من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
التماوت والإفراط في الخشوع
والأصلُ في هذا المعنى قولُه ﷺ لرجلٍ جدَّ في العبادة حتّى غارت عيناه: (إن هذا الدينَ متينٌ، فأوْغل فيه برِفق، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادةَ ربّك، فإنّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى، ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلا غلبه)... متين: أي شديد، من متن متانة: اشتد وقوي، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: فأوغل فيه برفق: أي ادخل، وأصل الإيغال: الإمعان في السير والإبعاد فيه يقول: سرْ في الدين برفق ولا تحْمِل
ْ على نفسك فتكلّفها ما لا تطيق فتعجِزَ وتتركَ العمل، والمنبتُّ: الذي أتعب دابَّتَه حتى عَطِبَ ظهرُه فبقي منقطعاً به، من الانبتات وهو الانقطاع...
ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً مطأطئاً رأسَه، فقال له: ارْفَعْ رأسَك، فإن الإسلام ليس بمريض... ونظر يوماً إلى رجل مُظهرِ النسكِ متماوتٍ فخَفقَه بالدرَّة وقال: لا تُمِتْ علينا دينَنا أماتك الله.. ونظرت السيدة عائشة ﵂ إلى رجلٍ كاد يموتُ تَخافُتاً فقالت: ما لهذا؟ فقالوا: أحدُ القرّاء، فقالت: قد كان عمرُ بن الخطاب سيِّدَ القرّاء، فكان إذا قال أسمعَ، وإذا مشى أسرعَ، وإذا ضربَ أوْجعَ... وقال ﷺ: (إنّ الله بعثني بالحنيفية السَّمحة ولم يبعثني بالرَّهبانية، فمن رغب عن سنَّتي فليس مني)...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع