تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الغذي

السخلة والجمع غذاء، مثل فصيل وفصال، ومنه قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعامل الصدقة: احتسب عليهم بالغذاء، ولا تأخذها منهم. وأنشد الأصمعي:

لو أنني كنت من عاد ومن إرمغذى بهم ولقمانا وذا جدن

ورواه خلف الأحمر غذى بالتصغير حكاه الجوهري وغيره.

الغراب:

معروف، وسمي بذلك لسواده. ومنه قوله تعالى: وَغَرابِيبُ سُودٌ

وهما لفظان بمعنى واحد. ومن أحاديث راشد بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب» فسره راشد بن سعد بالذي يخضب بالسواد. وجمعه غربان وأغربة وأغرب وغرابين وغرب. وقد جمعها ابن مالك في قوله:

بالغرب أجمع غرابا ثم أغربةوأغرب وغرابين وغربان

وكنيته أبو حاتم وأبو جحادف وأبو الجراح وأبو حذر وأبو زيدان وأبو زاجر وأبو الشؤم وأبو غياث وأبو القعقاع وأبو المرقال قال الشاعر:

إن الغراب وكان يمشي مشيةفيما مضى من سالف الأجيال
حسد القطاة ورام يمشي مشيهافأصابه ضرب من العقال
فأضلّ مشيته وأخطأ مشيهافلذاك سموه أبا المرقال

ويقال له ابن الأبرص وابن بريح وابن داية، وهو أصناف: الغداف والزاغ والأكحل،

وغراب الزرع والأورق. وهذا الصنف يحكي جميع ما يسمعه. والغراب الأعصم عزيز الوجود.

قالت العرب: «أعز من الغراب الأعصم».

وقال ﷺ: «مثل المرأة الصالحة في النساء، كمثل الغراب الأعصم في مائة غراب». رواه الطبراني من حديث أبي أمامة.

وفي رواية ابن أبي شيبة، قيل: يا رسول الله وما الغراب الأعصم؟ قال: «الذي إحدى رجليه بيضاء». وروى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه، عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران، فإذا بغربان كثيرة، فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين، فقال ﷺ: «لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب، في هذه الغربان» وإسناده صحيح. وهو في السنن الكبرى للنسائي. قال في الإحياء: الأعصم أبيض البطن. وقال غيره: الأعصم أبيض الجناحين. وقيل: أبيض الرجلين أراد ﵊ قلة الصالحة في النساء، وقلة من يدخل الجنة منهن، لأن هذا الوصف في الغربان عزيز قليل.

وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة، فإنها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر. وقال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: خالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة. وقد قيل: شاوروهن وخالفوهن. وفي السيرة، في قصة حفر زمزم لما رأى عبد المطلب قائلا يقول له: احفر طيبة، قال: وما طيبة؟ قال: زمزم. قال: وما علامتها؟ قال: بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم. قال السهيلي: في ذلك إشارة إلى أن الذي يهدم الكعبة صفته كصفة الغراب، وهو ذو السويقتين. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين رجل من الحبشة». وفي البخاري، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ، أنه قال: «كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرا حجرا». وفي حديث حذيفة الطويل، «كأني بحبشي أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وأصحابه ينقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر». يعني الكعبة.

ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، وذكر الحليمي أن هذا يكون في زمن عيسى ﵇. وفي الحديث: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة».

وغراب الليل، قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغربان، وتشبه بأخلاق البوم، فهو من طير الليل. وسمعت بعض الثقات يقول: إن هذا الغراب يشاهد كثيرا في الليل. وقال ارسطاطاليس، في النعوت: الغربان أربعة أجناس، أسود حالك، وأبلق ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاوسي براق الريش، ورجلاه كلون المرجان، يعرف بالزاغ، وفي

الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة، ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه.

والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها، لأنها تخرج قبيحة المنظر جدا، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرؤوس والمناقير، جرداء اللون، متفاوتة الأعضاء، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه، فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه، فيعود إليه أبواه. وعلى الأنثى أن تحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم.

وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة، أكل منها وإلا مات جوعا، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير، وفيه حذر شديد وتنافر. والغداف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكله، ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه، يحمل الذكر والأنثى في أرجلهما حجارة، ويتحلقان الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه.

قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: الغراب من لئام الطير، وليس من كرامها، ولا من أحرارها ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في الناس الزنج فإنهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا، كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام، أو ثخنت بلاده فأحرقته الأرحام، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول، وكمالهم فوق الكمال، لأجل ما فيها من الاعتدال. فالغراب الشديد السواد، ليس له معرفة ولا كمال، والغراب الأبقع كثير المعرفة، وهو الأم من الأسود انتهى. والعرب تتشاءم بالغراب، ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب.

فائدة أجنبية : اسم الغربة مجموع من أسماء دالة على محصول اسم الغربة فالغين من غدر وغرور وغيبة وغم وغلة، وهي حرارة الحزن، وغرة وغول وهي كل مهلكة، والراء من رزء وردع وردى وهو الهلاك، والباء من بلوى وبؤس وبرح وهو الداهية، وبوار وهو الهلاك، والهاء من هوان وهول وهم وهلك، قاله محمد بن ظفر، في السلوان. وغراب البين الأبقع. قال الجوهري:

هو الذي فيه سواد وبياض. وقال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأنه بان عن نوح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، لما وجهه لينظر إلى الماء، فذهب ولم يرجع. ولذلك تشاءموا به. وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا، فيما أرى، لتخلفه حين أرسله نوح ﵇، ليأتيه بخبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة. قال عنترة:

ظعن الذين فراقهم أتوقعوجرى ببينهم الغراب الأبقع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»

وقال صاحب منطق الطير: الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرام، من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس، لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس، واشتق ذلك أيضا لكل شيء اشتد أذاه. وأصل الفسق الخروج عن الشيء، وفي الشرع الخروج عن الطاعة انتهى.

قال الجاحظ: غراب البين نوعان، أحدهما غراب صغير معروف باللؤم والضعف، وأما الآخر فإنه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها، وبانوا منها. قال:

وكل غراب غراب البين، إذا أرادوا به الشؤم لا غراب البين نفسه الذي هو غراب صغير أبقع.

وإنما قيل: لكل غراب غراب البين، لأنه يسقط في منازلهم إذا ساروا منها وبانوا عنها، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلا عند بينونتهم عن منازلهم، اشتقوا له هذا الاسم من البينونة.

وقال المقدسي، في كشف الأسرار، في حكم الطيور والأزهار، في صفة غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب، وينعق بين الخلان والأحباب، إذا رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعا عامرا بشر بخرابه، ودروس عرصاته، يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن، ويحذر الآكل غصة المآكل، ويبشر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين، كما يصيح المعلن بالتأذين وأنشد على لسان حاله:

أنوح على ذهاب العمر منيوحقّ أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ركباحدا بهمو لو شك البين حادي
يعنفني الجهول إذا رآنيوقد ألبست أثواب الحداد
فقلت له: اتعظ بلسان حاليفإني قد نصحتك باجتهاد
وها أنا كالخطيب وليس بدعاعلى الخطباء أثواب السواد
ألم ترني إذا عاينت ركباأنادي بالنوى في كل ناد
أنوح على الطلول فلم يجبنيبساحتها سوى خرس الجماد
فأكثر في نواحيها نواحيمن البين المفتت للفؤاد
تيقظ يا ثقيل السمع وافهمإشارة من تسير به العوادي
فما من شاهد في الكون إلاعليه من شهود الغيب بادي
وكم من رائح فيها وغادينادي من دنو أو بعاد
لقد أسمعت لو ناديت حياولكن لا حياة لمن تنادي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «لقد أسمعت لو ناديت حياً»

فدل قوله: وقد ألبست أثواب الحداد، وليس بدعا على الخطباء أثواب السواد، أنه أسود. وقوله:

فلم يجبني بساحتها سوى خرس الجماد، أنه يوجد عند مفارقة أهل المواضع لها، وأما قوله: وينغق بين الخلان والأحباب، فهو بالغين المعجمة، عند جمهور أهل اللغة، وهو الذي قاله ابن قتيبة، وجعل غيره خطأ.

ونقل البطليوسي، عن صاحب المنطق، أنه قال: نعق الغراب ونغق. قال: وهو بالغين المعجمة أحسن. وحكى ابن جني مثل ذلك. وقد أحسن الصاحب بهاء الدين زهير وزير الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بقوله في البين من أبيات:

لقد ظلمتني واستطالت يد النوىوقد طمعت في جانبي كل مطمع
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «رويدك قد أفنيت يا بين أدمعي»
إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقةوحتى متى يا بين أنت معي معي
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «لقد ظلمتني واستطالت يد النوى»
وقالت علمنا ما جرى منك بعدنافلا تظلميني ما جرى غير أدمعي

وله ملغزا في قفل وقد أجاد:

وأسود عار أنحل البرد جسمهومازال من أوصافه الحرص والمنع
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «وأسود عار أنحل البرد جسمه»
وأعجب شيء كونه الدهر حارساوليس له عين وليس له سمع

وله شعر جيد، وشعره عند أهل الصناعة يسمى السهل الممتنع. وكان متمكنا من الملك الصالح ولا يتوسط إلا بالخير، وكانت وفاته سنة ست وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى.

ويقال: إذا صاح الغراب مرتين، فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات فهو خير على قدر عدد الحروف. ولما كان صافي العين حاد البصر سموه أعور. وقال الجاحظ: إنهم إنما سموه بالأعور تطيرا منه وتشاؤما به وليس به عور. وقيل: إنما سموه أعور تفاؤلا بالسلامة منه، كما سموا البرية بالمفازة، واليد الشمال باليسار.

والتطير أصله من الطير إذا مر بارحا أو سانحا أو قعيدا أو ناطحا، فالبارح ما أتى من ناحية الميامن والسانح، بالنون والحاء المهملة ما أتى من ناحية المياسر، والناطح ما تلقاك والقعيد ما استدبرك. وإنما كان الغراب هو المقدم عندهم في باب الشؤم، لأنه لما كان أسود ولونه مختلفا إن كان أبقع، ولم يكن على إبلهم شيء أشد من الغراب. وكان حديد البصر يخاف من عينيه كما يخاف من عين المعيان قدموه في باب الشؤم انتهى. وقيل: إنما سموه أعور لتغميض إحدى عينيه أبدا، من قوة بصره. قاله ابن الأعرابي، وسيأتي في الأمثال شيء من هذا.

فائدة : قال صاحب العشرات: اسم الغراب من الأسماء المشتركة، يقع على الثلج وعلى الضفيرة من الشعر وعلى المعول وعلى رأس الورك وعلى الغراب نفسه. قال: أنشدني أبو عبد الله المهلبي، يعني نفطويه كنى عنه لأنه كان في زمانه، عن ثعلب عن ابن الأعرابي:

يا عجبا للعجب العجابخمسة غربان على غراب

وقال ارسطاطاليس في النعوت: غراب البين جسمه أسود ومنقاره ورجلاه صفر، ومأكله من جميع النبات واللحوم. وفي الحديث أن النبي ﷺ «نهى عن نقرة الغراب». يريد بذلك تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه، إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. وروى البخاري في الأدب، والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب، وابن عبد البر وغيرهم عن عبد الله بن الحارث الأموي، عن أمه ريطة بنت مسلم، عن أبيها، أنه قال: شهدت مع النبي ﷺ حنينا، فقال: «ما اسمك» ؟ قلت: اسمي غراب. فقال ﷺ: «بل أنت مسلم». وإنما غير النبي ﷺ اسمه لأنه حيوان خبيث الفعل، خبيث المطعم، ولذلك أمر ﷺ بقتله في الحل والحرم.

وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: «ما أسمك» ؟ قال: أصرم. قال: «بل أنت زرعة». وإنما غيره لما فيه من معنى الصرم وهو القطع. قال أبو داود: وغير النبي ﷺ اسم

العاص وعزيز وعقلة وشيطان والحكم وحباب وشهاب وأرض تسمى عفرة فسماها النبي ﷺ خضرة. فالعاص كرهه لمعنى العصيان، وإنما صفة المؤمن الطاعة والاستسلام. وعزيز إنما غيره لأن العزة لله تعالى وشعار العبد الذلة والاستكانة، وقد قال الله تعالى عندما قرع بعض أعدائه:

ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ

وعقلة معناه الشدة والغلظة، ومن صفة المؤمن اللين والسهولة. قال ﷺ: «المؤمنون هينون لينون». والشيطان اشتقاقه من البعد عن الخير. والحكم هو الحاكم الذي لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ﷾. والحباب اسم الشيطان، والشهاب اسم للشعلة من النار والنار عقوبة الله تعالى، وهي محرقة مهلكة، نسأل الله النجاة منها. وأما عفرة فهو نعت لأرض لا تنبت شيئا، فسماها خضرة على معنى التفاؤل لتخضر وتزرع.

وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن شبل، وليس له في الكتب الستة سواه أن النبي ﷺ «نهى المصلي عن نقرة الغراب». ورواه الحاكم بلفظ «نهى عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان كما يوطنه البعير». يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.

وروى أبو يعلى الموصلي، والطبراني، في معجمه الأوسط، عن سلمة بن قيصر أن النبي ﷺ قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله، باعده الله من النار كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما». وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه كلام.

وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مثله عن رسول الله ﷺ. ورواه الإمام أحمد في الزهد والبزار، وفيه رجل لم يسم، وقد تقدم في باب الحاء المهملة، في لفظ الحية، ما رواه الدارقطني عن أبي أمامة قال: دعا النبي ﷺ بخفيه ليلبسهما فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ورمى به فخرجت منه حية فقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما» وفي إسناده هشام بن عمر، وذكره ابن حبان في الثقات وهو حديث صحيح إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في الأسود السالخ حديث نظير هذا.

وروى الإمام أحمد في الزهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه كان إذا نعب الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك. وروينا عن ابن طبرزذ، بإسناده إلى الحكم بن عبد الله بن حطان عن الزهري، عن أبي واقد عن روح بن حبيب قال:

بينما أنا عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه، إذ أتي بغراب، فلما رآه بجناحين حمد الله تعالى ثم قال:

قال رسول الله ﷺ: «ما صيد قط صيد إلا بنقص من تسبيح، ولا أنبت الله تعالى نابتة إلا وكل بها ملكا يحصي تسبيحها حتى يأتي به يوم القيامة، ولا عضدت شجرة ولا قطعت، إلا بنقص من تسبيح، ولا دخل على امرىء مكروه إلا بذنب، وما عفا الله عنه أكثر». يا غراب اعبد الله، ثم خلى سبيله. وسيأتي نظير هذا في لفظ القسورة، من كلام عمر رضي الله تعالى عنه.

فائدة أخرى : قال أبو الهيثم: يقال: إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدر منقاره.

والحكمة في أن الله تعالى بعث إلى قابيل، لما قتل أخاه هابيل، غرابا ولم يبعث له غيره من الطير، ولا من الوحش أن القتل كان مستغربا جدا، إذ لم يكن معهودا قبل ذلك فناسب بعث الغراب.

قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً

الآيات. قال المفسرون: كان قابيل صاحب زرع، فقرب أرذل ما عنده وأدناه، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أفضل كباشه فقربه. وكان دليل القبول أن تأتي نار تأكل القربان، فأخذت النار الكبش الذي قربه هابيل، فكان ذلك الكبش يرعى في الجنة، حتى أهبط إلى إبراهيم ﵊ في فداء ولده إسماعيل ﵊. وكان قابيل أسن ولد آدم ﵊.

وروي أن آدم حج إلى مكة وجعل قابيل وصيا على بنيه فقتل قابيل هابيل فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ فقال: لا أدري. فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه! فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دما.

ثم إن آدم بقى مائة عام لا يبتسم، حتى جاءه ملك الموت، فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: وما بياك؟ قال: أضحكك. وروي أن قابيل حمل أخاه هابيل ومشى به حتى أروح، ولم يدر ما يصنع به، فبعث الله غرابين، فقتل أحدهما الآخر، ثم بحث في الأرض بمنقاره ودفنه، فاقتدى به قابيل، فكان بعث الغراب حكمة كبرى ليرى ابن آدم كيف المواراة، وهو معنى قوله تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ

وروى أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «امتن الله تعالى على ابن آدم بالريح بعد الروح ولولا ذلك ما دفن حبيب حبيبا».

وقابيل أول من يساق إلى النار من ولد آدم قال الله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ

وهما قابيل وإبليس.

وروى أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ سئل عن يوم الثلاثاء، فقال: «يوم الدم فيه حاضت حواء، وفيه قتل ابن آدم أخاه ». قال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل، هربت منه الطير والوحش، وشاكت الأشجار، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض. وروى أبو داود، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أنه قال: يا رسول الله إن دخل علي إنسان في الفتنة، وبسط إلي يده فقال: «كن كخير ابني آدم». وتلا هذه الآية.

عجيبة : نقل القزويني عن أبي حامد الأندلسي أن على البحر الأسود، من ناحية الأندلس، كنيسة من الصخر، منقورة في الجبل، عليها قبة عظيمة وعلى القبة غراب لا يبرح، وفي مقابل القبة مسجد يزوره الناس، يقولون: إن الدعاء فيه مستجاب، وقد شرط على القسيسين ضيافة

من يزور ذلك المسجد من المسلمين، فإذا قدم زائر، أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة، وصاح صيحة، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين، وهكذا كلما وصل زوار صاح على عددهم، فتخرج الرهبان بطعام يكفي الزائرين. وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غرابا على تلك القبة، ولا يدرون من أين يأكل أو يشرب.

عجيبة أخرى : قال أبو الفرج المعافى بن زكريا، في كتاب الجليس والأنيس له: كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسن فجئنا على العادة فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابي جالس كانت له حاجة، إذ وقع غراب على نخلة في الدار فصرخ ثم طار، فقال الأعرابي: إن هذا الغراب يقول:

إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، قال: فزجرناه فقام وانصرف، ثم خرج الإذن من القاضي إلينا فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما، فقلنا له: ما الخبر؟ فقال: رأيت البارحة في النوم شخصا يقول:

منازل آل عباد بن زيدعلى أهليك والنعم السلام

وقد ضاق صدري لذلك، فدعونا له وانصرفنا. فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن. قال القاضي أبو الطيب الطبري: سمعت هذه الحكاية من لفظ شيخنا أبي الفرج المذكور.

عجيبة أخرى

: قال يعقوب بن السكيت: كان أمية بن أبي الصلت في بعض الأيام يشرب، فجاء غراب فنعب نعبة، فقال له أمية: بفيك التراب، ثم نعب أخرى، فقال له أمية:

بفيك التراب. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أتدرون ما يقول هذا الغراب؟ زعم أني أشرب هذا الكأس فأموت، وأمارة ذلك أنه يذهب إلى هذا الكوم فيبتلع عظما فيموت. قال: فذهب الغراب إلى الكوم فابتلع عظما فمات ثم شرب أمية الكأس فمات من حينه اهـ.

قلت: وأمية بن أبي الصلت الكافر مذكور في مختصر المزني والمهذب وغيرهما، في كتاب الشهادات. وسمع النبي ﷺ شعره الذي فيه حكمة واقراره بالوحدانية والبعث. واسم أبي الصلت عبد الله بن ربيعة بن عوف وكان أمية يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث وينشد في ذلك الشعر الحسن وأدرك الإسلام ولم يسلم. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد رضي الله تعالى عنه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء» قلت: نعم. فقال: «هيه» فأنشدته بيتا، فقال: «هيه» ثم أنشدته بيتا.

فقال: «هيه» حتى أنشدته مائة بيت فقال ﷺ: «إن كاد ليسلم». وفي رواية: «لقد كاد أن يسلم بشعره» وإنما قال ﷺ ذلك لما سمع قوله:

لك الحمد والنعماء والفضل ربّنافلا شيء أعلى منك حمدا وأمجد

وفي مسند الدارمي، من حديث عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صدّق النبي ﷺ أمية بن أبي الصلت في أبيات من شعره في قوله:

زحل وثور تحت رجل يمينهوالنسر للأخرى وليث مرصد

فقال ﷺ: «صدق». قال:

والشمس تطلع كلّ آخر ليلةحمراء يصبح لونها يتورد

فقال ﷺ: «صدق». قال:

تأبى فما تطلع لنا في رسلهاإلا معذبة وإلا تجلد

فقال ﷺ: «صدق». قال السهيلي، في التعريف والاعلام، في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها

الآية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها نزلت في بلعام بن باعورا، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: إنها نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.

وكان قد قرأ التوراة والإنجيل في الجاهلية، وكان يعلم أنه سيبعث نبي من العرب فطمع أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ وخرجت النبوة عن أمية حسده وكفر. وهو أول من كتب باسمك اللهم، ومنه تعلمت قريش، فكانت تكتب به في الجاهلية.

ولتعلم أمية هذه الكلمة نبأ عجيب ذكره المسعودي، وذلك أن أمية كان مصحوبا تبدو له الجن، فخرج في عير من قريش، فمرت بهم حية فقتلوها، فاعترضت لهم حية أخرى تطلب بثأرها، وقالت: قتلتم فلانا! ثم ضربت الأرض بقضيب، فنفرت الإبل فلم يقدروا عليها، إلا بعد عناء شديد، فلما جمعوها، جاءت فضربت ثانية فنفرت، فلم يقدروا عليها إلا بعد نصف الليل، ثم جاءت فضربت ثالثة فنفرتها، فلم يقدروا عليها حتى كادوا أن يهلكوا بها عطشا وعناء، وهم في مفازة لا ماء فيها. فقالوا لأمية: هل عندك من حيلة؟ قال: لعلها. ثم ذهب حتى جاوز كثيبا، فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيا، فقال: اذهب فإن جاءتكم فقولوا: باسمك اللهم سبعا. فرجع إليهم وقد أشرفوا على الهلكة فأخبرهم بذلك فلما جاءتهم الحية قالوا ذلك، فقالت: تبا لكم من علمكم هذا؟ ثم ذهبت. وأخذوا إبلهم وكان فيهم حرب بن أمية بن عبد شمس، جد معاوية بن أبي سفيان، فقتله الجن بعد ذلك بثأر الحية المذكورة وقالوا فيه:

وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر

وقد أسلمت عاتكة أخت أمية بن أبي الصلت هذا، وأخبرت عنه بخبر، ذكره عبد الرزاق في تفسيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في هذا الكتاب، في باب النون، في الكلام على النسر ما يوافق ذلك.

الحكم : يحرم أكل الغراب الأبقع الفاسق، وأما الأسود الكبير وهو الجبلي، فهو حرام

أيضا، على الأصح، وبه قطع جماعة، وغراب الزرع حلال على الأصح. وقد تقدم حكم العقعق والغداف. وقال أبو حنيفة: الغربان كلها حلال. روى البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على قاتلهن جناح:

الغراب والحدأة والفأرة والحية والكلب العقور». وفي سنن ابن ماجه والبيهقي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الحية فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق». وفي سنن ابن ماجه أيضا قيل لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أيؤكل الغراب قال:

ومن يأكله بعد قول رسول الله ﷺ فيه إنه فاسق؟. وهذه الفواسق الخمس لا ملك لأحد فيها ولا اختصاص، كذا نقله الرافعي في كتاب ضمان البهائم، عن الإمام وأقره. وعلى هذا فلا يجب ردها على غاصبها.

الأمثال : قال الشاعر:

ومن يكن الغراب له دليلايمرّ به على جيف الكلاب

وقالوا: «لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب»، أي لا أفعل أبدا، لأن الغراب لا يشيب أبدا.

روى الحافظ أبو نعيم في حليته، في ترجمة سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، أن رجلا ركب البحر فانكسرت السفينة فوقع في جزيرة، فمكث ثلاثة أيام لم ير أحدا، ولم يأكل ولم يشرب، فتمثل بقول القائل:

إذا شاب الغراب أتيت أهليوصار القار كاللبن الحليب

فأجابه صوت مجيب لا يراه:

عسى الكرب الذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
للشاعر عبد الكريم البَسطي، اقرأ القصيدة

فنظر فإذا سفينة قد أقبلت، فلوح إليهم فأتوه فحملوه، فأصاب خيرا كثيرا. وقالوا: «أبصر من غراب». زعم ابن الأعرابي أن العرب تسمي الغراب الأعور لأنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بإحداهما من قوة بصره. وقال غيره: إنما سموه أعور لحدة بصره على طريق التفاؤل قال بشار بن برد الأعمى:

وقد ظلموه حين سمّوه سيداكما ظلم الناس الغراب بأعورا

وقد تقدم عن أبي الهيثم، أن الغراب يبصر من تحت الأرض، بقدر منقاره. وقالوا: «أخيل من غراب» «وأزهى وأبكر من غراب »، فإنه أشد الطير بكورا. وقالوا: «أبطأ من غراب

نوح». وذلك أن نوحا ﵊ أرسله لينظر هل غرقت البلاد ويأتيه بالخبر، فوجد جيفة طافية على وجه الماء فاشتغل بها، ولم يأته بالخبر، فدعا عليه فعقلت رجلاه، وخاف من الناس. وقالوا: «كأنهم كانوا غرابا واقعا»، يضرب فيما ينقضي سريعا، فإن الغراب، إذا وقع لا يلبث أن يطير. وقالوا: «كالغراب والذئب» يضرب للرجلين بينهما موافقة فلا يختلفان، لأن الذئب إذا أغار على غنم تبعه الغراب ليأكل ما فضل منه. وقالوا: «الغراب أعرف بالتمر».

وذلك أن الغراب لا يأخذ إلا الأجود منه، ولذلك يقال: «وجد تمرة الغراب»، إذا وجد شيئا نفيسا.

وقالوا: «أشأم من غراب البين»، وإنما لزمه هذا الاسم لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة، وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمقم فيتشاءموا به، ويتطيروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا، فلذلك سموه غراب البين. وقال فيه شاعرهم:

وصاح غراب فوق أعواد بانةبأخبار أحبابي فهيمني الفكر
فقلت: غراب باغتراب وبانةببين النوى تلك العيافة والزجر
وهبّت جنوب باجتنابي منهموهاجت صبا قلت: الصبابة والهجر

وقالوا: «أحذر من غراب». حكى المسعودي، عن بعض حكماء الفرس، أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى انتهى بي ذلك إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب، قيل له: فما أخذت من الكلب؟ قال: ألفه لأهله، وذبه عن صاحبه. قيل: فما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها، وتملقها عند المسألة. قيل: فما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه. قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره. وقالوا: «أغرب من غراب»، و «أشبه بالغراب من الغراب».

غريبة : رأيت في كتاب الدعوات، للإمام أبي القاسم الطبراني، وفي تاريخ ابن النجار، في ترجمة أبي يعقوب يوسف بن الفضل الصيدلاني، وفي الإحياء، في كتاب آداب السفر، عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: بينما عمر رضي الله تعالى عنه جالس يعرض الناس، إذ هو برجل معه ابنه فقال له: ويحك ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا بك قط! قال: يا أمير المؤمنين، هذا ما ولدته أمه إلا وهي ميتة! فاستوى عمر جالسا وقال له: حدثني حديثه، قال: يا أمير المؤمنين خرجت لسفر، وأمه حامل به، فقالت: تخرج وتتركني على هذا الحال حاملا مثقلة؟ فقلت:

استودع الله ما في بطنك. ثم خرجت فغبت أعواما ثم قدمت فإذا بابي مغلق. فقلت: ما فعلت فلانة، قالوا: ماتت. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم انطلقت إلى قبرها، فبكيت عندها، ثم رجعت فجلست إلى بني عمي، فبينما أنا كذلك، إذ ارتفعت لي نار من بين القبور، فقلت لبني عمي: ما هذه النار؟ فقالوا: ترى على قبر فلانة كل ليلة! فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما

والله لقد كانت صوامة قوامة عفيفة مسلمة، انطلقوا بنا إليها فانطلقنا، فأخرت الناس وأتيت القبر فإذا القبر مفتوح، وإذا هي جالسة، وهذا الولد يدور حولها، وإذا مناد ينادي: أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك. أما والله لو استودعت أمه لوجدتها! فأخذته وعاد القبر كما كان والله يا أمير المؤمنين. قال أبو يعقوب: فحدثت بهذا الحديث في الكوفة، فقالوا: نعم هذا الرجل كان يقال له خزين القبور.

وقريب من هذا الخبر في غريب اتفاقه، ولطيف مساقه، ما حكاه الحافظ المزني في تهذيبه، في ترجمة عبيد بن واقد الليثي البصري، أنه قال: خرجت أريد الحج، فوقفت على رجل بين يديه غلام من أحسن الغلمان صورة، وأكثرهم حركة، فقلت: من هذا؟ ومن يكون؟ قال: ابني.

وسأحدثك عنه. خرجت مرة حاجا، ومعي أم هذا الغلام، وهي حامل به، فلما كنا في بعض الطريق، ضربها الطلق فولدت هذا الغلام وماتت. وحضر الرحيل، فأخذت الصبي، فلففته في خرقة، وجعلته في غار، وبنيت عليه أحجارا، وارتحلت وأنا أرى أنه يموت من ساعته. فقضينا الحج، ورجعنا فلما نزلنا ذلك المنزل، بادر بعض أصحابي إلى الغار فنقض الأحجار فإذا هو بالصبي يلتقم إبهاميه فنظرنا فإذا اللبن يخرج منهما. فاحتملته معي فهو الذي ترى.

الخواص : إذا علق منقار الغراب على إنسان حفظ من العين، وكبده تذهب الغشاوة اكتحالا، وإذا علق طحاله على إنسان هيج الشبق، وإذا سقي إنسان من دمه مع نبيذ أبغض النبيذ حتى لا يرجع يشربه، وبيضه إذا طرح في النورة نفع مستعمله. ودمه إذا جفف وحشي به البواسير أبرأها. وقلبه ورأسه إذا طرحا في النبيذ وسقي الإنسان منه من يريد محبته، فإن الشارب يحب الساقي محبة عظيمة. ولحم المطوق إذا أكل مشويا، نفع القولنج. ومرارة الغراب إذا طلي بها إنسان مسحور بطل عنه السحر. وإذا غمس الغراب الأسود بريشه في الخل وطلي به الشعر سوده. وزبل الغراب الأبلق الذي يسمى اليهودي ينفع الخنازير والخوانيق. وإن صرفي خرقة وعلق على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، نفعه من السعال المزمن وقطعه. وإذا أكل الغراب الكتلة سقط ولم يقدر على الطيران، لا سيما في زمن الصيف.

التعبير : الغراب في المنام يدل على رجل مخامر غدار واقف مع حظ نفسه، وربما دل على الحرص في المعاش، وربما كان حفارا. وممن يستحل قتل النفس، وربما دل على الحفر في الأرض ودفن الأموات، لقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ

الآية. وربما دل الغراب على الغربة والتشاؤم بالأخبار، والغموم والأنكاد، وطول السفر، وعلى ما يوجب الدعاء عليه من أهله وأقاربه، أو سلطانه لسوء تدبيره.

وغراب الزرع يدل على ولد الزنا، والرجل الممزوج بالخير والشر، والغراب الأبقع يدل على رجل معجب بنفسه كثير الخلاف، وهو من الممسوخ. فمن صاد غرابا نال مالا حراما في ضيق بمكابدة. ولحم كل طير وريشه وعظمه مال لمن حواه في المنام. وإذا رأى الغراب على زرع أو شجر فإنه شؤم، ومن رأى غرابا في داره فإن فاسقا يخونه في امرأته، ومن رأى غرابا يحدثه فإنه

يرزق ولدا خبيثا. وقال ابن سيرين: بل يغتم غما شديدا، ثم يفرج عنه، ومن رأى كأنه يأكل لحم غراب، فإنه يأخذ مالا من قبل اللصوص، ومن رأى غرابا على باب الملك، فإنه يجني جناية يندم عليها، أو يقتل أخاه ثم يندم على ذلك، لقوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

فإن رأى

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.