تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الدب

ى:

بفتح الدال المهملة وتخفيف الباء الموحدة الجراد قبل أن يطير. الواحدة دباة قال الراجز:

كأن خوف قرطها المعقوبعلى دباة أو على يعسوبّ

وأرض مدبية أي كثيرة الدبى، وقالوا في أمثالهم: «أكثر من الدبى». وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله كيف الناس بعد ذلك؟ قال ﷺ: «دبى يأكل شداده ضعفاءه حتى تقوم الساعة». وقد تقدم الكلام على عموم الجراد.

الدب:

من السباع معروف، والأنثى دبة وكنيته أبو جهينة وأبو الجلاح وأبو سلمة وأبو حميد وأبو قتادة وأبو اللماس: وأرض مدبة أي ذات أدباب. والدب يحب العزلة فإذا جاء الشتاء دخل وجاره الذي اتخذه في الغيران، ولا يخرج حتى يطيب الهواء، وإذا جاع يمتص يده ورجليه فيندفع عنه بذلك الجوع. ويخرج في الربيع كاسمن ما يكون. وهو مختلف الطباع، لأنه يأكل ما تأكله السباع، وما ترعاه البهائم، وما يأكله الناس ومن طبعه أنه إذا كان أوان السفاد، خلا كل ذكر بأنثاه، والذكر يسافد أنثاه مضطجعة على الأرض، وتضع الأنثى جروها قطعة لحم غير مميز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى موضع، خوفا عليه من النمل، كما تقدم في جهير، وهي مع ذلك تلحسه حتى تتميز أعضاؤه ويتنفس. وفي ولادتها صعوبة وربما أشرفت على التلف حالة الوضع، وزعم بعضهم أنها تلد من فيها، وإنما تلده ناقص الخلق تشوقا للذكر وحرصا على السفاد، ولشدة شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها. ومن شأن هذا الجنس أن يسمن في الشتاء وتقل

فيه حركته وتضع الإناث حينئذ. وإذا جثم في مكان لا يتحرك منه إلى أن يمضي عليه أربعة عشر يوما، وبعد ذلك يتدرج في الحركة. والأنثى إذا انهزمت دفعت جراءها بين يديها، فإذا اشتد خوفها عليها صعدت بها الأشجار. وفي طبعه فطنة عجيبة لقبول التأديب، لكنه لا يطيع معلمه إلا بعنف وضرب شديد.

وحكمه تحريم الأكل لأنه سبع يتقوى بنابه. وقال الإمام أحمد: إن لم يكن له ناب فلا بأس به، لأن الأصل الإباحة، ولم يتحقق وجود المحرم.

فائدة قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في آخر الأذكياء: هرب رجل من أسد، فوقع في بئر، فوقع الأسد خلفه، فإذا في البئر دب، فقال له الأسد: منذ كم لك ههنا؟ قال: منذ أيام، وقد قتلني الجوع. فقال: له الأسد: أنا وأنت نأكل هذا الإنسان وقد شبعنا، فقال له الدب فإذا عاودنا الجوع ما نصنع؟ وإنما الرأي أن نحلف له، أنا لا نؤذيه ليحتال في خلاصنا وخلاصه، فإنه على الحيلة أقدر منا فحلفا له فتشبث حتى وجد نقبا فوصل إليه، ثم إلى الفضاء فتخلص وخلصهما. ومعنى هذا أن العاقل لا يترك الحزم في كل أموره، ولا يتبع شهوته لا سيما إذا علم أن فيها هلاكه بل ينظر في عاقبة أمره ويأخذ بالحزم في ذلك. وحكى القزويني في عجائب المخلوقات أن أسدا قصد إنسانا فهرب والتجأ إلى شجرة، فإذا على بعض أغصانها دب يقطف ثمرتها، فلما رأى الأسد أنه فوق الشجرة، جاء وافترش تحتها ينتظر نزول الإنسان. قال: فنظرت إلى الدب، فإذا هو يشير بإصبعه إلى فيه، أن اسكت لئلا يعرف الأسد أني هنا. قال: فبقيت متحيرا بين الأسد والدب، وكان معي سكين صغير فأخرجته وقطعت بعض الغصن الذي عليه الدب حتى إذا لم يبق منه إلا اليسير سقط الدب بسبب ثقله فوثب الأسد عليه وتصارعا زمانا ثم غلبه الأسد فافترسه ورجع عني.

الأمثال تقدم أنهم قالوا: «أحمق من جهبر». وهي أنثى الدب. وأما قولهم: «ألوط من دب». فهو رجل من العرب كان يتجاهر بعمل ذلك. وأما قولهم: «ألوط من ثفر»، فإنما قالوه لأن الثفر لا يفارق دبر الدابة، وقولهم: «ألوط من راهب». هذا من قول الشاعر:

وألوط من راهب يدّعيبأن النساء عليه حرام
للشاعر الجاحظ، اقرأ القصيدة

الخواص نابه يلقى في لبن المرضعة ويسقاه الصبي تنبت أسنانه بسهولة. وشحمه يزيل البرص طلاء، وإذا شدت عينه اليمنى في خرقة، وعلقت على عضد إنسان لم يخف السباع، وإن علقت على من به الحمى الدائمة ابرأته، ومرارته إذا اكتحل بها مع العسل وماء الرازيانج اذهبت ظلمة البصر، وإذا طلي بذلك موضع داء الثعلب، أنبت الشعر فيه، وإذا شرب من مرارته وزن دانقين بعسل وماء حار، نفع الرئة والبواسير وطرد الرياح. وإذا ربطت مرارته على فخذ الرجل اليمنى جامع ما شاء ولا يضره، ودمه إذا

اكتحل به منع طلوع الشعر في اجفان العين. وإن اكتحل به بعد نتفه لم ينبت، وإذا دلك الولد بشحمه، كان له حرزا من كل سوء، وإذا جشي بشحمه موضع الناسور نفعه، وإذا طلي بشحمه كلب جن. وقطعة من جلده إذا علقت على الصبي الذي ساء خلقه يزول عنه ذلك، وعينه اليمنى إذا جففت وعلقت على الطفل لم يفزع في نومه.

التعبير الدب في المنام يدل على الشر والنكد والفتنة، وربما دلت رؤيته على المكر والخديعة، وعلى المرأة الثقيلة البدن الموحشة المنظر، ذات اللهو واللعب والطرب، وربما دلت رؤيته على الأسر والسجن وربما دلت رؤيته على عدو أحمق، لص محتال مخنث، فمن رأى أنه ركب دبا نال ولاية دنيئة، إن كان لها أهلا، وإلا ناله هم وخوف ثم ينجو وربما دل على سفر ثم يرجع إلى مكانه والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.