تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الضفدع

بكسر الضاد وسكون الفاء والعين المهملة بينهما دال مهملة، مثال الخنصر، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة وناس يقولون: ضفدع بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف: درهم وهجرع وهو الطويل وهبلع وهو الأكول، وبلعم وهو اسم. وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه، من حيث اللغة، كسر الدال وفتحها، أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصة وقد أنكره بعض أئمة اللغة، وقال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: وحكي أيضا ضفدع، بضم الضاد وفتح الدال، وهو نادر. وحكاه المطرزي أيضا، قال في الكفاية: وذكر الضفادع يقال له العلجوم، بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو وآخره ميم. ويقال للضفدع أبو المسيح وأبو هبيرة وأبو معبد وأم هبيرة.

والضفادع أنواع كثيرة، وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري، ومن العفونات وعقب الأمطار الغزيرة، حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة، عقب المطر والريح. وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة، من طباع تلك البرية، وهي من الحيوانات التي لا عظام لها. ومنها ما ينق وما لا ينق، والذي ينق منها يخرج صوته من قرب أذنه، وتوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء، وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق. وما أظرف قول الشاعر وقد عوتب على قلة كلامه:

قالت الضفدع قولافسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ينطقمن في فيه ماء

قال عبد القاهر: والثعبان يستدل بصياح الضفدع عليه، فيأتي على صياحه فيأكله. وأنشد في ذلك يقول:

يجعل في الأشداق ماء ينصفهحتى ينقّ والنقيق يتلفه

قوله: ينصفه بضم الياء المثناة تحت، واسكان النون وكسر الصاد المهملة، وليس المراد هنا العدل بل المراد حتى يبلغ نصف فكه الأعلى، وقوله: والنقيق يتلفه أراد به الضفادع إذا صاحت يتبعها الثعبان فيجيء فيأكلها وفي ذلك يقول الشاعر:

ضفادع في ظلماء تجاوبتفدلّ عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وحية البحر الأفعى التي تكون في البر، وهي تعيش في البر والبحر كما تقدم. ويعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها وتتعجب منها إلا أنها

تنق، فإذا أبصرت النار سكتت، ولا تزال تدمن النظر إليها، وأول نشئها في الماء أن تظهر مثل حب الدخن أسود ثم تخرج منه، وهي كالدعموص، ثم بعد ذلك تنبت لها الأعضاء، فسبحان القادر على ما يشاء وما يريد سبحانه لا إله إلا هو. وفي الكامل لابن عدي، في ترجمة عبد الرحمن بن سعد بن عثمان بن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ، عن جابر أن النبي ﷺ قال «من قتل ضفدعا فعليه شاة محرما كان أو حلالا». قال سفيان: يقال إنه ليس شيء أكثر ذكرا لله منه. وفيه، في ترجمة حماد بن عبيد، أنه روى عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضفدعا ألقت نفسها في النار من مخافة الله فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نقيقهن التسبيح. وقال «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع والصرد والنحلة» قال: ولا أعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث.

وفي كتاب الزاهر لأبي عبد الله القرطبي، أن داود ﵇ قال: لأسبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدعة من ساقية في داره: يا داود تفتخر على الله بتسبيحك، وإن لي لسبعين سنة ما جف لساني من ذكر الله تعالى، وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين. فقال: ما هما؟ قالت: يا مسبحا بكل لسان، ومذكورا بكل مكان، فقال داود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا؟.

وروى البيهقي في شعبه عن أنس بن مالك أنه قال: إن نبي الله داود ظن في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما مدحه به، فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه، والبركة إلى جنبه، فقال: يا داود افهم ما تصوت به هذه الضفدعة فأنصت إليها، فإذا هي تقول: سبحانك وبحمدك منتهى علمك. فقال له الملك: كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي كتاب فضل الذكر لجعفر بن محمد بن الحسن الغرياني الحافظ العلامة، عن عكرمة، أنه قال: صوت الضفدع تسبيح. وفيه أيضا عن الأعمش عن أبي صالح، أنه سمع صوت صرير باب، فقال: هذا منه تسبيح.

فائدة : قال الرئيس ابن سينا: إذا كثرت الضفادع في سنة، وزادت عن العادة، يقع الوباء عقبها. وقال القزويني: الضفادع تبيض في الرمل مثل السلحفاة، وهي نوعان: جبلية ومائية.

ونقل الزمخشري في الفائق، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، قال: سأل رجل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم رجلا كالبلور، يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة، قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له، فإذا ذكر الله خنس. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر هذا أيضا في لفظ الكركي، من كلام السهيلي.

الحكم : يحرم أكلها للنهي عن قتلها، وروى البيهقي في سننه، عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي ﷺ «نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد».

وفي مسند أبي داود الطيالسي، وسنن أبي داود والنسائي والحاكم، عن عبد الله بن عثمان التيمي عن النبي ﷺ، أن طبيبا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء، «فنهاه ﷺ عن قتلها». فدل على الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء. وقال بعض الفقهاء: إنما حرم الضفدع، لأنه كان جار الله في الماء الذي كان عليه العرش قبل خلق السموات والأرض، قال تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.

روى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح». قال السلمي: سألت الدارقطني عنه، فقال: إنه ضعيف، قلت:

الصواب أنه موقوف على عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قاله البيهقي، وقد تقدم في الخطاف. قال الزمخشري: إنها تقول في نقيقها سبحان الملك القدوس. وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع، فإنها مرت بنار إبراهيم ﵇، فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار.

وفي شفاء الصدور لابن سبع، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهن تسبيح».

ومن أحكامه : أنه ينجس بالموت كغيره من الحيوان الذي لا يؤكل. ونقل في الكفاية، عن الماوردي حكاية وجه أنه لا ينجس بالموت. وغلطه شيخنا، في النقل عنه، وقال: لا ذكر لهذا الوجه في الحاوي، ولا في غيره من كتبه اهـ. وإذا ماتت في ماء قليل، قال النووي: إن قلنا لا تؤكل نجسته بلا خلاف. وحكى الماوردي في نجاسته قولين: أحدهما ينجس كما ينجس بسائر النجاسات، والثاني يعفى عنه كدم البراغيث، والأصح الأول. ولما قدم وفد اليمامة على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، بعد قتل مسيلمة، قال لهم: ما كان صاحبكم يقول؟ فاستعفوه من ذلك.

فقال: لتقولن، قالوا: كان يقول يا ضفدع ابنة ضفدع، كم تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين.

الأمثال : قالوا: «أنق من ضفدع». قال الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حية البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وقد تقدم ذكره وهو كقولهم: «على أهلها دلّت براقش». وهي كلبة سمعت وقع حوافر الدواب فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم قال حمزة بن بيض:

لم يكن عن جناية لحقتنيلا يساري ولا يميني جنتني
بل جناها أخ على كريموعلى أهلها براقش تجني
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

الخواص : قال ابن جميع في كتابه الارشاد: لحوم الضفادع تغثي النفس وتورث إسهالا دمويا، فيتغير منه لون البدن، ويرم ويختلط العقل. وقال صاحب عين الخواص: شحم الضفادع الآجامية، إذا وضع على الأسنان قلعها من غير وجع، وعظم البري، إذا وضع على رأس القدر منعها من الغليان، وإذا يبس ضفدع في الظل ودق وطبخ مع خطمي، وطلي به بعد طلي النورة والزرنيخ لم ينبت عليه الشعر بعد ذلك. والضفدع إذا طرح وهو حي في الشراب الصرف مات، فإذا أخرج وألقي في ماء صاف عاش.

ونقل عن محمد بن زكريا الرازي أن رجل الضفدع، إذا علقت على من به النقرس سكن وجعه. انتهى. وإذا أخذت المرأة ضفدع الماء، فتحت فاه وبصقت فيه ثلاث مرات، ثم ردته إلى الماء فإنها لا تحبل وإذا مسحت القدر من ظاهرها بشحمه، وأوقد تحتها ما عسى أن يوقد، لم تغل أبدا. وإذا رضخت الضفدع، وجعلت على لسعة الهوام أبرأتها من وقتها. ومن خواصه العجيبة، أنه إذا شق نصفين من رأسه إلى أسفله، وامرأة تنظر إليه، غلبت شهوتها وكثر ميلها إلى الرجال.

وإذا علق لسانه على امرأة نائمة، أخبرت بكل ما عملت في اليقظة. وإذا جعل لسانه في خبز، وأطعم لمن اتهم بالسرقة، فإنه يقر بها. ودمه يطلى به الموضع الذي نتف شعره لم ينبت أبدا. ومن لطخ به وجهه أحبه الناس. وإذا وضع على اللثة أسقط السن، بلا تعب.

قال القزويني: ولقد كنت في الموصل، ولنا صاحب في بستان، بنى مجلسا وبركة، فتولدت فيها الضفادع وتأذى سكان المكان بنقيقها وعجزوا عن إبطاله، حتى جاء رجل فقال: اجعلوا طشتا على وجه الماء مقلوبا ففعلوا، فلم يسمع لها نقيق بعد ذلك. وقال محمد بن زكريا الرازي:

إذا وضع سراج في طاس، وجعل فوق الماء أو في قناة فيها أصوات الضفداع سكتت، ولا يسمع لها صوت البتة.

التعبير : الضفدع في المنام رجل عابد مجتهد في طاعة الله، لأنه صب الماء على نار نمرود.

والضفادع الكثيرة عذاب، لأنها من آيات موسى ﵊. قال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ

الآية. وقالت النصارى: من رأى أنه مع الضفادع حسنت عشرته مع أقربائه وجيرانه. ومن أكل لحم ضفدع في منامه، نال مشقة، وقال ارطاميدورس: الضفادع في المنام تدل على الخداعين والسحرة. وقال جاماسب: من كلم ضفدعا في المنام نال ملكا. ومن رأى الضفادع خرجت من مدينة خرج منها العذاب والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.