تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الضبع

معروفة، ولا تقل ضبعة، لأن الذكر ضبعان، والجمع ضباعين مثل سرحان وسراحين. والأنثى ضبعانة والجمع ضبعانات وضباع، وهذا الجمع للذكر والأنثى مثل سبع وسباع كذا قاله الجوهري. وقال ابن بري: قوله: والأنثى ضبعانة لا يعرف.

وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة، وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها ولا ينحل نظمها، أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث، لأنه هو الأصل والمؤنث فرع عنه، إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع قلت: ضبعان وأجريت التثنية على لفظ المؤنث، الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان، وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد أن لو ثنى على لفظ المذكر. والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي، وهي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكرة، وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته هذا كلامه بحروفه.

وقال الحريري في الدرة: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر إلا في التاريخ، فإنه بالعكس وإلا في تثنية ضبع وضبعان، فيقال: ضبعان بفتح الضاد وضم الباء والنور مكسورة.

وعن ابن الأنباري أن الضبع يطلق على الذكر والأنثى، وكذلك حكاه ابن هشام الخضراوي، في كتابه الإفصاح في فوائد الإيضاح للفارسي عن أبي العباس وغيره. والمعروف في المحكم وغيره ما تقدم. وتصغير الضبع أضيبع لما تقدم، في أول باب الهمزة، مما رواه مسلم في باب إعطاء القاتل سلب المقتول، من طريق أبي قتادة، من حديث الليث، فقال أبو بكر رضي الله

تعالى عنه: «كلا لا يعطيه لأضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله». وشذ الخطابي، فقال:

الأضيبع نوع من الطيور.

ومن أسماء الضبع جيل وجعار وحفصة، ومن كناها أم خنور وأم طريق وأم عامر وأم القبور وأم نوفل والذكر أبو عامر وأبو كلدة وأبو الهنبر. وقد تقدم في باب الهمزة أن الضبع تحيض كالأرنب، تقول: ضحكت الأرنب ضحكا، أي حاضت قال الشاعر:

وضحك الأرانب فوق الصفاكمثل دم الحرب يوم اللقا

يعني الحيض، فيما زعم بعضهم. وقال ابن الأعرابي في قول ابن أخت تأبط شرا:

تضحك الضبع لقتلى هذيلوترى الذئب لها يستهل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إن بالشعب الذي دون سلع»

أي إن الضبع، إذا أكلت لحوم الناس، أو شربت دماءهم، طمثت وقد أضحكها الدم. قال الشاعر:

وأضحكت الضباع سيوف سعدلقتلى ما دفن ولا ودينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «الا حييت عنا يا مدينا»

وكان ابن دريد يرد هذا، ويقول: من شاهد الضباع عند حيضها، حتى علم أنها تحيض؟ وإنما أراد الشاعر أنها تكشر لأكل اللحوم، وهذا سهو منه فجعل كشرها ضحكا. وقيل: معناه أنها تستبشر بالقتلى إذا أكلتهم فيهر بعضها على بعض فجعل هريرها ضحكا. وقيل: أراد أنها تسر بهم، فجعل السرور ضحكا، لأن الضحك إنما يكون منه كتسمية العنب خمرا، وتستهل الذئاب تصيح وتعوي، قاله ابن سيده.

ومن عجيب أمرها، أنها كالأرنب، تكون سنة ذكرا وسنة أنثى فتلقح في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، نقله الجاحظ والزمخشري في ربيع الأبرار، والقزويني في عجائب المخلوقات، وفي كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم، وابن الصلاح في رحلته عن ارسطالطاليس وغيرهم، قال القزويني: وفي العرب قوم يقال لهم الضبعيون، لو كان أحدهم في قفل فيه ألف نفس، وجاء الضبع لا يقصد أحدا سواه. والضبع توصف بالعرج وليست بعرجاء وإنما يتخيل ذلك للناظر، وسبب هذا التخيل لدونة في مفاصلها، وزيادة رطوبة في الجانب الأيمن على الأيسر منها. وهي مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه فتقتله وتشرب دمه. وهي فاسقة لا يمر بها حيوان من نوعها إلا علاها.

وتضرب العرب بها المثل في الفساد، فإنها إذا وقعت في الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفي به الذئب، فإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت لأن كل واحد منها يمنع صاحبه. والعرب تقول في دعائها: اللهم ضبعا وذئبا أي اجمعهما في الغنم لتسلم. ومنه قول الشاعر:

تفرقت غنمي يوما فقلت لها:يا رب سلط عليها الذئب والضبعا

قيل للأصمعي: هذا دعاء لها أم عليها؟ فقال: دعاء لها وذكر ما تقدم. والضبع إذا وطئت ظل الكلب في القمر، وهو على سطح وقع الكلب، فأكلته. وتوصف بالحمق، وذلك أن الصيادين لها، يقولون على باب وجارها كلمات، يصيدونها بها كما تقدم في الذبح. والجاحظ يرى هذا من خرافات العرب. وتلد من الذئب جروا ويسمى العسبار قال الراجز:

يا ليت لي نعلين من جلد الضبعوشركا من ثفرها لا تنقطع

كلّ الحذاء يحتذى الحافي الوقع

الثفر للسباع وكل ذات مخلب بمنزلة الحياء من الناقة.

وحكمها : حل الأكل، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع». فما قويت أنيابه، فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، يكون عداؤه بأنيابه علة تحريم أكله. والضبع لا يغتذي بالعدوى، وقد يعيش بغير أنيابه. وقد تقدم ذلك، في باب الهمزة، في لفظ الأسد وبحلها. قال الإمام أحمد واسحاق وأبو ثور وأصحاب الحديث. وقال مالك: يكره أكلها، والمكروه عنده ما أثم آكله، ولا يقطع بتحريمه. واحتج الشافعي بما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع. وبه قال ابن عباس وعطاء، وقال أبو حنيفة: الضبع حرام، وهو قول سعيد بن المسيب والثوري محتجين بأنه ذو ناب. وقد «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع».

ودليلنا ما روى عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أتؤكل؟ قال: نعم. قلت: أقاله رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره، وقال حسن صحيح.

وقال جابر: قال رسول الله ﷺ: «الضبع صيد وجزاؤه كبش مسن ويؤكل». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره ابن السكن أيضا، في صحاحه، قال الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: إنه حديث صحيح. وفي البيهقي عن عبد الله بن مغفل السلمي، قال:

قلت يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «لا آكله ولا أنهي عنه». قال: قلت ما لم تنه عنه فإني آكله. اسناده ضعيف. قال الشافعي: وما زال لحم الضبع يباع بين الصفا والمروة، من غير نكير. وأما ما ذكروه من حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فإنه محمول على ما إذا كان يتقوى بنابه، بدليل أن الأرنب حلال وله ناب ولكنه ضعيف لا يعدو به.

الأمثال : قالوا: «أحمق من ضبع»، ومن الأمثال الشهيرة في ذلك، ما رواه البيهقي، في آخر شعب الايمان، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، أنه سأل يونس بن حبيب عن المثل المشهور

«كمجير أم عامر» فقال: كان من حديثه أن قوما خرجوا إلى الصيد، في يوم حار، فبينما هم كذلك إذ عرضت لهم أم عامر وهي الضبع، فطردوها فاتبعتهم حتى ألجؤوها إلى خباء أعرابي، فاقتحمته. فخرج إليهم الأعرابي فقال: ما شأنكم؟ فقال: صيدنا وطريدتنا، قال: كلا والذي نفسي بيده لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي. قال: فرجعوا وتركوه، فقام إلى لقحة له فحلبها وقرب إليها ذلك، وقرب إليها ماء، فأقبلت مرة تلغ من هذا ومرة تلغ من هذا حتى عاشت واستراحت، فبينما الأعرابي نائم في جوف بيته، إذ وثبت عليه فبقرت بطنه، وشربت دمه، وأكلت حشوته وتركته. فجاء ابن عم له فوجده على تلك الصورة، فالتفت إلى موضع الضبع فلم يرها فقال: صاحبتي والله، وأخذ سيفه وكنانته واتبعها، فلم يزل حتى أدركها فقتلها وأنشأ يقول:

ومن يصنع المعروف من غير أهلهيلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أدام لها حين استجارت بقربهقراها من البان اللقاح الغزائر
وأشبعها حتى إذا ما تملأتفرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء منغدا يصنع المعروف مع غير شاكر

ومن الأمثال: قال الميداني: قالوا: «ما يخفى هذا على الضبع» يضرب للشيء يتعالمه الناس، والضبع أحمق الدواب.

الخواص : قال صاحب عين الخواص: الضبع تجذب الكلاب كما يجذب المغناطيس الحديد. وذلك أنه إذا كان كلب على سطح في ليلة مقمرة مضيئة ووطئت الضبع ظله في الأرض، يقع الكلب من السطح فتأكله الضبع. وشحم الضبع، إذا طلي به الجسد أمن من مضرة الكلاب، ومرارتها، إذا يبست، وسقي امرأة منها قدر نصف دانق، أبغضت المجامعة وذهبت منها الشهوة. وإذا اتخذ من جلد الضبع منخل، ونخل به البزور، وزرعت لا يضره الجراد، ذكر ذلك كله محمد بن زكريا الرازي، في كتبه انتهى.

قال عطارد بن محمد: الضبع تهرب من عنب الثعلب، فإذا طلي بعصارته الجسد أمن من مضرة الضبع، وجلد الضبع إذا أمسكه إنسان، لم تنبح عليه الكلاب. ومرارتها يكتحل بها تنفع من ظلمة البصر، والماء في العين وتحد البصر وتقويه، وعينها اليمنى تقلع وتنقع في الخل سبعة أيام، ثم تخرج منه وتجعل تحت فص خاتم، فمن لبسه لم يخف سحرا ولا عينا ما دام لا بسه، ومن كان به سحر، فغسل ذلك الخاتم بماء، ثم يسقى منه فإن السحر يذهب عنه. وهو نافع للربط وغيره من أنواع السحر، ورأس الضبع، إذا جعل في برج حمام، كثر فيه الحمام، ولسانها، من أمسكه بيده اليمنى لم تنبح عليه الكلاب ولم تؤذه، وحذاق العيارين يفعلون ذلك.

ومن خاف الضباع، فليأخذ بيده أصلا من أصول العنصل، فإنها تهرب منه. وإذا بخر الصبي العليل سبعة أيام بشعر قفا الضبع، فإنه يبرأ. وإذا سقيت المرأة قضيب الضبعان مسحوقا، وهي لا تعلم أذهب عنها شهوة الجماع. ومن علق عليه قطعة من فرجها صار محبوبا

للناس، وأسنان الضبع، إذا ربطت على العضد، تنفع من النسيان ووجع الأسنان. وإذا جلد بجلده مكيال وكيل به البذر، أمن من ذلك الزرع من سائر الآفات. ومن غريب خواصها، أن من أكل دمها ذهب عنه الوسواس، ومن أمسك بيده حنظلة، فرت الضباع منه، وإذا طلي الجسد بشحم الضباع، أمن من عقر الكلاب.

وقال حنين بن إسحاق: إذا نتف الشعر الذي في باطن أجفان العين، واكتحل بمرارة الضبع، أو بمرارة ببغاء، أو بمرارة سبع، أو بمرارة عنز، فإنه يذهب بإذن الله تعالى. وقضيبه يجفف ويسحق ويستف منه الرجل قدر دانقين فإنه يهيج به شهوة الجماع، ولا يمل من النساء. وقال غيره: إذا شرب من مرارة الضبع نصف درهم بمثله عسلا، نفع من سائر الأعلال التي تكون في الرأس والعين، ويمنع نزول الماء في العين ويشد الانتشار وإن خلطت المرارة بالعسل، واكتحل بها جلا العين وزادها حسنا، وكلما عتق هذا الخلط كان أجود وأحسن نفعا. وقال ماسرجويه:

الاكتحال بمرارة الضبع ينفع من البله والدموع.

ومن غريب خواصها وهو ما أطبق عليه الأطباء، أن شعر الفخذ اليمنى من ذكر الضباع الذي حول فقحته إذا نتف وأحرق وخلط في زيت مسحوقا، ودهن بن من به بغا أبرأه، وهو يحدث العلة في السليم، إذا كان الشعر من أنثى، فافهم. وهو عجيب مجرب مرارا عديدة.

التعبير : الضبع تدل رؤيته على كشف الأسرار، والدخول فيما لا يعني. وربما دلت رؤية الذكر على الرجل الخنثى المشكل، وربما دلت على عدو ظلوم مكايد مخالف. وقيل: الضبع امرأة قبيحة المنظر، دنيئة الأصل، ساحرة عجوز.

وقال ارطاميدورس: الضبع تدل على الخديعة، ومن ركبها في المنام نال سلطانا والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.