من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الشاهين
: جمعه شواهين وشياهين، وليس بعربي، لكن تكلمت به العرب. قال الفرزدق:
حمى لم يحطّ عنه سريع ولم يخفنويرة يسعى بالشياهين طائرة
ويروى بالشواهين وقال عبد الله بن المبارك:
قد يفتح المرء حانوتا لمتجرهوقد فتحت لك الحانوت بالدين
بين الأساطين حانوت بلا غلقتبتاع بالدين أموال المساكين
صيّرت دينك شاهينا تصيد بهوليس يفلح أصحاب الشواهين
وقد تقدمت له أبيات، في باب الباء الموحدة، في البازي، تشبه هذه. ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا. والشاهين ثلاثة أنواع: شاهين وقطامي وأنيقي. والشاهين في الحقيقة من جنس الصقر، إلا أنه أبرد منه وأيبس مزاجا، ولأجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة، ولهذا ينقض على سيده انقضاضا من غير تحريم، وعنده جبن وفتور، وهو مع ذلك شديد الضراوة على الصيد ولأجل ذلك ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. وعظامه أصلب من عظام سائر الجوارح وبعضهم يقول الشاهين كاسمه يعني الميزان، لأنه لا يتحمل أدنى حال من الشبع، ولا أيسر حال من الجوع، والمحمود من صفاته أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين، رحب الصدر، ممتلىء الزور، عريض الوسط، جليد الفخذين، قصير الساقين، قليل الريش، رقيق الذنب إذا صلب عليه جناحيه، لم يفضل عنه منهما شيء، فإذا كان كذلك، صاد الكركي وغيره. ويقال: إن أول من صاد به قسطنطين، وكانت الشواهين ريضت له، وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظله من الشمس، وكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى، فإذا ركب وقفت حوله إلى أن ركب يوما، فثار طائر من الأرض، فانقض عليه بعض الشواهين، فأخذه فأعجبه ذلك وضراه على الصيد.
وحكمه : يأتي في باب الصاد المهملة، إن شاء الله تعالى، في الصقر.
ومن الرسائل التي كتبتها قديما للأخ فارس الدين شاهين، وأنا بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام:
سلام كما فاحت بروض أزاهريضيء كما لاحت بأفق زواهر
إذا عبقت كتبي به قال قائلأفي طيها نشر من المسك عاطر
إلى فارس الدين الذي قد ترحلتلخدمة خدام مصر الأكابر
إذا عدّ خدام الملوك جميعهمفبينهم ذكر لشاهين طائر
وعندي اشتياق نحوه وتلفتإليه وقلبي بالمودة عامر
تمنيت جهدي أن أراه بحضرةمعظمة أقطارها وهو حاضر
وأدعو له في كلّ وقت مشرفوكلّ زمان فضله متواتر
وفي مسجد عال كريم معظمله شرف في سائر الأرض سائر
يقبل الأرض التي لها بشاهين علو النسرين، وجود المرزمين، قصرت عقاب الجو عن مطارها، والعنقاء ذات الحسن عن محاسن أخبارها، وطائرها الميمون صراح، وحامل بطائق سعدها، منشور الجناح، يعترف أبو الصقر لشاهينها، والبزاة وإن استقرت على يمين الملوك لتمكينها، طالما تصيدت الملوك بإحسانها، ونشرت جناحا طار إلى أفق المعالي ومكانها، وينهي أن له إلى مولانا أشواقا غالبه، وعينا برؤيته في تلك البقاع الشريفة مطالبه، وأدعية له عليها في كل وقت مواظبه، ويذكر إجسان مولانا، ويصفه فما أولانا بذكر ما أولانا، وكيف لا يجوز صدقا قصب السبق وهي فارسية، ويطير حائما على أفق العلا فضله وهو ذو نسبة شاهينيه، والمملوك يتذكر صدقاته وإحسانه في كل أوقاته، على أن المخدوم مازال يستبق الخيرات، ويسارع إلى جبر القلوب بأنواع المسرات، ويبذل معروفه إلى البعيد والقريب، ويرسل جوده الذي ما زال يلبي دعوة الداعي ويجيب، فأدام الله على مولانا سوابغ نعمه، وعمه بإحسانه العميم بمنه وكرمه. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الصقر ذكر أبي الصقر المشار إليه.
وتعبيره : يأتي في الصقر، إن شاء الله تعالى أيضا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع