من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الضب
بفتح الضاد، حيوان بري معروف يشبه الورل، قال أهل اللغة: وهو من الأسماء المشتركة فيطلق على ورم في خف البعير وعلى ضبة الحديد، والضب اسم للجبل الذي بمسجد الخيف في أصله. وضبة الكوفة وضبة البصرة قبيلتان من العرب. والضب أن يجمع الحالب خلفي الناقة في كفيه جميعا أنشد ابن دريد:
جمعت له كفّي بالرمح طاعناكما جمع الخلفين في الضبّ حالب
وكنيته أبو حسل والجمع ضباب وأضب مثل كف وأكف والأنثى ضبة قالت العرب: «لا أفعله حتى يرد الضب»، لأن الضب لا يرد الماء. قال ابن خالويه، في أوائل كتاب ليس: الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال إنه يبول في كل أربعين يوما قطرة، ولا تسقط له سن ويقال إن أسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة. ومن كلامهم الذي وضعوه على ألسنة البهائم:
ثم قالت السمكة: رد يا ضب فقال:
أصبح قلبي صردالا يشتهي أن يردا
إلّا عرادا عرداوصلّيا نا بردا
وعنكشا ملتبدا
ولما كان بين الحوت والضب هذا التضاد أشار إليه حاتم الأصم ﵀ بقوله:
وكيف أخاف الفقر والله رازقيورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفّل بالأرزاق للخلق كلّهموللضبّ في البيدا وللحوت في البحر
وضبب البلد وأضب كثرت ضبابه. وأرض ضبية أي كثيرة الضباب. قال عبد اللطيف البغدادي:
الورل والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ، كلها متناسبة في الخلق. وللضب ذكران وللأنثى فرجان، كالورل والحرذون. وقال عبد القاهر: الضب دويبة على حد فرخ التمساح الصغير وذنبه كذنبه وهو يتلون ألوانا بحر الشمس كما تتلون الحرباء انتهى.
أسند ابن أبي الدنيا، في كتاب العقوبات، عن أنس قال: إن الضب ليموت في جحره هزالا من ظلم بني آدم، ولما سئل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، عن ذكر الضب، قال: إنه كلسان الحية أصل واحد له فرعان، وإذا أرادت الضبة أن يخرج بيضها، حفرت في الأرض حفرة، ورمت فيها البيض وطمتها بالتراب، وتتعاهدها كل يوم، حتى يخرج، وذلك في أربعين
يوما، وهي تبيض سبعين بيضة وأكثر، وبيضها يشبه بيض الحمام.
والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحدق للشمس، ويغتذي بالنسيم ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم، وفناء الرطوبات، ونقص الحرارات، وبينه وبين العقارب مودة، فلذلك يؤويها في جحره لتلسع المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، ولا يتخذ جحره إلا في كدية جحر، خوفا من السيل والحافر، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة لحفره بها في الأماكن الصلبة، وفي طبعه النسيان وعدم الهداية وبه يضرب المثل في الحيرة ولذلك لا يحفر جحره إلا عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه، إذا خرج لطلب المطعم، ويوصف بالعقوق لأنه يأكل حسوله فلا ينجو منها إلا ما هرب، وأشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
أكلت بنيك أكل الضب حتىتركت بنيك ليس لهم عديد
وهو طويل العمر، ومن هذه الجهات يناسب الحيات والأفاعي. ومن طبعه أنه يرجع في قيئه كالكلب، ويأكل رجيعه. وهو طويل الدم بعد الذبح وهشم الرأس، يقال إنه يمكث بعد الذبح ليلة ويلقى في النار فيتحرك. ومن شأنه في الشتاء أن لا يخرج من جحره، وقد أشار إلى ذلك أمية بن أبي الصلت لما جاء إلى عبد الله بن جدعان يطلب نائله بقوله:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنّ شيمتك الوفاء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرضه الثناء
كريم لا يغيره صباحعن الخلق الجميل ولا مساء
يباري الريح تكرمة ومجداإذا ما الضبّ أجحره الشتاء
فأرضك كلّ مكرمة بناهابنو تيم وأنت لها سماء
فائدة : روى الدارقطني والبيهقي، وشيخه الحاكم وشيخه ابن عدي، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان في محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله، فرأى جماعة محتفين بالنبي ﷺ، فقال: على من هؤلاء الجماعة؟ فقالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي. فأتاه فقال: يا محمد ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك وسررت الناس بقتلك أجمعين! فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله دعني أقتله. فقال ﷺ: «لا أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا». ثم أقبل الأعرابي على رسول الله ﷺ فقال: واللات والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن هذا الضب! وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ وقال: إن آمن بك آمنت بك! فقال ﷺ: «يا ضب»، فكلمه الضب بلسان طليق فصيح، عربي مبين صريح، يفهمه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين! فقال ﷺ «من تعبد» قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه. فقال ﷺ: «فمن أنا يا ضب» ؟
قال: أنت رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك.
فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله حقا، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض إلي منك، ووالله لأنت الساعة أحب إلي من نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري، وداخلي وخارجي، وسري وعلانيتي.
فقال له رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن» قال: فعلمني فعلمه النبي ﷺ سورة الفاتحة وسورة الإخلاص. فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الوجيز أحسن من هذا! فقال ﷺ: «إن هذا كلام رب العالمين وليس بشعر. إذا قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
مرة فكأنما قرأت ثلث القرآن، وإذا قرأتها مرتين، فكأنما قرآت ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاثا فكأنما قرأت القرآن كله».
فقال الأعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير، ويعطي الكثير. ثم قال له النبي ﷺ: «ألك مال» ؟ فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل أفقر مني. فقال ﷺ لأصحابه: «أعطوه»، فأعطوه حتى أبطروه. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، أنا أعطيه ناقة عشراء تلحق ولا تلحق، أهديت إلي يوم تبوك، فقال ﷺ: «قد وصفت ما تعطي، وأصف لك ما يعطيك الله جزاء» قال: نعم صف يا رسول الله. قال ﷺ: «لك ناقة من درة بيضاء جوفاء، قوائمها من زبرجد أخضر، وعيناها من ياقوت أحمر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والاستبرق، تمر بك على الصراط كالبرق الخاطف».
فخرج الأعرابي من عند رسول الله ﷺ فتلقاه ألف أعرابي على ألف دابة بألف سيف، فقال لهم: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا الذي يكذب ويزعم أنه نبي. فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا له: صبأت، فحدثهم بحديثهم، فقالوا كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم أتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله مرنا بأمرك، فقال ﷺ: «كونوا تحت راية خالد بن الوليد». فلم يؤمن في أيامه ﷺ من العرب، ولا من غيرهم ألف غيرهم.
الحكم : يحل أكل الضب بالاجماع. قال في الوسيط: ولا يؤكل من الحشرات إلا الضب.
قال ابن الصلاح، في مشكله: هذا غير مرضي فإن الحشرات اليربوع والقنفذ، ذكرهما الأزهري وغيره. وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قيل له: أحرام هو؟
قال: «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه». وفي سنن أبي داود، لما رأى النبي ﷺ الضبين المشويين بزق، فقال خالد: يا رسول الله أراك تقذره، وذكر تمام الحديث. وفي رواية لمسلم «لا آكله ولا أحرمه» وفي الأخرى: «كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي». وكل هذه الروايات صريحة في الإباحة، ولأن العرب تستطيبه والدليل عليه قول الشاعر:
أكلت الضباب فما عفتهاوإني اشتهيت قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذا وقدأتيت به فاترا في الشّبم
وأما البهض وحيتانكمفأصبحت منها كثير السّقم
وركبت زبدا على تمرةفنعم الطعام ونعم الأدم
وقد نلت منها كما نلتموفلم أر فيها كضبّ هرم
وما في التيوس كبيض الدجاجوبيض الدجاج شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العربوكاشيه منها رؤوس العجم
قوله: الحنيذ، أي المشوي، وماء الشبم بفتح الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة ماء الأسنان، والبهض بكسر الباء الموحدة وفتح الهاء وبالضاد المعجمة الأرز باللبن، والقرم بفتح القاف وكسر الراء الرجل يشتهي اللحم، والمكن بفتح الميم وإسكان الكاف وبالنون في آخره، بيض الضب والكشا جمع كشية بضم الكاشف وإسكان الشين المعجمة. ولا يكره أكله عندنا خلافا لبعض أصحاب أبي حنيفة. وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه. قال الإمام العلامة النووي:
وما أظنه يصح عن أحد انتهى.
وأما ما روي عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: نزلنا أرضا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة، فطبخنا منها أي من الضباب، فإن القدور لتغلي إذ جاءنا رسول الله ﷺ، فقال: «ما هذا» ؟
فقلنا: ضباب أصبناها، فقال: «إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا منها فلم آكلها ولم أنه عنها»، فيحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا يعقب.
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ لما خرج إلى حنين، مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فو الذي نفسي بيده لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» ؟ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما أشبه الليلة بالبارحة؟ هؤلاء بنو إسرائيل. قال ابن العربي، في عارضة الأحوذي: تفكرت برهة في وجه ضرب المثل بالضب، فعرضت لي في الخاطر معان، أشبهها الآن أن الضب عند العرب يضرب به المثل للحاكم من الإنس، والحاكم تأتي إليه الخلق بأجمعهم، فيما يعرض من الأمور لهم، فلا يتأخر أحد عنه فكان المعنى مصيرهم لذلك.
الأمثال : قالوا: «أضل من ضب »، والضلال ضد الهداية. وكذلك قالوا في الورل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقالوا: «أعق من ضب » قال ابن الأعرابي: إنما يريدون الأنثى وعقوقها أنها تأكل أولادها. «وأحيى من ضب»، أي أطول عمرا و «أجبن من ضب» و «أبله من ضب» و «أخدع من ضب ». قال الشاعر:
وأخدع من ضبّ إذا جاء حارسأعدله عند الذبابة عقربا
وقالوا: «أعقد من ذنب الضب»
»، لأن عقده كثيرة. وزعموا أن بعض الحاضرة، كسا أعرابيا ثوبا، فقال له: لأكافئنك على فعلك بما أعلمك كم في ذنب الضب من عقدة؟ قال: لا أدري، قال: فيه إحدى وعشرون عقدة.
الخواص : إذا خرج الضب من بين رجلي انسان، لا يقدر بعد ذلك على مباشرة النساء.
ومن أكل قلبه أذهب عنه الحزن والخفقان، وشحمه يذاب ويطلى به القضيب يهيج شهوة الجماع، ومن أكل منه لا يعطش زمانا طويلا، وخصيتاه من استصحبهما معه يحبه الخدم محبة شديدة، وكعبه يشد على وجه الفرس لا يسبقه شيء من الخيل، عند المسابقة. وجلده يجعل منه غلاف للسيف يشجع صاحبه، وإن اتخذ ظرفا للعسل، فمن لعق منه هيج شهوة الجماع، ويورث انعاظا شديدة، وبعره ينفع من البرص والكلف طلاء، ومن بياض العين اكتحالا، ومن نزول الماء فيها.
التعبير : الضب في المنام رجل عربي خداع في أموال الناس، ومال صاحبه، وقيل: إنه رجل مجهول النسب، وقيل: إنه رجل ملعون لأنه من الممسوخ وقيل: إنه يدل على الشبهة في الكسب، وقيل: من رأى الضب في المنام فإنه يمرض.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع