تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الجرو

بكسر الجيم وفتحها وضمها ثلاث لغات مشهورات الصغير من أولاد الكلب وسائر السباع وفي المثل لا تقتن من كلب سوء جروا قال الشاعر:

ولو ولدت فقيرة جرو كلبلسب بذلك الجرو الكلاب

وقال ابن سيده: الجرو الصغير من كل شيء حتى من الحنظل والبطيخ والقثاء والرمان. روى مسلم في صحيحه عن ميمونة رضي الله تعالى عنها «أن النبي ﷺ أصبح يوما واجما، فقالت ميمونة: يا رسول الله إني قد استنكرت هيئتك فقال رسول الله ﷺ: إن جبريل وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني أما والله ما أخلفني قط قالت: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك الحال، ثم وقع في نفسه أن جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ ﷺ بيده ماء فنضح مكانه.

فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له ﷺ: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل ولكنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى إنه أمر بقتل كلب الحائط الصغير وبترك كلب الحائط الكبير ». ورواه الطبراني عن خولة خادم النبي ﷺ بزيادة على ذلك، ولفظها إن جروا دخل البيت، ودخل تحت السرير ومات. «فمكث رسول الله ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال: «يا خولة ما حدث في بيت رسول الله فإن جبريل

لا يأتيني؟ فهل حدث في بيت رسول الله حدث؟» ثم خرج إلى المسجد قالت: فقمت فكنست البيت فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء تحت المكنسة ثقيل فلم أزل حتى أخرجته، فإذا هو جرو كلب ميت فأخذته بيدي وألقيته خلف الدار فجاء رسول الله ﷺ ترعد لحيته وكان إذا أتاه الوحي أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله ﷿ وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى

قال ابن عبد البر: وليس إسناد حديثها هذا مما يحتج به. والصحيح أن هذه السورة، نزلت في أول ما نزل من القرآن، لما انقطع عنه الوحي فقال المشركون إن محمدا قد ودّعه ربه أي هجره فأنزل الله هذه السورة. وروى البيهقي في أواخر الباب السابع والأربعين من الشعب عن معاذ بن جبل قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وكان يخرج فإذا رأى غلاما من غلمان بني إسرائيل عليه حلى يخدعه، حتى يدخله بيته، فيقتله ويلقيه في مطمورة له، فبينما هو كذلك إذ لقى غلامين أخوين عليهما حلى فأدخلهما بيته وقتلهما وطرحهما في مطمورته. وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك، وتقول له إني أحذرك النقمة من الله ﷿.

فيقول: لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا فتقول له المرأة: إن صاعك لم يمتلىء ولو امتلأ صاعك لأخذت فلما قتل الغلامين، خرج أبوهما في طلبهما فلم يجد أحدا يخبره عنهما، فأتى نبيا من أنبياء اسرائيل، وذكر ذلك له فقال له ذلك النبي: هل كان معهما لعبة يلعبان بها؟ فقال أبوهما: نعم كان لهما جرو. قال فائتني به فأتاه به فوضع النبي خاتمه بين عينيه ثم خلى سبيله، ثم قال: أول دار يدخلها من دور بني إسرائيل فيها بيان ذلك. فأقبل الجرو يتخلل الدور حتى دخل دار من دور بني إسرائيل، فدخلوا خلفه فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلمان كثيرة قد قتلهم وطرحهم في المطمورة. فانطلقوا به إلى ذلك النبي ﵇ فأمر به أن يصلب، فلما رفع إلى الخشبة أتته امرأته وقالت: قد كنت أحذرك هذا اليوم، وأخبرك أن الله غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله يأخذني على شيء لأخذني يوم فعلت كذا وكذا. فأخبرك أن صاعك لم يمتلىء بعد.

ألا وإن صاعك قد امتلأ. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكاف في لفظ الكلب الحديث الذي في مسند الإمام أحمد الطبراني والبزار في الكلبة التي عوى جروها في بطنها. وروى الحاكم في المناقب من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان كثر لبس الطيالسة وكثرت التجارة وكثر المال وعظم رب المال بماله وكثرت الفاحشة وكثرت النساء، وكانت امارة الصبيان، وجار السلطان وطفق في المكيال الميزان، ويربي الرجل جرو كلب خير له من أن يربي ولدا. ولا يوقر كبير ولا يرحم صغير، ويكثر الزنا حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق فيقول أمثلهم في ذلك الزمان: لو اعتزلتم عن الطريق. ويلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أمثلهم في ذلك الزمان المداهن» وكذلك رواه الطبراني في معجمه الأوسط وفيه سيف ابن مسكين وهو ضعيف.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.