من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فروع منثورة
: منها لو ملك الإنسان طائرا أو صيدا، وأراد إرساله من يده، فوجهان:
أحدهما أنه يجوز ويزول ملكه عنه كما لو أعتق عبدا. واختاره ابن أبي هريرة. والثاني لا يجوز ذلك، واختاره الشيخ أبو اسحاق والقفال والقاضي أبو الطيب، وهو الأصح في الروضة والشرح، ولو فعله عصى، ولم يخرج عن ملكه بالإرسال، لأنه يشبه سوائب الجاهلية، كما تقدم في باب الصاد المهملة.
وقياسا على ما لو سيب دابة، قال القفال: والعوام يسمونه عتقا، ويحتسبونه وهو حرام، وينبغي الاحتراز عن ذلك، لأن الطائر المخلى يختلط بالطيور المباحة، فيأخذه الآخذ ظنا أنه قد ملكه، وهو لا يملكه، فيكون سببا لوقوع أخيه المؤمن في المحظورات.
واختار صاحب الإيضاح وجها ثالثا، وهو إن قصد بعتقه التقرب إلى الله تعالى، زال ملكه عنه، وإلا فلا، وإن قلنا بالوجه الأول، فإنه يعود بالإرسال إلى ما كان عليه في الأصل من حكم الإباحة، وإن قلنا بالوجه الثاني، وهو الأصح كما تقدم، لم يجز لمن عرف أنه ملك الغير، ويعرف كونه ملكا للغير بكونه مخطوما، أو مقصوص الجناح، أو مقرطا، أو فيه جلاجل، أو موسوما، أو مخضوبا، أو غير ذلك مما يدل على الملك، فإن شك في كونه مملوكا، فالأصل الحل، فإن قال المرسل عند إرساله: أبحته لمن يأخذه جاز اصطياده.
وإن قلنا بالوجه الثالث، فهل يحل اصطياده؟ فوجهان: أحدهما نعم، لأنه قد عاد إلى حكم الإباحة، ولأنا لو منعنا اصطياده، لأشبه سوائب الجاهلية، وهذا هو الأصح في الروضة، والثاني المنع، كالعبد إذا عتق فإنه لا يسترق، وينبغي أن يختص هذا الوجه، بما إذا أعتقه مسلم، فإن أعتقه كافر جاز اصطياده قطعا، لأن عتقه لا يصح ويسترق عتيقه.
ومنها اعلم أن الإمام الرافعي، رحمه الله تعالى، قد أطلق القول بمنع الإرسال، ولا بد من استثناء صور: الأولى، أنه إذا كان الطائر معتاد العدو، فإنه يجوز إرساله في المسابقة. الثانية: إذا كان للطائر فرخ يخشى عليه الموت بحبس الطائر عنه، فينبغي هنا القطع بوجوب الإرسال، لأن الفرخ حيوان محترم، فيجب السعي في صيانة روحه، وقد صرح الأصحاب بوجوب تأخير الحامل وإمهالها، إذا وجب عليها الرجم أو القصاص، لأجل إرضاعها الولد.
وجزم الشيخ أبو محمد الجويني بتحريم ذبح الحيوان المأكول إذا كان حاملا بغير مأكول، وعلله بأن في ذبحه قتل ما لا يحل ذبحه، وهو الحمل وقد أطلق ﷺ ظبية شكت أن لها خشفين، أي ولدين بالغابة، ففي إطلاقه ﷺ إياها دليل على الوجوب، لأن ما كان ممنوعا منه ولم ينسخ ثم
جوز في بعض الأحوال، فجوازه دليل وجوبه كالنظر إلى العورة في الختان. ولما كان الإرسال ممنوعا منه، لكونه سائبة ثم جوز في بعض الأحوال، كان دليل الوجوب. الثالثة، إذا كان معه طائر أو حيوان، وليس معه ما يذبحه به، ولا ما يطعمه، فإرساله واجب ليسعى في طلب رزقه، الرابعة، إذا أراد الإحرام فإنه يجب عليه الإرسال.
التعبير : الطائر العمل قال الله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
وربما دل الطائر المجهول على الإنذار والموعظة، لقوله تعالى: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
فمن حسن طائره في المنام حسن عمله، وأتاه رسول بخير. ومن رأى معه طائرا متوحشا دميم الخلق، ربما كان عمله سيئا، أو أتاه رسول بشر. وأما عش الطائر، فإنه يدل على الزوجة، والحد الذي يقف العارف عنده، ورؤية العش للمرأة الحامل ولادة، والعش ما يكون في شجرة، فإذا كان في حائط أو كهف أو جبل، فإنه وكر، والوكر يدل على دور الزناة أو مساجد المتعبدين والمنقطعين. وأما بيض الطائر، فإنه دال على الأولاد من الأزواج والإماء، وربما دل على القبور، وربما دل البيض، على بيض الأسنة أو الخود، وربما دل على الاجتماع بالأهل والأقارب والأحباب، وربما دل على جمع الدراهم والدنانير وادخارها، والريش مال في التأويل، وربما دل على شراء قماش وربما دل على الجاه، لأنه يقال فلان طائر بجناح غيره، وربما دل على النبت من الزرع. والمخلب نصرة المخاصم، كما أنه للطائر عدة وجنة، والمناقر عز وجاه عريض لمن ملكه في المنام، وأما الزبل، فزبل الطائر المأكول مال حلال، وما لا يؤكل مال حرام. والزرق كسوة لاشتباهه في الثوب، وربما دل زرق الطائر الكاسر كالنسر والعقاب ونحوهما، على الخلع من الملوك والأكابر، فهذا قول جلي فيما ذكر من الطيور، وفيما سيأتي، وعلى هذا فقس بفهمك وحذقك تصب إن شاء الله تعالى والله الموفق.
فائدة : روى ابن بشكوال، بسنده إلى أحمد بن محمد العطار، عن أبيه، قال: كان لنا جار فأسر وأقام في الأسر عشرين سنة، وأيس أن يرى أهله، قال: فبينما أنا ذات ليلة أفكر فيمن خلفت من صبياني وأبكي، إذ أنا بطائر سقط فوق حائط السجن يدعو بهذا الدعاء، قال:
فتعلمته من الطائر ثم دعوت الله به ثلاث ليال متتابعات، ثم نمت فما استيقظت إلا وأنا في بلدي فوق سطح داري، قال: فنزلت إلى عيالي فسروا بي بعد أن فزعوا مني لما رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة، ثم إني حججت من عامي، فبينما أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء، إذ أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي، وقال لي: من أين لك هذا الدعاء؟ فإن هذا الدعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الروم متعلق بالهواء، فحدثته بقصتي وبما جرى عليّ، وأني كنت أسيرا ببلاد الروم، وتعلمت الدعاء من الطائر فقال: صدقت. فسألت الشيخ عن اسمه، فقال: أنا الخضر، وهو هذا الدعاء:
اللهم إني أسألك يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث ولا الدهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد
ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه الليل، ويشرق عليه النهار، ولا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره وسهله، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره وساحله، اللهم إني أسألك أن تجعل خير عملي آخره، وخير أيامي يوما ألقاك فيه، إنك على كل شيء قدير. اللهم من عاداني فعاده، ومن كادني فكده، ومن بغى علي بهلكة فأهلكه، ومن أرادني بسوء فخذه، وأطفئ عني نار من أشب لي ناره، واكفني هم من أدخل عليّ همه، وأدخلني في درعك الحصينة، واسترني بسترك الواقي، يا من كفاني كل شيء اكفني ما أهمني من أمر الدنيا والآخرة، وصدق قولي وفعلي بالتحقيق، يا شفيق يا رفيق، فرج عني كل ضيق، ولا تحملني ما لا أطيق، أنت إلهي الحق الحقيق، يا مشرق البرهان يا قوي الأركان، يا من رحمته في كل مكان وفي هذا المكان، يا من لا يخلو منه مكان، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني في كنفك الذي لا يرام، إنه قد تيقن قلبي أن لا إله إلا أنت وأني لا أهلك وأنت معي، يا رجائي فارحمني بقدرتك علي، يا عظيما يرجى لكل عظيم، يا عليم يا حليم أنت بحاجتي عليم، وعلى خلاصي قدير، وهو عليك يسير، فامنن علي بقضائها يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين ويا أسرع الحاسبين يا رب العالمين، ارحمني وارحم جميع المذنبين، من أمة محمد ﷺ، إنك على كل شيء قدير، اللهم استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، عجل علينا بفرج من عندك، بجودك وكرمك وارتفاعك في علو سمائك، يا أرحم الراحمين، إنك على ما تشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وهذا الدعاء روى الطبراني بإسناد صحيح قطعة منه عن أنس أن النبي ﷺ مر بأعرابي، وهو يدعو في صلاته، ويقول: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوما ألقاك فيه. فوكل رسول الله ﷺ بالأعرابي رجلا، فقال: إذا فرغ من صلاته فأتني به فلما قضى صلاته أتاه به، وقد كان أهدى لرسول الله ﷺ ذهب من بعض المعادن، فلما أتى الأعرابي وهب له الذهب، وقال: «ممن أنت يا أعرابي» ؟ قال: من بني عامر بن صعصعة، فقال ﷺ: «هل تدري لم وهبت لك هذا الذهب» ؟
قال: للرحم التي بيننا وبينك يا رسول الله. قال ﷺ: «إن للرحم حقا ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله ﷿».
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع