ عينيَ أطبقت ... على شخصه أجفانهنَّ الضرايحُ
قد استلَّه من عيني الدهر بعدما ... تخيَّلتُ أنَّ الدهر لي عنه صافحُ
بــــكــــفٍّ له مــــدَّت إليَّ بــــهــــيــــئةٍ ... بدت وهي فيها كفُّ خلٍّ يصافحُ
ومرَّت على وجهي فقدَّرتُ أنَّه ... يلاطفني في مَرِّها ويمازحُ
وما خلتُه يا شلَّها اللهُ أنَّه ... بها لسوادِ العينِ منِّيــ ماسحُ
فأطبقتُ عيني وهي بيضاءُ من عمًى ... وإنسانها حيث اشتهى الدهرُ طائحُ
بمن عن ضياء العين يعتاض طرفها ... فيغدو عليه وهو للجفنِ فاتحُ
لتجرِ اللَّيالي حيثُ شاءَت بنحسها ... فما عندها فوقَ الذي أنا نائحُ
وماذا تُريني بعدَها في مُدى الأسى ... يداً لفؤادي سعدُها وهو ذابحُ
أقولُ لركبٍ أجمعوا السيرَ موهناً ... وقد نشطت للكرخ فيهم طلايحُ
أقيموا فواقي ناقةٍ من صدورها ... لأودعكم ما استحفظته الجوانحُ
خذوا مهجتي ثمَّ انضحوها عقيرةً ... على جدثٍ دمعُ البلى فيه ناضحُ
وقولوا لأيدٍ أحدرت فيه جعفراً ... ولم تدرِ ماذا قد طوتهُ الصفائحُ
لأحدرت من قلب المكارم فلذةً ... قد انتزعتها من حشاها الفوادحُ
فغير جميلٍ بعده الصبرُ للورى ... ولا عيشهم لولا محمدُ صالحُ
فتى الحلم لا مستثقلاً لعظيمةٍ ... تخفُّ لها الأحلامُ وهي رواجحُ
تدرَّع من نسج البصيرة قلبه ... إضاة أسًى لم تدَّرعها الجحاجحُ
وصابرها دهياء من فقدِ جعفرٍ ... يكافحُ منها قلبُه ما يكافحُ
ونهنه فيه زفرة عدن فوقها ... حوانيَ من عبد الكريم الجوانحُ
تعرّض فيها حادثُ الدهر منهما ... لصلَّين من نابيهما السمُّ راشحُ
ونصلين لا تمضي بيوم كريهةٍ ... مضاءهما يومَ الخصام الصفائحُ
ورمحين سلَّ قلبُ الكواشح عنهما ... بما منهما في القلبِ تلقى الكواشحُ
تجده كليماً وهو أعدلُ شاهدٍ ... على جرحه والجرحُ لا شكَّ فادحُ
تسربلتها يا دهرُ شنعاءَ وسمها ... لوجهك ما عمَّرت بالخزي فاضحُ
عمًى لك هل عينٌ تبيتُ وطرفها ... لإنسانها بالشر أزرقُ لامحُ
أفق أيَّ وقتٍ فيه منك لجعفرٍ ... تُفرغُ كفٌّ ليته منك طائحُ
وقد شغلت في كلِّ لمحة ناظرٍ ... يديك جميعاً من أبيه المنائحُ
فتًى يجدُ الساري على نوره هدًى ... ولو ضــــمَّهـــ فجٌّ من الأرضِ نازحُ
كأنَّ المحيَّاـ منهُ والليل جانحٌ ... سهيلٌ لأبصار المهبِّينَ لائحُ
تجاوز هادي مجده كاهل السهى ... إلى حيث ما لحظ الكواكب طائحُ
وأمسى حسيناً وجه جدواه للورى ... على حين وجه الدهر في الخلق كالحُ
وأصبحَ معنى فخرِه مصطفى العُلى ... وكلٌّ لأن يقفو محمدَ صالحُ
فتى في صريحِ المجد يُنمى لمعشرٍ ... أكــــــفُّهــــــم أنـــــواءُ عـــــرف دوالحُ
مضيئون ضوء الأنجم الشهب للورى ... فأوجههم والشهب كلٌّ مصابحُ
على أوَّل الدهر استهلَّ نداهم ... فسالت به قبل الغيوث الأباطحُ
ومدَّ أبو المهديّ فيه أناملاً ... رواضعها صيد الملوك الجحاجحُ
جرت بالنمير العذب عشر بحارها ... وكــــلّ بحار الأرض عذب ومالحُ
فما للندى في آخر الدهر خاتم ... سواه ولا في أوَّل الدهر فاتحُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الحاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الطامح: طمح: طَمَحَت المرأَة تَطْمَحُ طِماحاً، وَهِيَ طامحٌ: نَشَزَت بِبَعْلِهَا. والطِّماحُ مِثْلُ الجِماحِ. وطَمَحَت المرأَة مِثْلُ جَمَحَتْ، فَهِيَ طَامِحٌ، أَي تَطْمَح إِلى الرجال. في حَدِيثِ قَيْلَةَ: كُنْتُ إِذا رأَيت رَجُ … (لسان العرب)
- الكذب: كذب: الكَذِبُ: نقيضُ الصِّدْقِ؛ كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً[[. قوله [كذباً] أي بفتح فكسر، ونظيره اللعب والضحك والحبق، وقوله وكذباً، بكسر فسكون، كما هو مضبوط في المحكم والصحاح، وضبط في القاموس بفتح فسكون، وليس بلغة مستقلة بل … (لسان العرب)
- اللحد: لحد: اللَّحْد واللُّحْد: الشَّقُّ الَّذِي يَكُونُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ موضِع الْمَيِّتِ لأَنه قَدْ أُمِيل عَنْ وسَط إِلى جَانِبِهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُحْفر فِي عُرْضه؛ والضَّريحُ والضَّريحة: مَا كَانَ فِي وَسَطِهِ، وَال … (لسان العرب)
- بالبكا: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى … (لسان العرب)
- تبارح: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)