تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

لا يَمدحون إلا إذا أُعطوا واعتذارهم عن ذلك

قالت بنو تميم لسلامَةَ بن جندل: مَجِّدْنا بِشِعْرِك، فقال: افْعَلوا حتّى أُثني، ونحوُه قولُ عَمْرو بن معد يكرب:

فلَوْ أنّ قومي أنْطَقَتْني رِماحُهُمْنَطقْتُ ولَكِنّ الرِّماحَ أجَرَّتِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ومرد على جرد شهدت طرادها»

أجرَّت: قطعت، يقول: لو قاتل قومي أو أبلَوْا لذكرت ذلك وفخرت به، ولكن رماحَهم أجرَّتني: أي قطعت لساني عن الكلام بفِرارهم، أراد أنهم لم يقاتلوا.

وقال بعضُ الأكابر لأبي هفّان: مالك لا تمدحني؟ فقال:

لِسَانُ الشُّكْرِ تُنْطِقُهُ العَطَاياويَخْرَسُ عند مُنْقَطَعِ النّوالِ

وعاتب يوماً محمد بن عبد الملك الزيات الوزير أبا تمّام على مدحه سواه فاعتذر إليه بأبياتٍ يقول فيها:

أمّا القوافي فقَدْ حَصَّلْتَ عُذْرَتَهَافما يُصابُ دمٌ منها ولا سَلَبُ
مَنَعْتَ إلا مِنَ الأكْفَاءِ ناكِحَهاوكان منْكَ علَيْهَا العَطْفُ والحدَبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد نابت الجزع من أروية النوب»
ولو عَضَلْتَ عن الأكْفَاءِ أيِّمَهَاولَمْ يكُنْ لك في أطْهارِها أرَبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد نابت الجزع من أروية النوب»
كانَتْ بناتِ نُصَيْبٍ حينَ ضَنَّ بهاعلى المَوالي ولم تَحْفِلْ بها العَرَبُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قد نابت الجزع من أروية النوب»

العُذْرة: البَكارة، والحَدَب: الإشفاق، وعضل الأيِّم: فالأيِّم: التي لا زوجَ لها بكراً كانت أو ثيّباً والجمع: أيامى وأيايم، وعضل الرجل أيِّمَه يَعْضُلها ويَعْضِلُها عَضْلاً: منَعَها الزَّواجَ ظُلماً قال تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، نزلت في مَعْقلِ بنِ يسار المُزَني - وكان زوَّج أختَه رجلاً فطلّقها، فلما انقضت عدَّتُها خطبَها، فآلى أن لا يزوِّجَه إيّاها ورغبت فيه أختُه فنزلت الآية... وكان نُصيْبُ الشاعر الأسودُ له بناتٌ وكان يرغب عن أن يزوِّجَهن من الموالي، والعرب لا ترغب فيهن، فبقين بلا زواج، قيل له يوماً: ما حال بناتِك؟ فقال: صببت عليهِنَّ من جِلْدي فكَسَدْنَ عليَّ... وكتب هذا الوزير الزيات إلى أبي تمام يوماً يحتجُّ عليه بأنّه يمدح غيره وأنّه لو اقتصر عليه لأغناه وأنَّ كثرةَ مدحِه الناسَ

زهَّدته فيه:

رَأيْتُكَ سَمْحَ البَيْعِ سَهلاً وإنّمايُغالي إذا ما ضَنَّ بالشَّيْءِ بائِعُهْ
هُوَ الماءُ إنْ أجْمَمْتَه طابَ وِرْدُهويَفْسُدُ منه ما تُباحُ شَرائِعُهْ

فكتب إليه أبو تمام:

أبا جَعْفرٍ إنْ كنتُ أصْبَحْتُ شاعِراًأُساهِلُ في بَيْعي له مَنْ أُبايِِعُهْ
فَقَدْ كُنْتَ قبْلي شاعِراً ذا رَوِيَّةٍتُساهِلُ مَنْ هانَتْ عليه بَضائِعُهْ
وصِرْتَ وزيراً والوِزَارةُ مَشْرَبٌيَغَصُّ به بعدَ اللَّذاذةِ كارِعُهْ
وكَمْ مِنْ وزيرٍ قد رأيْنَا مُسلَّطاًرأيْناه قد سُدَّتْ عليه مَطالِعُهْ
وللهِ قوْسٌ لا تَطِيشُ سِهامُهاوللهِ سَيْفٌ لا تُفَلُّ مَقاطِعُهْ

يقول: إنّ سهامَ اللهِ مصيبةٌ لا تُخطئ وسيفَه لا يثلم البتّة، فهو الذي جعلك وزيراً ولو شاء لأنزلك عن دستك.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في الشكر والحمد والثناء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.