تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الذر

النمل الأحمر الصغير واحدته ذرة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ

أي لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، أي وزن ذرة. سئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة. والذرة واحدة منها وقيل: إن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر وستره ثم وزنه فلم يزد شيئا. وقيل: الدر اجزاء الهباء في الكوة، وكل جزء منه ذرة ولا يكون لها وزن. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، في شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة: «ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». صحفها شعبة بن بسطام، وقال: مثقال ذرة بضم الذال وتخفيف الراء وقال العبدري: إنما قال درة بالدال المهملة وتشديد الراء واحدة الدر وهو تصحيف التصحيف. قال ابن بطة من الحنابلة في تفسير الآية: مثقال مفعال من الثقل، والذرة النملة الصغيرة الحمراء، وهي أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر وتحرى كما تفعل الأفعى. تقول العرب أفعى حارية وهي أشدها سما قال امرؤ القيس:

من القاصرات الطّرف لو دبّ محولمن الذّر فوق الأتب منها الأثّرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

المحول الذي أتى عليه حول والأتب ثوب تلقيه المرأة في عنقها بلا كم ولا جيب وقال حسان:

لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لأندبتها الكلوم
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «لو يدب الحولي من ولد»

أي لو دبت الحولية من الذر عليها لأثرت بها الكلوم. وقال السهيلي وغيره: أهلك الله تعالى جرهم بالذر والرف، حتى كان آخرهم موتا امرأة رؤيت تطوف بالبيت بعدهم بزمان، فتعجبوا من طولها وعظم خلقها، حتى قال لها قائل: أجنية أنت أم إنسية؟ فقالت: بل انسيه من جرهم، ثم اكترت من رجلين من جهينة بعيرا إلى أرض خيبر، فلما أنزلاها استخبراها عن الماء فأخبرتهما، فوليا فأتاها الذر فتعلق بها إلى أن انتهى إلى خياشيمها، ثم نزل إلى حلقها فهلكت.

وعبر عن الذرة يزيد بن هارون بأنها دودة حمراء وهي عبارة فاسدة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الذرة رأس النملة. وقال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيآتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

انتهى. وهذه الآية كان رسول الله ﷺ يسميها الجامعة الفاذة، أي المنفردة في معناها. وروى البيهقي في الشعب، من حديث صالح المري عن الحسن عن أنس أن سائلا أتى النبي ﷺ فاعطاه تمرة فقال السائل: سبحان الله نبي من أنبياء الله يتصدق بتمرة: فقال النبي ﷺ: «أو ما عملت أن فيها مثاقيل ذر كثير». «ثم أتاه آخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبدا فأمر له بمعروف.

وفي رواية قال للجارية: إذهبي إلى أم سلمة فمريها فلتعطه الأربعين درهما التي عندها قال أنس:

فما لبث الرجل أن استغنى». وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة». وأعطى سعد بن أبي وقاص ﵁ سائلا تمرتين، فقبض السائل يده فقال له سعد: يا هذا إن الله قد قبل منا مثاقيل الذرة. وفعلت عائشة رضي الله تعالى عنها هذا في حبة عنب. وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التميمي عند النبي ﷺ فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. وسمعها رجل عند الحسن البصري فقال: انتهت الموعظة. فقال الحسن: فقه الرجل. وروى الحاكم في المستدرك عن أبي أسماء الرحبي، أن هذه السورة نزلت وأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، يأكل مع النبي ﷺ، فترك أبو بكر الأكل وبكى، فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك». فقال: يا رسول الله أو نسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال رسول الله ﷺ:

«يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة». قال: والذرة نملة صغيرة حمراء لا يرجح بها ميزان. وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي هريرة رضي الله تعالى أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالجبارين والمتكبرين يوم القيامة رجال على صور الذر يطؤهم الناس، من هوانهم على الله، حتى يقضي بين الناس، قال: ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار. قيل: يا رسول الله وما نار الأنيار؟ قال عصارة أهل النار». ورواه صاحب الترغيب والترهيب. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم

القيامة أمثال الذر في صور الناس، يغشاهم الصغار من كل مكان، ويساقون إلى سجن من النار يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار». رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وفي شعب الإيمان للبيهقي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابية في البادية في كوخ فقلت لها يا اعرابية من يؤنسك ههنا؟ قالت: يؤنسني مؤنس الموتى في قبورهم. قلت: ومن أين تأكلين؟ قالت: يطعمني مطعم الذرة وهي أصغر مني. وفي المدهش للإمام العلامة أبي الفرج بن الجوزي أن رجلا من العجم طلب الأدب حينا فبينما هو في بعض الطريق سائر إذ مرّ بصخرة ملساء فتأملها فإذا ذر يدب عليها، وقد أثر عليها من كثرة دبيبه ففكر وقال: مع صلابة هذا الحجر، وخفة هذا الذر قد أثر فيه هذا الأثر، فأنا أحرى على أن أدوم على الطلب فلعلي أظفر ببغيتي. فراجع الإثبات على الأدب، فلم يلبث أن خرج مبرزا. وهكذا يجب أن يكون طالب فائدة دينية أو دنيوية، لا سيما طالب التوحيد والمعرفة، أن يكون كرارا غير فرار، فإما الظفر والغنيمة وإما القتل والشهادة. وسئل أبو زيد البسطامي رحمه الله تعالى، عن العارف؟ فقال: هو أن يكون وحداني التدبير، فرداني المعنى، صمداني الرؤية، رباني القوة، وحداني العيش، نوراني العلم خلداني العجائب، سماوي الحديث، وحشي الطلب ملكوتي السر، عنده مفاتح الغيب، وخزائن الحكم وجواهر القدس، وسرادقات الأبرار، فإذا جاوز الحد وارتفع إلى أعلى فهو غير مدرك وحاله غير موصوف. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس». ورواه الترمذي، وقال: حسن غريب. وقيل: المراد بالكبر ههنا الكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. وقيل لا يكون في قلبه كبر حين دخول الجنة. كما قال الله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ

الآية وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم، والظاهر فيه ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين، أنه لا يدخلها دون مجازاة، أو لا يدخلها مع أول الداخلين، وأما قوله، «فقال رجل». فذلك الرجل هو مالك بن مرارة الرهاوي، قاله القاضي عياض، وأشار إليه ابن عبد البر. وحكى أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في إسمه أقوالا: أحدها أنه أبو ريحانة، وإسمه شمعون، وقيل: ربيعة بن عامر، وقيل: سواد بالتخفيف بن عمرو، وقيل: معاذ بن جبل. ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع.

وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاص. ومعنى قوله إن الله جميل: أي إن كل أمره سبحانه حسن وجميل، فله الأسماء الحسنى، وصفات الجمال والكمال، وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم وسميع بمعنى مكرم ومسمع. وقال أبو القاسم القشيري: معناه جليل: وقيل معناه ذو النور والبهجة أي مالكهما وقيل: معناه جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه، ويثيب عليه

الجزيل سبحانه ما أكرمه! قال شيخ الإسلام يحيى النووي رحمه الله تعالى: هذا الإسم ورد في الحديث الصحيح وورد في الأسماء الحسنى. وفي إسناده مقال والمختار جواز اطلاقه على الله تعالى، ومن العلماء ومن معه. وقال إمام الحرمين أبو المعالي: ما ورد به الشرع جوزنا إطلاقه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتجويز ولا منع، فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولو قضينا بتحريم أو تحليل لكنا مثبتين حكما بغير الشرع، ثم لا يشترط في جواز الاطلاق ورود ما نقطع به في الشرع، ولكن ما يقتضي العمل، وإن لم يوجب العمل فإنه كاف إلا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، ولا يجوز التمسك بها في تسمية الله تعالى وصفته. قال النووي:

وقد اختلف أهل السنة في تسميته تعالى ووصفه، من أوصاف الكمال والجلال والمدح، بما لم يرد به الشرع ولا منعه، فأجازه طائفة ومنعه آخرون، إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع على اطلاقه، فإن ورد به خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل. وذلك جائر بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاده ما يجوز أن يستحيل على الله تعالى، وطريق هذا القطع، قال القاضي: والصواب جوازه لاشتماله على العمل، ولقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها

وهو كما قال. وأما قوله وغمط الناس كذا في نسخ صحيح مسلم، وكذلك ذكره أبو داود في مصنفه، وذكره الترمذي وغيره غمص بالصاد المهملة وهما بمعنى واحد وهو احتقارهم.

وأما رؤيته في المنام، فإنها تعبر بالنسل لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ

والذر أيضا يعبر بالضعفاء من الناس. وقيل: الذر جند لأنه من النمل والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.