من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
مدح الحمية وذمّها
قال قائلٌ للحارثِ بن كَلَدَة - وكان طبيبَ العرب - ما الطِّبُّ فقال: هو الأزْمُ... ومرادُه بالأزم: الحِمْيةُ والإمْساكُ عن الاسْتكثارِ مِنَ الطعام.... وقيل لجالينوسَ أو لأبُقراط: إنك تُقِلُّ من الطعام! قال: غَرَضي مِنَ الطعامِ أنْ آكلَ لأحْيا، وغَرضُ غيري من الطعامِ أنْ يَحْيا
ليأكلَ.... وقالوا: لا تأكلْ ما تَشْتَهي فَيُصيرَكَ إلى ما لا تشتهي.... وفي الحديث: (لا تُكرِهوا مَرْضاكُمْ على الطعامِ والشَّرابِ فإنَّ اللهَ يُطْعِمُهُمْ ويَسقيهم).... وقالوا: الحِمْيَةُ للصّحيحِ ضارّة، كما أنها للعليلِ نافِعةٌ... وقال الرشيد لِلْفَضْلِ: ما أطْيبُ ما في هذهِ الدُّنيا؟ فقال: رَفْضُ الحِشْمةِ وتَرْكُ عِلمِ الطِّبِّ، فلا عيْشَ لمُحْتَشِمٍ ولا لذَّةَ لِمُحْتَمٍ... وقالوا: من عرف ما يضُّرهُ ممّا ينفعُه فهْوَ مريض... وقال أفلاطون: الموت مَوْتان: طبيعيٌّ وإراديٌّ؛ فالطبيعيُّ مفارقة الرُّوحِ للبَدَن، والإراديُّ منْعُ الأبْدانِ مِنَ الشَّهوات... وقالوا: الأبْدانُ التي اعْتادتِ الحِمْية آفتُها التَّخْليط، والأبْدان التي اعْتادتِ التخليطَ آفتُها الحِمْية...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع