تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

باب الفاء: الفاختة

واحدة الفواخت، من ذوات الأطواق، وهي بفتح الفاء وكسر الخاء المعجمة وبالتاء المثناة، في آخرها، قاله في الكفاية، ويقال للفاختة: الصّلصل أيضا بضم الصادين المهملتين انتهى.

وزعموا أن الحيات تهرب من صوتها، ويحكى أن الحيات كثرت في أرض فشكوا ذلك إلى

بعض الحكماء، فأمرهم بنقل الفواخت إليها، ففعلوا ذلك، فانقطعت الحيات عنها. وهي عراقية وليست بحجازية، وفيها فصاحة وحسن صوت، وصوتها يشبه المثلث، وفي طبعها الانس بالناس وتعيش في الدور، والعرب تصفها بالكذب، فإن صوتها عندهم، هذا أوان الرطب، وتقول ذلك والنخل لم يطلع، قال الشاعر:

أكذب من فاختةتقول وسط الكرب
والطلع لم يبدلهاهذا أوان الرطب

قلت: ويحتمل أنها إنما وصفت بالكذب، لما قاله الغزالي رحمه الله تعالى، في الإحياء، في أواخر كتابي الصبر والشكر، إن كلام العشاق الذين أفرط حبهم يستلذ بسماعه، ولا يعول عليه، كما حكى أن فاختة كان يراودها زوجها، فمنعته نفسها، فقال لها: ما الذي يمنعك عني؟ ولو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلت لأجلك؟ فسمعه سليمان ﵊، فاستدعاه وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله إني محب، والمحب لا يلام وكلام العشاق يطوى ولا يحكى، وهو كما قال الشاعر:

أريد وصاله ويريد هجريفاترك ما أريد لما يريد

وقد تقدم في العصفور نظير هذا.

فائدة : اعلم أن الناس قد كثر كلامهم، في وصف المحبة، ونعت العشق، فسلك كل منهم مذهبا أداه إليه نظره واجتهاده، وسأختصر من أقوالهم قدرا يسيرا كافيا.

قال عبد الرحمن بن نصر: أهل الطب يجعلون العشق مرضا، يتولد من النظر والسماع، ويجعلون له علاجا كسائر الأمراض البدنية، وهو مراتب ودرجات بعضها فوق بعض.

فأول مرتبة منه تسمى الاستحسان، وهي المتولدة من النظر والسماع، ثم تقوى هذه المرتبة بطول الذكر في محاسن المحبوب وصفاته الجميلة، فتصير مودة، وهي الميل إليه والتألف بشخصه، ثم تتأكد المودة فتصير محبة، والمحبة هي الائتلاف الروحاني، فإذا قويت هذه المرتبة صارت خلة، والخلة من الآدميين هي تمكن محبة أحدهما من قلب صاحبه، حتى تسقط بينهما السرائر، فإذا قويت هذه المرتبة صارت هوى، والهوى هو أن المحب لا يخالطه في محبة محبوبه تغير، ولا يداخله تلون، ثم يزيد الحال فيصير عشقا، والعشق هو إفراط المحبة حتى لا يخلو المعشوق من تخيل العاشق، وفكره وذكره لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس عن تنبيه القوى الشهوانية، فيمتنع من الطعام والشراب لاشتغال النفس عن تنبيه القوى الشهوانية، ويمتنع من الفكر والذكر والتخيل والنوم، لاستضرار الدماغ، فإذا قوي العشق صار تيما، وفي هذه الحالة لا يوجد في قلبه فضل لغير صورة المعشوق، ولا ترضى نفسه سواها، فإذا تزايد الحال صار ولها، والوله هو الخروج عن الحدود والترتيب، فتتغير صفاته، ولا تنضبط أحواله، ويصير موسوسا لا يدري ما يقول، ولا أين يذهب فحينئذ تعجز الأطباء عن مداواته، وتقصر آراؤهم عن معالجته، لخروجه عن الحد الضابط. وقد أجاد القائل حيث قال:

يقول أناس لو نعت لنا الهوىوو الله ما أدري لهم كيف أنعت
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يقول أناس لو نعت لنا الهوى»
فليس لشيء منه حد أحدهوليس لشيء منه وقت موقت
إذا اشتد ما بي كان آخر حيلتيله وضع كفي فوق خدي وأصمت
وأنضح وجه الأرض طور بعبرتيوأقرعها طورا بظفري وأنكت
وقد زعم الواشون أني سلوتهافما لي أراها من بعيد فأبهت

قال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهو كامن في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاثة مساكن: التخيل في مقدمه، والفكر في وسطه، والذكر في مؤخره، فلا يكون أحد عاشقا، إلا إذا كان بحيث إذا فارق معشوقه لم يخيل من تخيله وفكره وذكره، فيمتنع من الطعام والشراب لاشتغال قلبه وكبده، ومن النوم لاشتغال الدماغ بالتخيل والفكر للمعشوق، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقا، فإذا لها العاشق خلت هذه المساكن، فرجع إلى حال الاعتدال.

وقال أبو علي الدقاق: العشق تجاوز الحد في المحبة، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالعشق، لأنه لا يوصف بأن يجاوز الحد في محبة العبد، وإنما يوصف بالمحبة. كما قال تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

فمحبة الله تعالى للعبد هي إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته إرادة الإنعام.

وقال قوم: محبة الله تعالى للعبد مدحه وثناؤه عليه، وقيل: بل محبة الله لعبده صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد، وأما محبة العبد لله تعالى فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم له، وايثاره رضاه، وقلة الصبر عنه والاحتياج إليه والاستئناس بذكره.

وقد اختلف في اشتقاق المحبة والعشق، فقال بعضهم: الحب اسم لصفاء المودة، لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب، وقيل: هو مشتق من حباب الماء بفتح الحاء، وهو معظمه، لأن المحبة معظم ما في القلوب من المهمات، وقيل: اشتقاقه من اللزوم والثبات، يقال: أحب البعير إذا برك فلم يقم، فكأن المحب لا ينزع قلبه عن ذكر محبوبه. وأما العشق فاشتقاقه من العشقة، وهو نبات يلتف بأصول الشجر التي يقاربها في منبتها، فلا تكاد تتخلص منه إلا بالموت، وقيل: إن العشقة نبات أصفر متغير الأوراق فسمي العاشق به لاصفراره وتغير حاله. وقيل: أعم حالات الحب وأشهرها وأعظم صفات الهوى وأظهرها ثلاثة أوصاف، ملازمة لا يستطيعون دفعها، وهي النحول والسقم والذبول، والله أعلم.

وهدا الطائر يعمر كثيرا، وقد ظهر منه ما عاش خمسا وعشرين سنة، وما عاش أربعين سنة، كما حكاه أبو حيان التوحيدي وأرسطو قبله.

الحكم : يحل أكلها وبيعها بالاتفاق.

الأمثال : قالوا: «أكذب من فاختة». وقالوا: «فلان الفاختة عنده أبو ذر».

الخواص : دمها ودم الحمام الأسود، إذا طلي بهما البرص غير لونه. وزبلها، إذا علق على

صبي بصرع أبرأه. ودمها، إذا قطر في العين أذهب الآثار المزمنة من ضربة أو قرحة أو غيرهما.

التعبير : قال ابن المقري: الفواخت والقماري والدبسي وما أشبهها، يدل ملكها في الرؤيا على العز والجاه وظهور النعم، لأنها لا تكون في الغالب إلا عند المتنعمين، وربما دلت على أهل العبادة، والانقطاع والقراءة والتسبيح والتهليل. قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

وربما دلت على المطربين، وأصحاب اللهو والغناء والرقص، وربما دلت على الزوجات والإماء. وقال المقدسي: الفاختة في المنام ولد كذاب، وقيل: الفاختة امرأة كذابة غير ألفة، وفي دينها نقص. وقال ارطاميدورس: الفاختة امرأة صاحبة مروءة وشكل، والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.