من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الضرغام
والضرغامة الأسد، وما أحسن ما رواه أبو مظفر السمعاني، عن والده، قال:
سمعت سعد بن نصر الواعظ الحيوان يقول: كنت خائفا من الخليفة لحادث نزل واشتد الطلب لي فاختفيت، فرأيت في النوم ليلة من الليالي كأني في غرفة جالس على كرسي وأنا أكتب شيئا، فجاء رجل فوقف بإزائي وقال: اكتب ما أملي عليك وأنشدني:
ادفع بصبرك حادث الأياموترجّ لطف الواحد العلّام
لا تيأسن وإن تضايق كربهاورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالى بين ذلك فرجةتخفى على الأبصار والأوهام
كم من نجي بين أطراف القناوفريسة سلمت من الضرغام
قال: فلما أصبحت أتى الفرج، وزال الخوف والحرج. وفي سراج الملوك، للإمام العلامة الطرطوشي، عن عبد الله بن حمدون قال: كنت مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصورها، ثم خرج فرأى ديرا هناك، قديما حسن البناء، بين مزارع وأنهار وأشجار، فدخله فبينما هو يطوف، إذ أبصر رقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات:
أيا منزلا بالدير أصبح خالياتلاعب فيه شمأل ودبور
كأنك لم يسكنك بيض أوانسولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاك غواشم سادةصغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فعوابسوإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللقاء دراغموأيديهم يوم العطاء بحور
ليالي هشام بالرّصافة قاطنوفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذ الدهر غضّ والخلافة لدنةوعيش بني مروان فيك نضير
ويروى:
وروضك مرتاض ونورك مزهروعيش بني مروان فيك نضير
بلى فسقاك الله صوب غمامةعليك بها بعد الرواح بكور
تذكرت قومي خاليا فبكيتهمبشجو ومثلي بالبكاء جدير
فعزّيت نفسي وهي نفس إذا جرىلها ذكر قومي أنة وزفير
لعلّ زمانا بالبكاء يوما عليهملهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائسويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه غدوإنّ صروف الدائرات تدور
فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير، وقال: أعوذ بالله من شر أقداره، ثم دعا صاحب الدير وسأله عن الرقعة ومن كتبها؟ فقال: لا علم لي بهما اهـ.
وذكر غيره، أنه بعد عوده إلى بغداد، لم يلبث إلا أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر. وقد تقدم ذكر قتله وكيفيته، في باب الهمزة، في الاوز في ذكر الخلفاء.
وذكر ابن خلكان، في تاريخه في ترجمة علي بن محمد بن أبي الحسن الشابشتي، أن الواقعة كانت للرشيد، قال: ولم نعرف نسبة الشابشتي إلى أي شيء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع