من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
العنكبوت
دويبة تنسج في الهواء، وجمعها عناكب، والذكر عنكب وكنيته أبو خيثمة وأبو
قشعم، والأنثى أم قشعم ووزنه فعللوت وهي قصار الأرجل كبار العيون للواحد ثمان أرجل وست عيون، فإذا أراد صيد الذباب لطأ بالأرض، وسكن أطرافه، وجمع نفسه، ثم وثب على الذباب، فلا يخطئه. قال أفلاطون: أحرص الأشياء الذباب، وأقنع الأشياء العنكبوت. فجعل الله رزق أقنع الأشياء في أحرص الأشياء، فسبحان اللطيف الخبير. وهذا النوع يسمى الذباب ومنها نوع يضرب إلى الحمرة له زغب، وله في رأسه أربع إبر ينهش بها وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الأرض، ويخرج في الليل كسائر الهوام. ومنها الرتيلاء، وقد تقدم الكلام عليها في باب الراء المهملة. وقال الجاحظ: ولد العنكبوت أعجب من الفروج الذي يخرج إلى الدنيا كاسبا كاسيا، لأن ولد العنكبوت، يقوى على النسج ساعة يولد، من غير تلقين ولا تعليم، ويبيض ويحضن، وأول ما يولد دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وتكمل صورته عند ثلاثة أيام، وهو يطاول السفاد، فإذا أراد الذكر الأنثى جذب بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعل ذلك فعلت الأنثى مثله، فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى.
وهذا النوع من العناكب حكيم، ومن حكمته أنه يمد السدى، ثم يعمل اللحمة، ويبتدىء من الوسط ويهيىء موضعا لما يصيده من مكان آخر كالخزانة، فإذا وقع شيء فيما نسجه وتحرك، عمد إليه وشبك عليه حتى يضعفه، فإذا علم ضعفه، حمله وذهب به إلى خزانته، فإذا خرق الصيد من النسج شيئا عاد إليه ورمه، والذي ينسجه لا يخرجه من جوفه بل من خارج جلده.
وفمه مشقوق بالطول وهذا النوع ينسج بيته دائما مثلث الشكل، وتكون سعة بيته بحيث يغيب فيه شخصه.
فائدة : أسند الثعلبي وابن عطية وغيرهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر. وفي مراسيل أبي داود، عن يزيد بن مزيد، أن النبي ﷺ قال: «إن العنكبوت شيطان فاقتلوه». وهو في كامل ابن عدي، في ترجمة مسلمة بن علي الخشني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولفظه أن النبي ﷺ قال: «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه». وهو حديث ضعيف ويزيد بن مزيد الهمداني الصنعاني الدمشقي، أدرك عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وهو القائل: والله لو أن الله تعالى توعدني، إن أنا عصيت، أن يسجنني في الحمام لكان حريا أن لا تجف لي عين. وطلبوه للقضاء فقعد يأكل في السوق فتخلص بذلك منهم.
وروى أبو نعيم، في الحلية، في ترجمة مجاهد أنه قال في قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
أنه قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ فقال: جارية. فقال: أما أن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة رجل ويتزوج بها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. فقال الأجير في نفسه: فأنا والله ما أريد هذه بعد أن تبغي بمائة، لأقتلنها! فأخذ شفرة ودخل فشق بطن الجارية وخرج على وجهه، فركب البحر فخيط بطن
الصبية، وعولجت فشفيت وشبت وطلعت من أجمل نساء عصرها، وكانت تبغي فأتت ساحلا من سواحل البحر، وأقامت هناك تبغي.
ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل، ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل ساحل البحر: ابتغي لي أجمل امرأة في القرية أتزوجها، فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس ولكنها بغي! فقال: ائتيني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير وقال لي كذا وكذا فقلت كذا وكذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها فوقعت منه موقعا عظيما، وأحبها حبا شديدا، فبينما هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، وأرته الشق في بطنها. ثم قالت: وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر. قال: فإنه قد قال لي يكون موتها بالعنكبوت، فبنى لها برجا في الصحراء وشيده، فبينما هو وإياها يوما في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقال: هذا عنكبوت، فقالت: هذا يقتلني لا يقتله أحد غيري فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه، فشدخته فساح سمه بين أظفارها ولحمها، فاسودت رجلها وماتت. فأنزل الله تعالى هذه الآية أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
. وقال أكثر المفسرين: إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. فرد الله عليهم بقوله أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
والبروج: الحصون، والقلاع المشيدة: المرفوعة المطولة. قال قتادة: معناه في قصور محصنة.
وقال عكرمة: مجصصة، والمشيد المجصص. ويكفي العنكبوت فخرا وشرفا نسجها على رسول الله ﷺ، في الغار، والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفاسير والسير وغيرها.
ونسجت أيضا على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس ﵁، لما بعثه النبي ﷺ لقتل خالد بن نبيح الهذلي بالعرنة، فقتله، ثم احتمل رأسه ودخل في غار، فنسجت عليه العنكبوت. وجاء الطلب، فلم يجدوا شيئا، فانصرفوا راجعين. ثم خرج فسار إلى رسول الله ﷺ والرأس معه، فلما رآه النبي ﷺ قال: «قد أفلح الوجه». قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر، فدفع إليه النبي ﷺ عصا كانت بيده وقال: «تخطر بهذه في الجنة».
فكانت عنده إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أهله أن يدفنوها في كفنه ففعلوا. وكانت مدة غيبته ثمان عشرة ليلة.
وفي الحلية للحافظ أبي نعيم عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكبوت مرتين على نبيين، على داود حين كان جالوت يطلبه وعلى النبي ﷺ في الغار.
وفي تاريخ الإمام الحافظ أبي القاسم بن عساكر، أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، لما صلب عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة، فأقام مصلوبا أربع سنين، وكانوا وجهوه لغير القبلة، فدارت خشبته إلى القبلة،
ثم أحرقوا خشبته وجسده ﵀. وكان قد بايعه خلق كثير، وحارب متولي العراق يوسف بن عمران، عم الحجاج بن يوسف الثقفي، فظفر به يوسف ففعل به ذلك. وكان ظهوره في أيام هشام بن عبد الملك، ولما خرج أتاه طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر، حتى نبايعك، فأبى، فقالوا: إذن نرفضك. فمن ذلك سموا الرافضة. وأما الزيدية فقالوا: لا نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما، وخرجوا مع زيد فسموا الزيدية. وروى زيد عن أبيه زين العابدين وجماعة، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
تتمة : ذكر ابن خلكان، في ترجمة يعقوب بن جابر المنجنيقي، أنه وقف بالقاهرة على كراريس من شعره، ورأى فيها البيتين المشهورين المنسوبين إلى جماعة من الشعراء ولا يعرف قائلهما على الحقيقة وهما:
ألقني في لظى فإن أحرقتنيفتيقن إن لست بالياقوت
جمع النسج كلّ من حاك لكنليس داود فيه كالعنكبوت
قال: فعمل يعقوب بن صابر في جوابهما هذه الأبيات:
أيها المدعي الفخار دع الفخرلذي الكبرياء والجبروت
نسج داود لم يفد ليلة الغاروكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في لهب النارمزيل فضيلة الياقوت
وكذاك النعام يلتقم الجمروما الجمر للنعام بقوت
وقد تقدم في السمندل الإشارة إلى هذه الأبيات.
وحكم العنكبوت : تحريم الأكل لاستقذارها.
الأمثال : قالوا: «أغزل من عنكبوت» وقالوا: «أوهن من بيت العنكبوت» قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. فضرب الله ببيتها المثل لمن اتخذ من دونه آلهة لا تضره ولا تنفعه، فكما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا ولا قصد أحد إليها، فكذلك ما اكتسبوه من الكفر، واتخذوه من الأصنام، لا يدفع عنهم غدا شيئا. والعالمون كل من عقل عن الله ﷿، وعمل بطاعته، وانتهى عن معصيته، فهم يعقلون صحة هذه الأمثال وحسنها وفائدتها. وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، وما علموا أن الأمثال تبرز المعاني الخلفية في الصور الجلية.
الخواص : إذا وضع نسج العنكبوت على الجراحات الطرية، في ظاهر البدن حفظها بلا ورم، ويقطع سيلان الدم إذا وضع عليه، وإذا دلكت الفضة المتغيرة بنسجه جلاها. والعنكبوت الذي ينسج على الكنيف، إذا علق على المحموم يبرأ بإذن الله تعالى. وإن لف في خرقة وعلق على صاحب حمى الربع نفعه وأذهبها، وكذلك إذا سحق العنكبوت وهو حي، ومرخ به صاحب الحميات أذهبها. وإذا بخر البيت بورق الآس الرطب هرب منه العنكبوت، قاله صاحب عين الخواص.
التعبير : العنكبوت في المنام رجل قريب العهد بالزهد، وقيل: العنكبوت امرأة ملعونة تهجر فراش زوجها. وبيت العنكبوت ونسجها وهن في الدين للآية الكريمة المتقدم ذكرها في الأمثال. وقيل: العنكبوت في الرؤيا نساج فمن نازع العنكبوت نازع رجلا نساجا أو امرأة والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع