من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الحرباء
كنيته أبو خجادب وأبو الزنديق وأبو الشقيق وأبو قادم. ويقال له جمل اليهود كما تقدم. قال الإمام القزويني في كتاب عجائب المخلوقات: لما كان الحرباء خلقا بطيء النهضة وكان لا بد له من القوت خلقه الله على صورة عجيبة فخلق عينيه تدور إلى كل جهة من الجهات، حتى يدرك صيده من غير حركة في يديه، ولا قصد إليه، ويبقى كأنه جامد، أو كأنه ليس من الحيوان.
ثم أعطي مع السكون خاصية أخرى، وهو أنه يتشكل بلون الشجرة التي يكون عليها، حتى يكاد يختلط لونه بلونها، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب وغيره، أخرج لسانه ويخطف ذلك بسرعة، كلحوق البرق، ثم يعود إلى حاله كأنه جزء من الشجرة، وخلق الله لسانه بخلاف المعتاد ليلحق ما بعد عنه بثلاثة أشبار ونحوها، يصطاد به على هذه المسافة، وإذا رأى ما يروعه ويخوفه تشكل وتكوّن على هيئة وشكل، يفر منه كل من يريد من الجوارح ويكرهه بسبب ذلك التلون.
انتهى.
والحرباء أكبر من العظاية، وهي تستقبل الشمس وتدور معها كيفما دارت، وتتلون بحر الشمس كما قال الإمام الغزالي ألوانا مختلفة، فتتلون إلى حمرة وصفرة وخضرة وما شاءت. وهو ذكر أم حبين والجمع الحرابي والأنثى حرباءة. قال رجل: خاصمت ابن أخي إلى معاوية فجعلت أحجه، فقال: أنت كما قال الشاعر:
إني أتيح له حرباء تنضبةلا يرسل السماق إلا ممسكا ساقا
أراد بالساق هنا الغصن من أغصان الشجرة. والمعنى: أنه لا تنقضي له حجة حتى يتمسك بأخرى، تشبيه بالحرباء. قال الجوهري: ويقال حرباء تنضب كما يقال ذئب غضى. والتنضب شجر يتخذ منه السهام والتاء زائدة لأنه ليس في الكلام فعلل، وفي الكلام تفعل مثل تقتل وتخرج، والواحدة تنضبة، ويقال لها أيضا حرباء الظهيرة. وهي دويبة غبراء ما دامت فرخا، ثم تصفو وهي أبدا تطلب الشمس، فحين تبدو تنحرف بوجهها إليها حتى إذا استوت الشمس، علت رأس شجرة وما يجري مجراها، فإذا صار قرص الشمس فوق رأسها، بحيث لا تراها أصابها مثل الجنون، فلا تزال طالبة لها، ولا تفتر إلى أن تتصوّب إلى جهة المغرب، فترجع بوجهها إليها مستقبلة لها، ولا تنحرف عنها إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس، طلب هذا الحيوان معاشه ليله كله إلى أن يصبح. حتى إن طائفة من المتكلمين على طبائع الحيوان، يقولون: إنه مجوسي ولسانه طويل جدا مقدار ذراع كما تقدم، وذلك دليل على أنه يكون مطويا في حلقه، وهو يبلغ به ما بعد عنه من الذباب والأنثى من هذا النوع تسمى أم حبين. وستأتي في آخر الباب.
وقد سمي أبو النجم في بعض شعره الحرباء بالشقي، وليس الشقي باسم للحرباء، وإنما سماه به لاستقباله الشمس، كذا ذكره في المحكم في العين والنون والباء.
وهذا الحيوان يوصف بالحزم لأنه، مع تقلبه مع الشمس، لا يرسل يده من غصن حتى يمسك غيره، وهو يشبه رأس العجل وعلى هيئة السمكة الصغيرة، وله أربعة أرجل كسام أبرص. وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام، في شرح بانت سعاد، أن للحرباء سناما كسنام البعير وإنه يتلون ألوانا، ويكنى أبا قرة، وهي تتلون بلون الشجرة، التي تكون عليها، حتى تكاد تختلط بلونها، فإذا
قرب منها الذباب ونحوه اختطفته بلسانها، وقد تقدم عن القزويني نظير ذلك.
الحكم قال في الروضة إنها نوع من الوزغ غير مأكولة لكن مقتضى ما قاله الجاحظ والجوهري من أنها ذكر أم حبين، أنها تؤكل، لأن أم حبين مأكولة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
لكن قالوا: إن الحرباء من ذوات السموم، فيكون هذا علة تحريمها إلا إنها نوع من الوزغ.
الأمثال قالوا: «فلان يتلون تلون الحرباء»، يضرب لمن لا يثبت على حالة، وقالوا:
«أجود من عين الحرباء» «وأحزم من الحرباء» لما تقدم. والحزم الاحتراس والنظر في الأمر قبل الإقدام عليه.
الخواص دمها إذا نتف الشعر النابت في أجفان العين وجعل في أصوله لم ينبت أبدا ومرارتها إذا اكتحل بها أزالت غشاوة البصر. وشحمها إذا جعل على حديدة وأحرق بالنار وخلط بالدم، مع شيء يسير من الماء وجدد عليه الدم والشحم، وطلي به قروح الرأس والأبثار، فإنه يبرئها من أول طلية.
التعبير الحرباء في المنام وزير ملك أو خليفته، لا يكاد يفارقه لأنها تدور أبدا مع الشمس، ولا تفارقها كما تقدم. وربما دلت على الخدمة للسلطان، أو الفتنة في الدين أو المرأة المجوسية وربما دلت على الحرب والندب وعلى الميت والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع