تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الفأر

بالهمز جمع فأرة ومكان فترأى: كثير الفأر، وأرض فئرة أي ذات فأر، وكنية الفأرة:

أم خراب وأم راشد، وهي أصناف: الجرذ والفأر المعروفان وهما كالجاموس والبقر والبخاتي والعراب، ومنها: اليرابيع والزباب والخلد، فالزباب صم والخلد عمي، وفأرة البيش، وفأرة الإبل وفأرة المسك، وذات النطق، وفأرة البيت وهي الفويسقة التي أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم.

وأصل الفسق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمي العاصي فاسقا، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن، وقيل: لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال، وقيل: سميت بذلك لأنها عمدت إلى حبال سفينة نوح ﵊، فقطعتها، روى الطحاوي في أحكام القرآن بإسناده عن يزيد بن أبي نعيم، أنه سأل أبا سعيد الخدري ﵁ لم سميت الفأرة الفويسقة؟ فقال: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة، وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله ﷺ البيت، فقام إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم. وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع درهم. الخمرة: السجادة التي يسجد عليها المصلي، سميت بذلك لأنها تخمر الوجه، أي تغطيه.

ورواه الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فذهبت الجارية تزجرها، فقال النبي ﷺ: «دعيها». فجاءت بها فألقتها بين يدي النبي ﷺ، على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع درهم، فقال ﵊: «إذا نمتم فأطفؤا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم». ثم قال:

صحيح الإسناد. وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ «أمر بإطفاء النار عند النوم» وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا. وفي الصحيح أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون حتى تطفؤوها». قال النووي رحمه الله تعالى: هذا عام، يدخل فيه نار السراج وغيرها. وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها، فإن خيف حريق بسببها دخلت في

الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بتركها، لانتفاء العلة التي علل بها النبي ﷺ، وإذا انتفت العلة زال المنع، وقد تقدم في باب الصاد المهملة، في لفظ الصيد الكلام على الفواسق الخمس، وما ألحق بها مما يباح قتله للمحرم، وفي الحرم.

والفأر نوعان: جرذان وفئران، وكلاهما له حاسة السمع والبصر، وليس في الحيوانات أفسد من الفأر ولا أعظم أذى منه، لأنه لا يبقي على حقير ولا جليل، ولا يأتي على شيء إلا أهلكه وأتلفه، ويكفيه ما يحكى عنه في قصة سد مأرب، وقد تقدمت في باب الخاء المعجمة، في لفظ الخلد، ومن شأنه أنه يأتي القارورة الضيقة الرأس، فيحتال حتى يدخل فيها ذنبه، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع فيها شيئا. ولا يخفى ما بين الفأر والهر من العداوة، والسبب في ذلك ما تقدم في أول خواص الأسد من حديث زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه، أن نوحا ﵊ لما حمل في السفينة، من كل زوجين اثنين شكا أهل السفينة الفأرة وأنها تفسد طعامهم، ومتاعهم فأوحى الله تعالى إلى الأسد، فعطس فخرجت منه الهرة فتخبأت الفأرة منها.

تذنيب قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اتخذ نوح السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد.

وروي أن الطبقة السفلى، كانت للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطير.

فلما كثرت أرواث الدواب، أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، ففعل فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. فلما وقع الفأر بحرف السفينة جعل يقرضها وحبالها، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.

وعن الحسن قال: كان طول السفينة ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. والمعروف ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن طولها ثلاثمائة ذراع. وقال قتادة رضي الله تعالى عنه:

كان بابها في عرضها، وقال زيد بن أسلم: مكث نوح ﵇ مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة عام يعمل الفلك. وقال كعب الأحبار: مكث نوح ﵇، في عمل السفينة ثلاثين سنة. وقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة.

وزعم أهل التوراة، أن الله تعالى أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يضعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله ومن خارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا. والذراع إلى المنكب، وأن يجعله ثلاث أطباق: سفلى ووسطى وعليا، وأن يجعل فيه كوى فصنعه نوح كما أمر الله تعالى.

وأما الزباب والخلد فتقدما.

وأما اليربوع فسيأتي في بابه، وقد تقدم في باب العين المهملة في لفظ العقعق، عن سفيان

بن عيينة، أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنملة والفأرة والعقعق، وبه جزم في الإحياء في باب التوكل. وعن بعضهم قال: رأيت البلبل يحتكر. ويقال إن للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «فقدت أمة من بني إسرائيل، ولا يدري ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر ألا تراها إذا وضع لها لبن الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها لبن الشاة شربته». قال النووي وغيره: ومعنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها، حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل امتناع الفأرة من لبن الإبل، دون لبن الغنم، على أنها مسخ من بني إسرائيل.

وأما فأرة البيش وهو بكسر الباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت وبالشين المعجمة في آخره وهو السم، فدويبة تشبه الفأرة، وليست بفأرة ولكن هكذا يسمى، وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم، فتأكلها فلا تضرها، وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل كما تقدم هنا. وفي باب السين المهملة في لفظ السمندلي، قاله القزويني، في الأشكال.

وأما ذات النطاق فهي فأرة منطقة ببياض، وأعلاها أسود، شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. قاله القزويني أيضا.

وأما فأرة المسك فهي غير مهموزة، لأنها من فار يفور، وهي النافجة كذا قاله الجوهري.

وفي التحرير، فارة المسك مهموزة كفأر الحيوان، ويجوز ترك الهمز كما في نظائره. وقال الجوهري وابن مكي: ليست مهموزة وهو شذوذ منهما. وقول الشاعر:

كأنّ بين فكّها والفكفارة مسك ذبحت في سك

مراده شقت، والذبح أصله الشق والقطع، والسك ضرب من الطيب يركب من مسك وغيره.

وقال الجاحظ: فارة المسك نوعان: النوع الأول دويبة تكون في بلاد التبت تصاد لنوافجها وسررها فإذا صيدت شدت بعصائب، وتبقى متدلية فيجتمع فيها دمها، فإذا أحكم ذلك ذبحت فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت، ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان لا يرام نتنا. وما أكثر من يأكلها أي الفأرة عندنا! قلت: وتعجبه من كثرة آكليها يدل على استطابتها، والفقهاء لم يتعرضوا لهذا النوع. ثم قال: والنوع الثاني جرذان سود، تكون في البيوت، ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة، وهذا النوع رائحته كرائحة المسك، إلا أنه لا يؤخذ منه المسك، وقد تقدم في باب الظاء المشالة في لفظ الظبي، ذكر المسك وحكمه. قلت: والمشهور أن فأرة المسك سرر الظباء كما تقدم.

وأما فأرة الإبل فقال في الصحاح: هي أن تفوح منها ريح طيبة، وذلك إذا رعت العشب وزهره، ثم شربت وصدرت عن الماء نديت جلودها، ففاحت منها رائحة طيبة فيقال لتلك

الرائحة: فأرة الإبل. عن يعقوب، قال الراعي يصف إبلا:

لها فأرة زفراء كلّ عشيةكما فتق الكافور بالمسك فاتقه

وأما الفأرة التي خربت سد مأرب فهي الخلد، وقد تقدم ذكر قصتها، في باب الخاء المعجمة. وروى الحاكم والبيهقي عن مجاهد، في تفسير قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها

يعني حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيسلم كل يهودي وكل نصراني وكل صاحب ملة، وتأمن الفأرة الهر والشاة الذئب ولا تقرض فأرة جرابا، وتذهب العداوة من الأشياء كلها وذلك ظهور الإسلام على الدين كله.

الحكم : يحرم أكل جميع أنواع الفأر إلا اليربوع، كما سيأتي في بابه، إن شاء الله تعالى، ويكره أكل سؤر الفأر، وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يعني الزهري يكره أكل التفاح الحامض، وسؤر الفأر، ويقول: إنهما يورثان النسيان، وكان يشرب العسل، ويقول إنه يورث الذكاء. وقد جمع الشيخ علم الدين السخاوي ما يورث النسيان في أبيات فقال:

نوق خصالا خوف نسيان ما مضىقراءة ألواح القبور تديمها
وأكلك للتفاح ما كان حامضاوكزبرة خضراء فيها سمومها
كذا المشي ما بين القطار وحجمكالقفاء ومنها الهمّ وهو عظيمها
ومن ذاك بول المرء في الماء راكداكذلك نبذ القمل لست تقيمها
ولا تنظر المصلوب في حاله صلبهوأكلك سؤر الفأر وهو تميمها

تتمة : روى البخاري عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ قالت: إن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه». ورواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بمعناه. ورواه الترمذي عنه، ثم قال: وهو غير محفوظ. سمعت البخاري يقول: إنه خطأ، يعني من طريق أبي هريرة.

قلت: والصواب أنه صحيح، ورواه الطحاوي في بيان المشكل عنه، بلفظ: «إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه، وإن كان ذائبا فاستصبحوا به». وإنما لم يدخل البخاري في الحديث قوله ﷺ: «وإن كان مائعا فأريقوه»، لأنه من رواية معمر عن الزهري، فاستراب بانفراد معمر بها.

والعلماء مجمعون على أن حكم السمن الجامد، تقع فيه الميتة أنها تلقى وما حولها، ويؤكل بقيته. وأما المائع، كالخل والزيت والسمن المائع واللبن والشيرج والعسل المائع، فلا خلاف أنه لا يؤكل، والمشهور جواز الاستصباح به لكن يكره، وقيل: لا يجوز، لقوله تعالى: وَالرُّجْزَ

فَاهْجُرْ

. قال أبو العالية والربيع: الرجز بالضم والكسر: النجاسة والمعصية، وكل هذا في غير المساجد. فأما المساجد فلا يستصبح به فيها جزما. ويحل دهن السفن به، وأن يتخذ صابونا يغسل به ولا يباع. وقال أبو حنيفة والليث: يجوز بيع الدهن النجس، إذا بين نجاسته. وقال أهل الظاهر: لا يجوز بيع السمن، ولا الانتفاع به، إذا وقعت فيه الفأرة، ويجوز بيع الزيت والخل والعسل وجميع المائعات، إذا وقعت فيها. قالوا: لأن النهي إنما ورد في السمن دون غيره.

الأمثال : قالوا: «ألص من فأرة» و «أكسب من فأرة» و «أسرق من ذبابة». وهي الفأرة البرية، تسرق كل ما تحتاج إليه وما تستغني عنه.

الخواص : قال في كتاب عين الخواص: رأس الفأرة يشد في خرقة كتان، ويعلق على رأس صاحب الصداع الشديد، يزول صداعه، وينفع من الصرع، وعين الفأر تشد في قلنسوة إنسان يسهل المشي عليه، وإن بخر البيت بزبل ذئب أو زبل كلب، هربت منه الفيران. وإن خلط العجين بزبل حمام وأكله الفأر، أو أي حيوان كان مات. وإن دق بصل الفأر وجعل على أبواب حجرتهن فأي فأرشم رائحته مات. وإن جعل على باب جحر الفأر ورق الدفلى مع القلقند لم تبق فيه فأرة. وإن دق عظم ساق الجمل دقا ناعما، وديف بماء وسكب في جحرة الفيران، فإنه يقتلهن. وإن أخذت فأرة وقطع ذنبها ودفنت وسط البيت، لم يدخل ذلك البيت فأر ما دامت فيه، وإذا بخر بكمون ولوز ونطرون عند جحرتهن متن من ساعتهن، وإن بخر البيت بحافر بغل أسود هرب منه الفأر. وإن علقت عين فأرة على من به حمى الربع أبرأته. وذنب الفأر إذا جعل في جلد حمار، وجعلا في خرقة حرير وعلق على اليد اليسرى، فمن يكون له حاجة فإنها تقضى عند الملوك وغيرهم. وبول الفأر يقلع الكتابة من الورق، وطريق أخذ بوله أن يصاد في مصيدة بحديدة، ويوضع إناء وتجعل المصيدة من ناحية الحديدة، على فم الإناء، ويرى الفأر السنور، فإنه يبول من ساعته لشدة خوفه، ويكتب للفأر على أربع صفائح قصدير، وتجعل في أوكار الفأر وهو هذا: يا ربيق يا سلويرا.

قلت: وقد أذكرني هذا ما يقلع الزيت وغيره، من الأدهان من القرطاس والجلد والريش، وغير ذلك أن يؤخذ التراب الذي يجعله النساء في رؤوسهن في الحمام الأزرق المحترق فيدق ناعما كالكحل، ويوضع على القرطاس الذي أصابه الزيت، أو غيره ويثقل تثقيلا جيدا يوما وليلة، ثم يرفع، فإن القرطاس يصير نقيا ليس به أثر، وهو سر عجيب مجرب. وأما سم الفأر فهو التراب الهالك عند أهل العراق، وهو السك، يؤتى به من خراسان من معادن الفضة، وهو نوعان:

أبيض وأصفر، إن جعل في عجين وطرح في البيت، وأكل منه الفأر مات. وكذلك كل فأرة تجد ريح تلك الفأرة حتى يموت الجميع.

التعبير : قال المعبرون: الفأرة في الرؤيا امرأة فاسقة، لأن النبي ﷺ قال: «اقتلوا الفويسقة» وقيل: الفأرة امرأة يهودية نائحة ملعونة، أو رجل يهودي فاسق، أو لص نقاب. وربما دل الفأر على الرزق، فمن رأى فأرا في بيته كثيرا، كثر رزقه لأنه لا يكون إلا في مكان فيه رزق،

ومن خرج الفأر من منزله، قلّت بركته ونعمته، ومن ملك فأرا ملك خادما، لأن الفأر يأكل مما يأكل الإنسان، وكذلك الخادم يأكل مما يأكل سيده. ومن رأى فأرا يلعب في داره نال خصبا في تلك السنة، لأن اللعب لا يكون إلا من الشبع، وأما الفأر الأبيض والأسود، فإنه يدل على الليل والنهار، فمن رآه يغدو ويروح فإنه يدل على طول حياته، ومن رأى الفأر كأنه يقرض في ثيابه، فهو معلن بما يمر من أجله، ومن رأى فأرا ينقب فإنه لص نقاب فليحذره والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.