تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الطاوس

طائر معروف وتصغيره طويس، بعد حذف الزوائد، وكنيته أبو الحسن وأبو الوشي، وهو في الطير كالفرس في الدواب، عزا وحسنا، وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه. والأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه وتبيض الأنثى مرة واحدة في السنة اثنتي عشرة بيضة وأقل وأكثر، ولا تبيض متتابعا ويسفد في أيام الربيع، ويلقي ريشه في الخريف كما يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا طلوع الأوراق في الشجر طلع ريشه، وهو كثير العبث بالأنثى، إذا حضنت، وربما كسر البيض ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، ولا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين منه، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل والشرب، مخافة أن تقوم فيفسده الهواء. والفرخ الذي يخرج من

حضن الدجاجة، يكون قليل الحسن، ناقص الخلق وناقص الجثة، ومدة حضنه ثلاثون يوما، وفرخه يخرج من البيضة كالفروج كاسيا كاسبا، وقد أحسن الشاعر في وصفه حيث قال:

سبحان من من خلقه الطاوسطير على أشكاله رئيس
كأنه في نقشه عروسفي الريش منه ركّبت فلوس
تشرق في داراته شموسفي الرأس منه شجر مغروس
كأنه بنفسج يميسأو هو زهر حرم يبيس

وأعجب الأمور أنه مع حسنه يتشاءم به، وكأن هذا، والله أعلم، أنه لما كان سببا لدخول إبليس الجنة، وخروج آدم منها، وسببا لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا، كرهت إقامته في الدور بسبب ذلك.

حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوسا، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قردا فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاوس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا

فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عراقوته.

فائدة

: طاوس بن كيسان فقيه اليمن كان اسمه ذكوان، فلقب بطاوس لأنه كان طاوس القراء والعلماء. وقيل: اسمه طاوس وكنيته أبو عبد الرحمن، كان رأسا في العلم والعمل، من سادات التابعين أدرك خمسين صحابيا من أصحاب النبي ﷺ، وسمع ابن عباس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار وعمرو بن شعيب، ومحمد بن شهاب الزهري وآخرون.

قال ابن الصلاح، في رحلته: روينا عن الزهري، أنه قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟

قال: قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. فقال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال:

فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أن يسود الناس.

قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت:

من الموالي. فقال: كما قال في الأولين. ثم قال: فمن يسود أهل الشأم؟ قلت: مكحول الدمشقي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي، أعتقته امرأة من هذيل.

فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك

بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.

قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: من العرب أم من الموالي؟

قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرّجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على المنابر، وإن العرب تحتها! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط.

ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس: إن أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير. قال عمر: كفى بها موعظة. وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن طاوس، أنه قال: بينا أنا بمكة استدعاني الحجاج، فأتيته فأجلسني إلى جانبه وأتكأني على وسادة، فبينما نحن نتحدث، إذ سمع صوتا عاليا بالتلبية، فقال: عليّ بالرجل، فأحضر فقال له: ممن الرجل؟

قال: من المسلمين. فقال: إنما سألتك عن البلد والقوم! قال: من أهل اليمن، فقال: كيف تركت محمد بن يوسف يعني أخاه، وكان واليا على اليمن، فقال: تركته جسيما وسيما لباسا حريرا، ركابا خراجا ولاجا! فقال: إنما سألتك عن سيرته، فقال: تركته غشوما ظلوما، مطيعا للمخلوق، عاصيا للخالق! قال: أتقول فيه هذا وقد علمت مكانه مني؟ فقال الرجل: أتراه بمكانه منك أعز من مكاني من ربي، وأنا مصدق نبيه ﷺ، ووافد بيته؟! فسكت الحجاج، وذهب الرجل من غير إذن. قال طاوس: فتبعته فقلت: الصحبة، فقال: لا حبا ولا كرامة، ألست صاحب الوسادة؟! الآن وقد رأيت الناس يستفتونك في دين الله، قلت: إنه أمير مسلط، أرسل إليّ فأتيته كما فعلت أنت. قال: فما ذاك الاتكاء على الوسادة في رخاء بال؟! هلا كان لك من واجب نصحه، وقضاء حق رعيته بوعظه، والحذر من بوائق عسفه، وتخلى نفسك من ساعة الأنس به ما يكدر عليك تلك الطمأنينة؟! قلت: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم أسألك الصحبة؟! فقال: غفر الله لك إن لي مصحوبا شديد الغيرة عليّ، فلو أنست بغيره رفضني. ثم تركني وذهب.

وفي تاريخ ابن خلكان، عن عبد الله الشامي، قال: أتيت طاوسا فخرج إلي شيخ كبير، فقلت: أنت طاوس؟ فقال: أنا ابنه، فقلت: إن كنت ابنه فإن الشيخ قد خرف! قال: إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه، فقال: أتحب أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والفرقان في مجلسي هذا؟ قلت: نعم. فقال: خف الله مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك.

وقالت امرأة: ما بقي أحد إلا فتنته إلا طاوسا فإني تعرضت له، فقال لي: إذا كان وقت كذا فتعالي! قالت: فجئت ذلك الوقت، فذهب بي إلى المسجد الحرام، وقال: اضطجعي فقلت:

ههنا؟! فقال: الذي يرانا ههنا يرانا في غيره! فتابت المرأة. وقال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج.

وكان طاوس يقول: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه.

وقال: لقي عيسى ابن مريم ﵇ إبليس فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك؟

قال: نعم. قال إبليس: فارق إلى ذروة هذا الجبل وترد منها، فانظر أتعيش أم لا؟ فقال له عيسى ﵇: أما علمت أن الله قال: لا يختبرني عبدي، فإني أفعل ما شئت، إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده. قال طاوس: فخصمه.

وكان يقول: صاحب العقلاء تنسب إليهم، وإن لم تكن منهم. وروى أبو داود الطيالسي، عن زمعة ابن صالح عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال: من لم يدخل في وصية، لم تنله بلية، ومن لم يتول القضاء بين الناس لم ينله جهد البلاء.

وروى أحمد عنه، في كتاب الزهد، أنه قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعة أيام، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام. قال: وكان من دعاء طاوس: اللهم ارزقني الإيمان والعمل، ومتعني بالمال والولد.

روى عنه الحافظ أبو نعيم وغيره، أنه قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء؟

فقالوا: من أمرضه وليس لك من ميراثه شيء فمرضه حتى مات. ولم يأخذ من ميراثه شيئا فأتى إليه في النوم، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه مائة دينار. فقال في نومه: أفيها بركة؟ فقال:

لا. فأصبح فذكر ذلك لامرأته فقالت: خذها فإن من بركتها أن تكتسي منها وتعيش فأبى. فلما أمسى أتى له في النوم، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: أفيها بركة؟

قال: لا. فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته، فقالت له مثل مقالتها الأولى، فأبى أن يأخذها. فأتى له في الليلة الثالثة، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه دينارا، قال: أفيه بركة؟ قال: نعم.

فذهب فأخذ الدينار، ثم خرج به إلى السوق، فإذا هو برجل يحمل حوتين، فقال له: بكم هما؟

فقال: بدينار فأخذهما منه بالدينار، وانطلق بهما إلى منزله، فشق بطونهما فوجد فيهما درتين، لم ير الناس مثلهما. قال: فبعث الملك يطلب درة ليشتريها فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلا ذهبا. فلما رآها الملك، قال: ما تصلح هذه إلا بأخت، أطلبوا أختها وإن أضعفتم ثمنها فجاؤوا إليه فقالوا له: أعندك أختها، ونحن نعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم.

فأعطاهم إياها بضعف ما أخذوا به الأولى.

توفي طاوس وهو ابن بضع وسبعين سنة حاجا بمكة، قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وهو أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست ومائة. وحج أربعين حجة وكان مجاب الدعوة.

الحكم : يحرم أكل لحم الطاوس لخبث لحمه، وقيل: يحل لأنه لا يأكل المستقذرات واللحوم، وعلى الوجهين يصح بيعه إما لحل أكله، وإما للتفرج على لونه. وقد تقدم في الصيد، أن أبا حنيفة قال: لا يقطع سارق الطيور لأن أصلها على الإباحة، وخالفه الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم في ذلك.

الأمثال : قالوا: «أزهى من طاوس» و «أحسن من طاوس». قال الجوهري: وقولهم:

«أشأم من طويس» »

، هو مخنث كان بالمدينة، قال: يا أهل المدينة توقعوا خروج الدجال ما دمت حيا بين ظهرانيكم، فإذا مت فقد أمنتم، لأني ولدت في الليلة التي مات فيها النبي ﷺ، وفطمت في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي.

وذكر ابن خلكان أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة، أن أحص المخنثين قبلك فوقعت على الحاء نقطة فأمر بالمخنثين فخصوا، وخصي طويس من جملتهم فلما خصوهم، أظهروا الفرح بذلك حتى قال أحدهم: ما كان أغنانا عن سلاح لا نقاتل به. وقال آخر، وهو طويس: أف لكم ما سلبتموني إلا ميزاب بول انتهى. وكان طويس اسمه طاوس، فلما تخنث جعلوه طويسا ويسمى بعبد النعيم وقال في نفسه:

إنني عبد النعيمأنا طاوس الجحيم
وأنا أشأم من يمشيعلى ظهر الحطيم
أنا حاء ثم لامثم قاف حشو ميم

عنى بقوله حشو ميم الياء، لأنك إذا قلت: ميم وقعت بين الميمين ياء، يريد أنه حلقي. وأراد بالحطيم الأرض، فكأنه قال: أنا أشأم الناس. توفي في طويس في سنة اثنتين وتسعين من الهجرة.

الخواص : لحم الطاوس عسر الهضم رديء المزاج، وأجوده الحديث ينفع المعدة الحارة، وسلقه قبل طبخه بالخل، يدفع ضرره، وهو يولد كيموسا غليظا يوافق الأمزجة الحارة. وقد كرهت الحكماء لحوم الطواويس وقالوا: إنها أغلظ لحوم جميع الطيور وأعسرها انهضاما، ويجب أن يذبح ويبيت مثقلا ويطبخ وينضج، ويمنع منه أصحاب الترفه والرفاهية، فإنه من أغذية أصحاب الرياضة. قال ابن زهر، في خواصه: إن الطاوس إذا رأى طعاما مسموما، أو شم رائحته فرح ونشر جناحيه ورقص، وبان منه السرور، ومرارته إذا سقي منها المبطون بالكنجبين والماء الحار أبرأه. ونقل عن هرمس، أن مرارته إذا شربت بخل نفعت من لدغ الهوام، لكن قال صاحب عين الخواص: قالت الحكماء، وأطهورس: إن مرارة الطاوس، إن سقي منها إنسان جن، قال:

وقد جربته. وقال هرمس: إن خلط دم الطاوس بالأنزروت والملح وطلي به القروح الرديئة الرطبة، التي يخاف منها الأكلة، أبرأها. وزبله، إن طلي به الثآليل قلعها، وعظامه، إذا أحرقت، وسحقت وإلي بها الكلف أبرأته بإذن الله تعالى.

التعبير : الطاوس تدل رؤيته على التيه والعجب بالحسن والجمال لمن ملكه، وربما دلت رؤيته على النميمة والغرور والكبر والانقياد إلى الأعداء، وزوال النعم، والخروج من النعيم إلى الشقاء، ومن السعة إلى الضيق، وربما تدل رؤيته على الحلي والحلل، والتاج والأزواج الحسان، والأولاد الملاح. وقال المقدسي: الطاوس في المنام، امرأة عجمية ذات مال وجمال، لكنها مشؤومة

الناصية. والذكر من الطواويس ملك أعجمي، فمن رأى أنه يواخي الطواويس، فإنه يواخي ملوك العجم، وينال منهم جارية نبطية. وقال ارطاميدورس: الطواويس في الرؤيا تدل على أقوام صباح الوجوه، ضحاك السن. وقيل: الطاوس امرأة أعجمية غير مسلمة والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.