من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الذئب
يهمز ولا يهمز وأصله الهمزة والأنثى ذئبة، وجمع القلة أذؤب، وجمع الكثرة ذئاب وذؤبان. ويسمى الخاطف والسّيد والسرحان وذؤالة والعمّلس والسلق، والأنثى سلقة والسمسام، وكنيته أبو مذقة لأنه لونه كذلك قال الشاعر:
حتى إذا جن الظلام واختلطجاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط
ومن كناه الشهيرة أبو جعدة. قال عبيد بن الأبرص للمنذر بن ماء السماء ملك الحيرة حين أراد قتله:
وقالوا: هي الخمر تكنى الطلاكما الذئب يكنى أبا جعدة
ضربه مثلا أي تظهر لي الإكرام وأنت تريد قتلي. كما أن الخمرة، وإن سميت طلاء وحسن إسمها، فإن فعلها قبيح. وكذلك الذئب، وإن حسنت كنيته فإن فعله قبيح. والجعدة الشاة وقيل: نبت طيب الريح ينبت في الربيع ويجف سريعا وسئل ابن الزبير عن المتعة؟ فقال: الذئب يكني أبا جعدة. يعني أن المتعة حسنة الإسم قبيحة المعنى، كما أن الذئب حسن الكنية قبيح الفعل. ومن كناه أبو ثمامة وأبو جاعد وأبو رعلة وأبو سلعامة وأبو العطلس وأبو كاسب وأبو سبلة.
ومن أصحابه الشهيرة أو يس مصغرا، ككميت ولحيف. قال الشاعر الهذلي:
يا ليت شعري عنك والأمر عممما فعل اليوم أويس بالغنم
ومن أوصافه الغبش، وهو لون كلون الرماد يقال: ذئب أغبش وذئبة غبشاء. وروى الإمام أحمد وأبو يعلي الموصلي وعبد الباقي بن قانع أن الأعشى الشاعر المازني الحرمازي، وإسمه عبد الله بن الأعور، كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، فخرج في شهر رجب يمير أهله من هجر، فهربت امرأته ناشزة عليه، فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن بهصل بن كعب بن قميع بن دلف بن أهصم بن عبد الله بن الحرماز، فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته فأخبر بخبرها فطلبها منه، فلم يدفعها إليه وكان مطرف أعز منه في قومه فأتى النبي ﷺ فعاذ به وأنشأ يقول:
يا سيد الناس ودّيان العربأشكو إليك ذرية من الذرب
كالذئبة الغبشاء في ظلّ السّربخرجت أبغيها الطعام في رجب
فخالفتني بنزاع وهربوقذفتني بين عيص مؤتشب
أخلفت العهد ولطّت بالذنبوهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي ﷺ عند ذلك: «وهن شر غالب لمن غلب». كنى عن فسادها وخيانتها
بالذربة، وأصله ومن ذرب المعدة وهو فسادها. وقيل: أراد سلاطة لسانها وفساد منطقها مأخوذة من قولهم: ذرب لسانه، إذا كان حاد اللسان لا يبالي بما يقول، والعيص بالعين والصاد المهملتين أصل الشجر والمؤتشب الملتف وقوله لطت بالذنب، وهو بالطاء المهملة، أراد به أنها منعته بضعها من لطت الناقة بذنبها، إذا سدت فرجها به، إذا أرادها الفحل. وقيل: أراد توارت وأخفت شخصها عنه، كما تخفي الناقة فرجها بذنبها، وكان الأعشى المذكور شكا إلى النبي ﷺ إمرأته وما صنعت، وأنها عند رجل منهم يقال له مطرف بن بهصل، فكتب النبي ﷺ إلى مطرف: «انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه». فأتاه بكتاب النبي ﷺ فقرأه عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب رسول الله ﷺ فيك وأنا دافعك إليه. فقالت: خذ لي العهد والميثاق وذمة النبي ﷺ، أن لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ لها ذلك ودفعها مطرف إليه فأنشأ يقول:
لعمرك ما حبي معاذة بالذييغيره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزلهاغواة رجال اذينا جونها بعدي
وقال الزمخشري في تفسيره قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
استعظم كيد النساء على كيد الشيطان، لأنه، وإن كان في الرجال كيد، إلا أن النساء ألطف كيدا، وأنفذ حيلة، ولهن في ذلك رفق وبذلك يغلبن الرجل. ومنه قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
والنفاثات من بينهن اللاتي لهن ما ليس لغيرهن من البوائق. وعن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى يقول: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
وقال في النساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة عمر بن أبي ربيعة، قال: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى امرأة تطوف بالبيت، فأعجبته فسأل عنها فإذا هي من البصرة، فكلمها مرارا، فلم تلتفت إليه وقالت: إليك عني فإنك في حرم الله في موضع عظيم الحرمة، فلما ألح عليها ومنعها من الطواف، أتت محرما لها، وقالت له تعالى معي أرني المناسك، فحضر معها فلما رآها عمر بن أبي ربيعة عدل عنها، فتمثلت بشعر الزبرقان بن بدر السعدي:
تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتقي مربض المستأسد الضاري
فبلغ المنصور خبرهما، فقال: وددت أن لم تبق فتاة في خدرها إلا سمعته. وكانت ولادة عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكان الحسن البصري يقول، إذا جرى ذكر ولادته: أي حق رفع وأي باطل وضع، وغزا في البحر فأحرقوا السفينة فاحترق، وذلك في سنة ثلاث وثمانين.
وللأسد والذئب في الصبر على الجوع ما ليس لغيرهما من الحيوان، لكن الأسد شديد النهم حريص رغيب شره، وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا والذئب وإن كان أقفر منزلا، وأقل خصبا وأكثر كدا، إذا لم يجد شيئا اكتفى بالنسيم، فيقتات به وجوفه يذيب العظم المصمت، ولا يذيب نوى التمر، ولا يوجد الالتحام عند السفاد إلا في الكلب والذئب. ومتى التحم الذئب والذئبة، وهجم عليهما هاجم قتلهما كيف شاء، إلا أنهما لا يكادان يوجدان كذلك، لأنهما إذا أرادا السفاد توخيا موضعا لا يطؤه الإنس، خوفا على أنفسهما ويسفد مضطجعا على الأرض، وهو موصوف بالانفراد والوحدة، وإذا أراد العدو فإنما هو الوثب والقفز، ولا يعود إلى فريسة شبع منها أبدا. ومن عجيب امره أنه ينام بإحدى مقلتيه والأخرى يقظى حتى تكتفي العين النائمة من النوم، فيفتحها وينام بالأخرى ليحترس باليقظى ويستريح بالنائمة قال حميد»
بن ثور في وصفه، في أبيات مشهورة منها:
ونمت كنوم الذئب في ذي حفيظةأكلت طعاما دونه وهو جائع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقيبأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
وهو أكثر الحيوان عواء إذا كان مرسلا فإذا أخذ وضرب بالعصي والسيوف حتى يتقطع أو يهشم لم يسمع له صوت إلى أن يموت. وفيه من قوّة حاسة الشم، أنه يدرك المشموم من فرسخ.
وأكثر ما يتعرض للغنم في الصبح وإنما يتوقع فترة الكلب ونومه وكلاله، لأنه يظل طول ليله حارسا متيقظا. ومن غريب أمره أنه إذا إجتمع جلده مع جلد شاة تمغط جلد الشاة، وأنه متى وطىء ورق العنصل مات من ساعته. والذئب إذا كده الجوع عوى فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض.
فمن ولى منها وثب إليه الباقون وأكلوه، وإذا عرض للإنسان، وخاف العجز عنه، عوى عواء استغاثة فتسمعه الذئاب، فتقبل على الإنسان اقبالا واحدا، وهم سواء في الحرص على أكله، فإن أدمى الإنسان واحدا منها، وثب الباقون على المدمى فمزقوه، وتركوا الإنسان. وقال بعض الشعراء يعاتب صديقا له وكان قد أعان عليه في أمر نزل به:
وكنت كذئب السّوء لما رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدم
روى البيهقي في الشعب، عن الأصمعي، قال: دخلت البادية فإذا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وجرو ذئب مقع، فنظرت إليها فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا. قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه بيتنا، فلما كبر قتل شاتنا. وقد قلت في ذلك شعرا قلت لها: ما هو؟ فأنشدته:
بقرت شويهتي وفجعت قلبيوأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرّها وربيت فينافمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوءفليس بنافع فيها الأديب
وهو إذا خافه إنسان طمع فيه، وإذا طمع الإنسان فيه خافه، ويقطع العظم بلسانه ويبريه بري السيف، ولا يسمع له صوت، ويقال: عوى الذئب، كما يقال عوى الكلب قال الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
وقال آخر:
ليت شعري كيف الخلاص من الناس وقد أصبحوا ذئاب اعتداء
قلت لما بلاهم: صدق خبريرضي الله عن أبي الدرداء
أشار إلى قول أبي الدرداء: إياكم ومعاشرة الناس فإنهم ما ركبوا قلب امرىء إلا غيروه، ولا جواد إلا عقروه، ولا بعيرا إلا أدبروه. وروى السهيلي، في الكلام على غزوة أحد، في حديث مسند، أنه قال: لما ولد عبد الله بن الزبير نظر إليه النبي ﷺ وقال: «هو هو ورب الكعبة». فلما سمعت أمه أسماء ذلك أمسكت عن ارضاعه، فقال لها النبي ﷺ: «أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو يقتلن دونه». وروى ابن ماجه والبيهقي عن كعب بن مالك، وقال: حديث صحيح حسن، أن النبي ﷺ قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه وقد نص الله تعالى على ذم الحرص بقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
وروى ابن عدي عن عمرو بن حنيف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت:
أذئب في الجنة؟ فقال: أكلت ابن شرطي». قال ابن عباس: هذا وإنما أكل ابنه فلو أكله رفع في عليين. وقد رأيته كذلك في تاريخ نيسابور للحاكم في ترجمة شيخه علي بن محمد بن إسماعيل الطوسي وهو حديث موضوع.
وروى الحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بينما راع يرعى بالحرة، إذ عدا الذئب على شاة فحال الراعي بينه وبينها فأقعى الذئب على ذنبه، وقال: يا عبد الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي! فقال الرجل: واعجبا ذئب يكلمني! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب مني، هذا رسول الله ﷺ بين الحرتين يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، فزوى الراعي شياهه إلى زاوية من زوايا المدينة، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فخرج رسول الله ﷺ فقال: «صدق والذي نفسي بيده».
فائدة قال ابن عبد البر وغيره: كلم الذئب من الصحابة ثلاثة: رافع بن عميرة وسلمة بن الأكوع وأهبان بن أوس الأسلمي رضي الله تعالى عنهم. قال: ولذلك تقول العرب: هو كذئب أهبان يتعجبون منه، وذلك أن أهبان بن أوس المذكور كان في غنم له فشد الذئب على شاة منها فصاح به أهبان فأقعى الذئب وقال: أتنزع مني رزقا رزقنيه الله تعالى؟ فقال أهبان: ما سمعت ولا رأيت أعجب من هذا ذئب يتكلم، فقال الذئب: أتعجب من هذا! ورسول الله ﷺ بين هذه النخلات وأو مأ بيده إلى المدينة يحدث بما كان وبما يكون، ويدعو الناس إلى الله وإلى عبادته وهم لا يجيبونه، قال أهبان بن أوس: فجئت النبي ﷺ وأخبرته بالقصة وأسلمت، فقال لي: «حدث به الناس». قال عبد الله بن أبي داود السجستاني الحافظ فيقال لأهبان: مكلم الذئب ولأولاده أولاد مكلم الذئب، ومحمد بن الأشعث الخزاعي من ولده واتفق مثل ذلك لرافع بن عميرة وسلمة بن الأكوع انتهى. وقال البخاري: أنبأنا شعيب عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما راع في غنمه إذا عدا عليها الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب، وقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه وكلمته فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم، وبقرة تتكلم. فقال النبي ﷺ آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر؟ قال ابن الأعرابي: السبع بسكون الباء الموضع الذي عنده المحشر يوم القيامة. أراد من لها يوم القيامة. وقيل: هذا التفسير يفسد بقول الذئب في تمام الحديث يوم لا راعي لها غيري، والذئب لا يكون لها راعيا يوم القيامة. وقيل أراد من لها يوم الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها نهبة للسباع والذئاب، فجعل السبع لها راعيا إذ هو منفرد بها.
ويكون حينئذ بضم الباء. وهذا انذار ربما يكون من الشدائد والفتن التي تأتي حتى يهمل الناس فيها مواشيهم وتتمكن منها السباع بلا مانع. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى يوم السبع عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون فيه بلهوهم ولعبهم وأكلهم فيجيء الذئب فيأخذها وليس هو بالسبع الذي يفترس الناس. قال: وأملاه أبو عامر العبدي الحافظ بضم الباء وكان من العلم والاتقان بمكان. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما إذ جاء الذئب فذهب بابن أحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود ﵊ فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان فأخبرتاه بذلك فقال سليمان ﵊: ائتوني بالسكين أشقه بينكما نصفين فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى». قال أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه والله ما سمعت بالسكين قط، إلا يومئذ وما كنا نقول إلا المدية واستدل بهذا الحديث من جوز أن المرأة تستلحق اللقيط، وأنه يلحقها لأنها أحد الأبوين. ونقله صاحب التقريب عن ابن سريج والأصح أنه لا يلحقها إذا استلحقته لإمكان إقامة البينة على الولادة بطريق المشاهدة بخلاف الرجل. وفيه وجه ثالث يلحق الخلية دون المزوّجة، لتعذر الإلحاق بها دونه، وإذا قلنا يلحقها بالإستلحاق. وكان لها زوج لم يلحقه في الأصح وليس المراد بالزوج من هي في عصمته، بل كونها فراشا، لشخص لوثبت نسب اللقيط منها بالبينة، لحق صاحب الفراش سواء كانت في العصمة أو في العدة. وروى الإمام أحمد والطبراني بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال:
«الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاسية إياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد». وفي تاريخ ابن النجار عن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من بني إسرائيل، على ساحل البحر تغسل ثيابها، وصبي لها يدب بين يديها، إذ جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي، فجعلت تعدو خلفه وتقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث الله ملكا فنزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها. وقال: لقمة بلقمة.
وهو في الحلية عن مالك بن دينار وقال: أخذ السبع صبيا لامرأة فتصدقت بلقمة فرماه السبع فنوديت لقمة بلقمة. وروى الإمام أحمد في الزهد عن سالم بن أبي الجعد، قال: خرجت امرأة وكان معها صبي لها، فجاء الذئب فاختلسه منها فخرجت في أثره وكان معها رغيف، فعرض لها سائل فأعطته الرغيف، فجاء الذئب بصبيها فرده عليها وقد تقدم نظير ذلك عنه في باب الهمزة في الأسود السالخ. قال ابن سعد كان موسى بن أعين راعيا بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الذئاب والشاه والوحش ترعى في موضع واحد فبينما نحن ذات ليلة إذ عرض الذئاب لشاة، فقلنا ما نرى الرجل الصالح إلا قد مات، فنظرنا فإذا عمر بن عبد العزيز قد مات تلك الليلة، وذلك لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى ومائة كما تقدم في الأوز وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر. وروى الإمام أحمد في الزهد أيضا عن مالك بن دينار قال: لما استعمل عمر بن عبد العزيز على الناس، قال رعاة الشاة: من هذا العبد الصالح الذي قام على الناس؟
قيل لهم: وما أعلمكم بذلك قالوا إنه إذا ولي على الناس خليفة عدل كفت الذئاب والأسد عن شياهنا.
الحكم يحرم أكله لتقويته بنابه.
الأمثال وصفته العرب بأوصاف مختلفة فقالوا: «أغدر من ذئب». واختل وأخبث واخون وأجول وأعتى وأعوى وأظلم وأحرأ وأكسب وأجوع وأنشط وأوقح
واجسر وأيقظ وأعق وألأم من ذئب». وقالوا: «أخوك أم الذئب وقالوا:
«أخف رأسا من الذئب». لأنه ينام بإحدى مقلتيه كما تقدم. وسيأتي له ذكر في أمثال الغراب.
وقالوا في الدعاء على العدو: رماه الله بداء الذئب أي الجوع، وقالوا: الذئب يكنى أبا جعدة كما تقدم، وقالوا: «من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم». أي ظلم الغنم، ويجوز أن يراد به ظلم الذئب، حيث كلفه ما ليس في طبعه، وأول من قال ذلك أكثم بن صيفي، وقاله عمر رضي الله تعالى عنه في قصة سارية بن حصن المشهورة، وذلك أنه كان يخطب يوم الجمعة بالمدينة فقال في خطبته: «يا سارية بن حصن الجبل الجبل من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم». فالتفت الناس بعضهم إلى بعض، ولم يفهموا مراده فلما قضى صلاته، قال له علي كرم الله وجهه: ما هذا الذي قلته؟ قال: أو سمعته؟ قال: نعم. أنا وكل من في هذا المسجد. قال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم، وأنهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه، قاتلوا من وجدوا وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا فخرج مني هذا الكلام، فجاء البشير بعد شهر، فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم، في تلك الساعة حين جاوزوا الجبل، صوتا يشبه صوت عمر رضي الله تعالى عنه يقول: يا سارية بن حصن الجبل الجبل! فعدلوا إليه ففتح الله عليهم. كذا نقله في تهذيب الأسماء واللغات، وفي طبقات ابن سعد وأسد الغابة أنه سارية بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن جابر.
وأنشدوا في معنى هذا المثل البيت:
وراعي الشام يحمي الذئب عنهافكيف إذا الرعاة لها ذئاب!
كان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى يقول لعلماء الدنيا في زمانه: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية، وأثوابكم طالوتية، وأخفافكم جالوتية، وأوانيكم فرعونية، ومراكبكم قارونية، وموائدكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين المحمدية.
الخواص إذا علق رأس الذئب في برج حمام لم يقربه سنور ولا شيء يؤذي الحمام. وكعب الذئب الأيمن إذا علق على رأس رمح، ثم إجتمع عليه جماعة لم يصلوا إليه ما دام الكعب معلقا على رمحه. وعينه اليمنى من علقها عليه لم يخف لصا ولا سبعا. وخصيته إذا شقت وملحت بملح وسقي منها وزن مثقال بماء الجرجير من به وجع الخاصرة ابرأه، وهو نافع أيضا لذات الجنب إذا شرب منها بماء حار وعسل. ودمه ينفع من الصمم إذا ديف بدهن الجوز وقطر في الأذن. ودماغه يداف بماء السذاب والزيت ويدهن به الجسد ينفع من كل علة ظاهرة وباطنة في البدن من البرد.
وأنيابه وجلده وعينه إذا حملها الإنسان معه غلب خصمه، وكان محببا إلى الناس جميعا وكبده تنفع من وجع الكبد. وقضيبه إذا شوي في الفرن ومضغت منه قطعة هيجت الباه، وإذا خلطت مرارته بالعسل أو بالماء ولطخ بها الذكر وقت الجماع أحبت المرأة الرجل حبا شديدا. وإذا علق ذنب الذئب على معلف بقر لم تقرب إليه ما دام معلقا، وإن أجهدها الجوع. وإن بخر موضع بزبله لم يقربه الفأر. وقيل: يجتمع إليه الفأر، وإذا إجتمع جلده وجلد شاة في موضع واحد تجرد جلد الشاة كما تقدم. ومن أدمن الجلوس على جلده أمن من القولنج، وإذا علق وتر من ذنبه على شيء من الملاهي وضرب بها تقطعت جميع أوتار الغنم التي تكون على الملاهي، ولم يسمع لها صوت، وإذا بخر بجلد الذئب حانوت من يعمل الدفوف التي تلعب بها النساء، تشققت وإن اتخذ طبل من جلده وضرب به بين طبول تشققت الطبول كلها. وشحمه ينفع من داء الثعلب، وشرب مرارته ينفع من استرخاء البطن، وإذا لطخ بها على الإحليل جامع الرجل ما شاء، وإذا طلي بمرارته مع مرارة نسر ودهن الزئبق هيج الباه وأنعظ. وربما أنزل من لذة ذلك وإذا ديفت مرارته بدهن ورد ودهن بها الرجل حاجبيه أحبته المرأة إذا مشي بين يديها. وإذا خلطت مرارته بورس وطلي بها الوجه أذهب البهق. وعين الذئبة إذا علقت على من يصرع تمنع من الصرع، وإن أخذ عظم من العظام التي توجد في ذيل الذئب، وخدش بها الضرس الوجع أبرأه من وقته. وقال جالينوس: يسعط بمرارة الذئب ودهن البنفسج من به الشقيقة المزمنة، فأنه يبرأ. وإن سعط بذلك المولود أمن من الصرع ما عاش. وعيناه إذا علقتا على صبي لم يصرع وإن أخذ جزء من مرارة الذئب وجزء من عسل لم تصبه النار واكتحل به نفع من ظلمة العين وضعف البصر. وإن عقد ذنب الذئب بإسم امرأة، لم يقدر عليها أحد من الرجال، حتى تحل العقدة. وأن خلطت مرارة الذئب بعسل، وطلي به الذكر، وجامع امرأة، فإنها تحب ذلك الرجل حبا شديدا، ودم الذئب ينضج الجراحات.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع