من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الغزال
ولد الظبية إلى أن يقوى ويطلع قرناه، والجمع غزلة وغزلان، مثل غلمة وغلمان، والأنثى غزالة. كذا قاله ابن سيده وغيره. واستعمله الحريري في آخر المقامة الخامسة، كذلك في قوله: فلما ذر قرن الغزالة طمر طمور الغزالة أراد بالأول الشمس، وبالثاني الأنثى من أولاد الظباء، وقد غلطه في ذلك بعضهم. والصواب عدم تغليطه، فإنه مسموع مستعمل نظما ونثرا. قال الصلاح الصفدي، في شرح لامية العجم: وما أحسن قول القائل:
غدوت مفكرا في سرّ أفقإذا ما العلم مبدؤه الجهاله
فما طويت له سبل الدراريإلى أن أظفرته بالغزاله
قال: وأنشدني لنفسه العلامة أبو الثناء محمود في وصف العقاب:
ترى الطير والوحش في كفهاومنقارها ذا عظام مزاله
فلو أمكن الشمس من خوفهاإذا طلعت ما تسمت غزاله
قال: وقد غلطوا الحريري في قوله: فلما ذر قرن الغزالة طمر طمور الغزالة، قالوا: لم تقل العرب الغزالة إلا للشمس، فلما أرادوا تأنيث الغزال، قالوا: الظبية. ثم هي بعد ذلك ظبية والذكر ظبي، قاله في التحرير، وقال: اعتمده، فقد وقع فيه تخليط في كتب الفقهاء.
قلت: وقد وقع هو في ذلك، في باب محرمات الاحرام. ووقع للرافعي أيضا بعض اختلاف تقدم التنبيه على بعضه، في الكلام على حكم الظبي، وقد تنازع جمال الدين يحيى بن مطروح، وأبو الفضل جعفر ابن شمس الخلافة في بيت كل منهما ادعاه وهو هذا:
وأقول: يا أخت الغزال ملاحةفتقول: لا عاش الغزال ولا بقى
وبها سميت المرأة غزالة، وهي امرأة شبيب بن يزيد الشيباني الخارجي، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، والحجاج أمير العراق يومئذ، وخرج بالموصل وهزم عساكر الحجاج وحصره في قصر الكوفة، وضرب باب القصر بعموده فنقبه، وبقيت الضربة فيه إلى أن خرب قصر الإمارة، وكانت زوجته غزالة، نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين، تقرأ فيهما بسورة البقرة وآل
عمران، ففعلت وكانت شجيعة وقيل فيها:
وفت غزالة نذرهايا ربّ لا تغفر لها
وهرب الحجاج في بعض حروبه مع شبيب من غزالة، فعيره عمران بن قحطان السدوسي بقوله:
أسد علي وفي الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا كررت إلى غزالة في الوغىبل كان قلبك في جناحي طائر
وحكي أن الحجاج، لما برز له شبيب الخارجي، في بعض أيام محاربته، أبرز إليه غلاما له ألبسه لباسه المعروف به، وأركبه فرسه الذي لم يكن يقاتل إلا عليه، فلما رآه شبيب غمس نفسه في الحرب إلى أن خلص إليه، فضربه بعمود، وكان بيده، وهو يظنه الحجاج، فلما أحس الغلام بالضربة، قال: أخ بالخاء المعجمة، فعرف شبيب منه بهذه اللفظة، أنه عبد فانثنى عنه، وقال:
قبح الله ابن أم الحجاج، أيتقي الموت بالعبيد؟.
قال الجوهري: والعرب إنما تنطق بهذه اللفظة بالحاء المهملة، ولما عجز الحجاج عن شبيب، بعث إليه عبد الملك عساكر كثيرة من الشأم، فتكاثروا على شبيب فهرب فلما حصل على جسر دجلة بالأهواز، نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل، من درع ونحوه فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فلما غرق ألقاه دجلة إلى الساحل، فحملوه إلى الحجاج فشق بطنه واستخرج قلبه، فإذا هو كالحجر، إذا ضربت به الأرض نبا عنها، فشق فكان داخله قلب صغير كالكرة، فشق فأصيب فيه علقة من الدم. وكان شبيب إذا صاح على الجيش لا يلوي أحد على أحد. ولما غرق أحضر عبد الملك عتبان الحروري، وهو يرى رأي الخوارج، فقال: يا عدو الله ألست القائل:
فإن يك منكم كابن مروان وابنهوعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنبومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال: لم أقل ذلك يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب، فقبل قوله وعفا عنه.
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فإنه إذا كان قوله ومنا أمير المؤمنين شبيب مرفوعا كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا نصب، كان معناه ومنا يا أمير المؤمنين شبيب.
ولم يخرج عليهم أحد مثل شبيب، فإن أيامه طالت وهزم عساكر كثيرة وجبى الخراج وقال أبو يوسف الجوهري:
وإذا الغزالة في السماء ترفّعتوبدا النهار لوقته يترجل
أبدت لقرن الشمس وجها مثلهتلقى السماء بمثل ما تستقبل
أراد بالغزالة الشمس وقت ارتفاعها فيقال: طلعت الغزالة، ولا يقال غربت الغزالة. وقد أبدع الصفي الحلي في غلام قلع ضرسه وأجاد حيث قال:
لحى الله الطبيب لقد تعدىوجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظبي في كلتا يديهوسط كلبتين على غزال
وفي سنن أبي داود، ومن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ لما قدم مكة، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم وهنتهم الحمى، فلما كان الغد جلسوا مما يلي الحجر، «فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جلدهم»، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء كأنهم الغزلان، فإن قيل: هذا الحديث يعارضه ما في صحيح مسلم، عن ابن عمر وجابر ﵃ قالا: «إن النبي ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف»، فالجواب أن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان في عمرة القضاء، سنة سبع قبل فتح مكة وكان أهلها مشركين حينئذ وحديث ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم كان في حجة الوداع، فيكون متأخرا فتعين الأخذ به، وهو الصحيح من المذهب.
وحكم الغزال الحل كما تقدم في باب الظاء، في لفظ الظبي، وفيه إذا قتله المحرم أو في الحرم عنز. كذا في المحرر والمنهاج والتنبيه والمناسك وغيرها. واستدلوا لذلك بقضاء الصحابة ﵃ فيه بذلك. والذي في زوائد الروضة، وصححه في شرح المهذب تبعا للإمام أن الغزال اسم للصغير من ولد الظباء ذكرا كان أو أنثى إلى أن يطلع قرناه، ثم الذكر ظبي والأنثى ظبية، ففي الغزال ما في الصغار، فإن كان ذكرا فجدي وإن كان أنثى فعناق.
الأمثال : قالوا: «أنوم من غزال» لأنه إذا رضع أمه فروى امتلأ نوما، وقالوا: «تركت الشيء ترك الغزال لظله» وظله كناسه الذي يستظل به من شدة الحر، وهو إذا نفر منه لا يعود إليه البتة، وقالوا: «أغزل من غزال»، ومغازلة النساء محادثتهن، ويوصف بالغزل غير الغزال من الحيوان كما قيل:
قد ألبستني في الهوىملابس الصبّ الغزل
انسانة فتانةبدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بهافبالدموع تغتسل
وقد تقدم في الظبي قولهم ترك الغزال لظله ومن محاسن شعر المتنبي:
بدت قمرا ومالت خوط بانوفاحت عنبرا ورنت غزالا
وأنشد الثعالبي لبعض شعراء عصره:
رنا ظبيا وغنى عندليباولاح شقائقا ومشى قضيبا
الخواص : دماغ الغزال، يداف بدهن الغار ويغلى، ثم يؤخذ منه فيداف بماء الكمون، ويشرب منه قدر جرعة، ينفع للسعال، ومرارته تخلط بقطران وملح، ويشرب منها صاحب السعال، الذي يقذف القيح والدم جزءا بماء حار يبرأ بإذن الله تعالى. وشحمه إذا طلى به إنسان إحليله، وجامع امرأته لم تحب سواه. وقد تقدم في خواص الظبي، أن لحم الغزال حار يابس وأنه ينفع في القولنج والفالج، وأنه أصلح لحوم الصيد والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع