من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الطائر
واحد الطيور والأنثى طائرة، وهي قليلة، وجمع الطير أطيار وطيور. والطيران حركة ذي الجناحين في الهواء بجناحيه قال الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، والحشر والمحاسبة، والاقتصاص من بعضها لبعض كما تقدم. فإذا كان يفعل هذا بالبهائم، فنحن أحرى إذ نحن مكلفون عقلا. وقيل: أمم أمثالكم في التوحيد والمعروفة، قاله عطاء. وقوله بجناحيه تأكيد وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال طائر للنحس والسعد. وقال الزمخشري: الغرض من ذكر ذلك، الدلالة على عظيم قدرة الله ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره، تلك الخلائق المتفاوتة والأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، ومهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن. روى أحمد، باسناد صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: «طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة». قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة قال ﷺ:
«آكلها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها». ورواه الترمذي بنحو هذا اللفظ، وقال: إنه حسن. وروى البزار عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا». وفي أفراد مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال:
«يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير». قال النووي: قيل مثلها في وقتها وضعفها، كالحديث الآخر «أهل اليمن أرق وأضعف أفئدة». وقيل في الخوف والهيبة، لأن الطير أكثر الحيوان خوفا وفزعا، كما قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
وكأن المراد قوم غلب عليهم الخوف، كما جاء عن جماعات من السلف من شدة خوفهم. وقيل: المراد متوكلون، وقيل: الطائر ما تيامنت به أو تشاءمت به، وأصله في ذي الجناح. وقالوا: طائر الله لا طائرك، فرفعوه على إرادة: هذا طائر الله، وفيه معنى من الدعاء. وطائر الانسان عمله، الذي قلده، وقيل: رزقه، والطائر الحظ من الخير والشر، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
قيل: حظه، وقال المفسرون: ما عمل من خير أو شر ألزمناه عنقه، فلكل امرىء حظ من الخير والشر، قد قضاه الله تعالى، فهو ملازم عنقه. وإنما قيل: للحظ من الخير والشر طائر، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل. وفي سنن أبي داود وغيرها عن أبي رزين، قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت» قال: وأحسبه قال: «ولا تعبرها إلا على ذي ود أو ذي رأي».
وذكر ابن خلكان أن موسى بن نصير، أمير بلاد المغرب، وفد على الوليد بن عبد الملك، بعد أن فتح الغرب، إلى البحر المحيط إلى طليطلة، التي تحت بنات نعش، فأخبره بالفتح، وقدم معه بمائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، التي وجدت في طليطلة، وكانت مصوغة من الذهب والفضة، وعليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد، وكان قد حملها على بغل قوي، فما سار إلا قليلا حتى تفسخت قوائمه لعظمها، وقدم معه أيضا بتيجان ملوك اليونان، مكللة بالجواهر، وثلاثين ألف رأس من الرقيق.
قال: وكان اليونان، وهم أهل الحكمة، يسكنون بلاد المشرق قبل الاسكندرية، فلما ظهرت الفرس وزاحمت اليونان على ما بأيديهم من الممالك، انتقلوا إلى جزيرة الأندلس، لكونها طرفا من آخر العمارة، ولم يكن لها ذكر، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة، ولا كانت عامرة كلها، وكان أول من عمرها واختط فيها اندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسميت باسمه، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان، كانت صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق، وذنبه المغرب، وجناحاه الشمال والجنوب، وبطنه ما بينهما، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر. وكان اليونان لا يرون فناء الأمم بالحروب، لما فيه من الأضرار والاشتغال عن العلوم، التي أمرها عندهم أهم الأمور، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس، فعمروها وشقوا أنهارها، وبنوا المعاقل، وغرسوا الجنان والكروم، وملئوها حرثا ونسلا، فعظمت وطابت، حتى قال قائلهم، لما رأى بهجتها: إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله، وكان المغرب ذنبه، كان طاوسا، لأن معظم جماله في ذنبه. ولما كملت اليونان عمارة جزيرة الأندلس، جعلوا دار الحكمة والملك فيها مدينة طليطلة، لأنها وسط البلاد.
قيل: إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء: على أدمغة اليونان، وأيدي أهل الصين، وألسنة العرب.
وفي كفاية المعتقد لشيخنا الإمام العارف جمال الدين اليافعي ﵀، أن الشيخ العارف بالله تعالى عمر بن الفارض رحمه الله تعالى، دخل في أيام بدايته مدرسة بديار مصر، فوجد شيخا بقالا يتوضأ من بركة ماء فيها بغير ترتيب، فقال له: يا شيخ، أنت في هذا السن، وفي مثل هذا البلد، ولا تحسن الوضوء! فقال له: يا عمر ما يفتح عليك بمصر! فجاء إليه وجلس بين يديه وقال: يا سيدي ففي أي مكان يفتح علي؟ قال: بمكة، فقال له: يا سيدي وأين مكة؟ فقال له:
هذه وأشار بيده نحوها فكشف له عنها، وأمره الشيخ بالذهاب إليها في ذلك الوقت فوصل إليها في الحال، وأقام بها اثنتي عشرة سنة ففتح عليه، ونظم فيها ديوانه المشهور، ثم بعد مدة سمع الشيخ المذكور يقول: تعال يا عمر احضر موتي! فجاء إليه، فقال: خذ هذا الدينار فجهزني به، ثم احملني وضعني في هذا المكان، وأشار بيده إلى مكان في القرافة، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض، ثم انتظر ما يكون من أمري. قال: فعانيته ولم أزل معانيا له، حتى فرغت من
تجهيزه، ثم حملته ووضعته فيه ووقفت، فإذا أنا برجل قد نزل من الهواء، فصلينا عليه، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره، وإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر، فجاء طائر كبير فابتلعه ثم طار، فتعجبت منه! فقال لي ذلك الرجل: لا تعجب من هذا، فإن أرواح الشهداء، في حواصل طيور خضر، ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش! قال شيخنا: أولئك شهداء السيوف، وأما شهداء الصفوة، فأجسادهم أرواح، وقد تكلمت على مقام المحبة، في آخر الجزء الثامن من كتابي الجوهر الفريد في نحو خمس كراكيس، فلينظر هناك وبالله التوفيق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع