تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

القط

السنور والأنثى قطة، والجمع قطاط وقططة. قال ابن دريد: لا أحسبها عربية صحيحة. قلت: وهو محجوج بقوله ﷺ: «عرضت على جهنم فرأيت فيها المرأة الحميرية صاحبة القط الذي ربطته فلم تطعمه ولم تسرحه». كذا رواه الربيع الجيزي فيمن ورد مصر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

ولما اتصلت ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد بن معاوية بمعاوية، وكانت ذات جمال باهر، وحسن غامر، أعجب بها معاوية رضي الله تعالى عنه، وهيأ لها قصرا مشرفا على الغوطة، وزينه بأنواع الزخارف، ووضع فيه من أواني الفضة والذهب ما يضاهيه، ونقل إليه من الديباج الرومي الملون والموشى ما هو لائق به، ثم أسكنها، مع وصائف لها، كأمثال الحور العين، فلبست يوما أفخر ثيابها، وتزينت وتطيبت بما أعد لها، من الحلي والجوهر، الذي لا يوجد مثله، ثم جلست في روشنها، وحولها الوصائف، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها، وسمعت تجاوب الطير في أوكارها، وشمت نسيم الأزهار وروائح الرياحين والنوار، فتذكرت نجدا، وحنت إلى أترابها وأناسها، وتذكرت مسقط رأسها، فبكت وتنهدت فقالت لها بعض حظاياها: ما يبكيك وأنت في ملك يضاهي ملك بلقيس؟ فتنفست الصعداء، ثم أنشدت:

لبيت تخفق الأرواح فيهأحبّ إلي من قصر منيف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
ولبس عباءة وتقرّ عينيأحبّ إلي من لبس الشفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وأكل كسيرة في كسر بيتيأحبّ إلي من أكل الرغيف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وأصوات الرياح بكل فجّأحبّ إلي من نقر الدفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وكلب ينبح الطراق دونيأحبّ إلي من قطّ ألوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، من قصيدة «لبيت تخفق الأرواح فيه»
وبكر يتبع الأظعان صعبأحبّ إلي من بغل زفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وخرق من بني عمي نحيفأحبّ إلي من علج عنوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة

فلما دخل معاوية، عرفته الحظية بما قالت، وقيل: إنه سمعها، وهي تنشد ذلك، فقال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجا عنوفا، هي طالق ثلاثا، مروها فلتأخذ جميع ما في القصر،

فهو لها. ثم سيرها إلى أهلها بنجد. وكانت حاملا بيزيد فولدته بالبادية، وأرضعته سنتين ثم أخذه معاوية رضي الله تعالى عنه منها بعد ذلك. والأرواح جمع ريح قال ذو الرمة:

إذا هبت الأرواح من نحو جانببه أهل حبي هاج قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنماهوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي الدار قفرا جنوبها»

فقد أبدع وأحسن، فمن قال: هبت الأرياح فقد أخطأ ووهم، والصواب هبت الأرواح، كما قال ذو الرمة. وقد تقدم عن ميسون، والعلة في ذلك أن أصل ريح روح، لاشتقاقها من الروح.

وروي هذا الخبر على غير هذا الوجه، فأوردته لتحصل منه الفائدة. وهو: قيل: لما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية، ونقلها من البدو إلى الشأم، كانت تكثر الحنين إلى أناسها، والتذكر لمسقط رأسها فاستمع عليها معاوية ذات يوم، وهي تنشد الأبيات المتقدمة، فلما سمع معاوية الأبيات، قال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجا عنوفا، هي طالق.

وحكى ابن خلكان وغيره، في ترجمة الإمام أبي الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، أنه كان يوما على سطح جامع مصر يأكل شيئا، وعنده بعض أصحابه، فحضرهم قط، فرموا له لقمة، فأخذها في فيه وغاب عنهم، ثم عاد إليهم فرموا له لقمة ثانية، فأخذها وذهب ثم عاد، فرموا له شيئا فأخذه وذهب ثم عاد، ففعل ذلك مرارا كثيرة، وهم يرمون له وهو يأخذ ويغيب ثم يعود من فوره، فتعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ ذلك الطعام، ويدخل به إلى خربة، فيها شبه البيت الخراب، وفي سطح ذلك البيت قط أعمى، فإذا هو يضع الطعام بين يديه، فتعجبوا من ذلك. فقال الشيخ ابن بابشاذ: إذا كان هذا حيوانا أخرس، قد سخر الله له هذا القط، وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق، فكيف يضيع مثلي؟ ثم قطع الشيخ علائقه، وترك خدمة السلطان ولزم بيته وترك جميع أشغاله توكلا على الله تعالى، إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وستين وأربعمائة. وبابشاذ كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور.

وحكمه : تقدم بعضه في باب السين المهملة، في لفظ السنور، وسيأتي إن شاء الله تعالى، بعضه في باب الهاء، في لفظ الهر.

وتعبيره : سيأتي إن شاء الله تعالى، أيضا في باب الهاء.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.