من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الجريث
بكسر الجيم بالراء المهملة والثاء المثلثة، وهو هذا السمك الذي يشبه الثعبان.
وجمعه جراثي. ويقال له أيضا الجريء بالكسر والتشديد وهو نوع من السمك يشبه الحية ويسمى
بالفارسية مارماهي وقد تقدم في باب الهمزة أنه الأنكليس. قال الجاحظ: إنه يأكل الجرذان وهو حية الماء.
وحكمه الحل قال البغوي عند قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ
إن الجريث حلال بالاتفاق، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي. والمراد هذه الثعابين التي لا تعيش إلا في الماء. وأما الحيات التي تعيش في البر والبحر، فتلك من ذوات السموم، وأكلها حرام. وسئل ابن عباس عن الجري فقال: هو شيء حرمته اليهود ونحن لا نحرمه.
الخواص مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه. ولحمه يجوّد الصوت. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصاد المهملة في لفظ الصيد ما ذكره البخاري في صحيحه في الجري.
الجزور: من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهو مؤنث، والجمع جزر. وكذا قاله الجوهري، وقال ابن سيده: الجزور الناقة التي تجزر والجمع جزائر وجزر وجزرات جمع الجمع كطرق وطرقات. قالت خرنق بنت هفان:
لا يبعدن قومي الذين همسم العداة وآفة الجزر
النازلون بكل معتركوالطيبين معاقد الأزر
وبها سميت المجزرة وهي الموضع الذي يذبح فيه. وفي كتاب العين الجزور من الضأن والمعز خاصة مأخوذ من الجزر، وهو القطع. وفي صحيح مسلم، من حديث عبد الرحمن بن شماسة أن عمرو بن العاص قال عند موته: إذا دفنتموني فسنوا عليّ التراب سنائم، أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
قلت: وإنما ضرب المثل بنحر الجزور وتقسيم لحمها، لأنه كان في أول أمره جزارا بمكة، فألف نحر الجزائر، وضرب به المثل، وكونه كان جزارا جزم به ابن قتيبة في المعارف، ونقله ابن دريد في كتاب الوشاح وكذلك ابن الجوزي في التلقيح، وأضاف إليه الزبير بن العوام بن كرير فقال:
هؤلاء كانوا جزارين وذكر التوحيدي في كتاب «بصائر القدماء وسرائر الحكماء» صناعة كل من علمت صناعته من قريش فقال: كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بزازا، وكذلك عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه دلالا يسعى بين البائع والمشتري، وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل. وكان الوليد بن المغيرة حدادا،
وكذلك أبو العاص أخو أبي جهل وكان عقبة بن أبي معيط خمارا، وكان أبو سفيان بن حزب يبيع الزيت والأدم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسا يبيع الجواري، وكان النضر بن الحارث عوادا يضرب بالعود، وكان الحكم بن أبي العاص خصاء يخصي الغنم. وكذلك حريث ابن عمرو والضحاك بن قيس الفهري وابن سيرين. وكان العاص بن وائل السهمي بيطارا يعالج الخيل، وكان ابنه عمرو بن العاص جزارا. وكذلك أبو حنيفة صاحب الرأي والقياس وكان الزبير بن العوام خياطا، وكذلك عثمان بن طلحة الذي دفع له النبي ﷺ مفتاح الكعبة، وقيس بن مخرمة وكان مالك بن دينار وراقا، وكان المهلب بن أبي صفرة بستانيا، وكان قتيبة بن مسلم الذي فتح بلاد العجم إلى ما وراء النهر جمالا، وكان سفيان بن عيينة معلما، وكذلك الضحاك بن مزاحم، وعطاء بن أبي رباح، والكميت الشاعر، والحجاج ابن يوسف الثقفي، وعبد الحميد بن يحيى صاحب الرسائل، وأبو عبيد الله القاسم بن
سلام والكسائي هذه صناعة الأشراف.
قال وأما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة واليهودية كانت في حمير وكنانة وكندة وبني الحارث بن كعب والمجوسية في تميم ومنهم الحاجب بن زرارة الذي رهن قوسه عند كسرى، ووفى به حتى ضرب المثل به فقالوا: «أوفى من قوس حاجب» وفكت أيام النبي ﷺ، وأهديت إليه والزندقة كانت في قريش انتهى. وما ذكره من كون الزبير بن العوام كان خياطا، فيه نظر، والصواب أنه كان جزارا. ذكره ابن الجوزي وغيره كما تقدم. ولأن عمرو بن العاص يومئذ كان كبير مصر وعظيم أهلها، فأشبه الجزور بالنسبة إلى غيرها، من بهيمة الأنعام ونحرها موته، وتفرقة لحمها قسمة أمواله بعد موته. وكان من جملة تركته تسعة أرادب ذهبا. وأما الوضوء من أكل لحم الجزور فقد تقدم في باب الهمزة في لفظ الإبل ذكر من ذهب إليه من الأئمة وأنه المختار المنصور من جهة الدليل ففي صحيح مسلم وغيره عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلا سأل النبي ﷺ أنتوضأ من لحوم الغنم فقال: «إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ» فقال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم توضأ من لحوم الإبل». وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن البراء بن عازب قال: سئل النبي ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: «توضؤا منها». وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا تتوضؤا منها». قال النووي ﵀ هذان حديثان صحيحان ليس عنهما جواب شاف وقد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين اهـ.
وروى البخاري ومسلم وأبو داود النسائي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: بينما النبي ﷺ ساجد إذ جاءه عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي ﷺ فلم يرجع رأسه حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها فأخذته من على ظهره، ودعت على من صنع ذلك.
فقال النبي ﷺ: «اللهم عليك بالملأ من قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف أو أبي بن خلف». قال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر، غير أمية أو أبي فإنه كان ضخما فلما جروه تقطعت أوصاله قبل أن يلقى في البئر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع