من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
النعم
عند اللغويين الإبل والشاء، يذكر ويؤنث.
قال الله تعالى: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها
وقال تعالى في موضع آخر: مِمَّا فِي بُطُونِهِ
والجمع أنعام وجمع الجمع أناعيم. وعند الفقهاء النعم يشمل الإبل والبقر والغنم. وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة، والأنعام الإبل والبقر والغنم.
وحكى القشيري، في تفسير قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ
أنها الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، فَهُمْ لَها مالِكُونَ
أي ضابطون مطيعون كما قال الشاعر:
أصبحت لا أحمل السلاح ولاأملك رأس البعير إن نفرا
أي لا أضبطه وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
قال ثعلب:
معناه لا يذكرون الله على طعامهم ولا يسمعون، كما أن الأنعام لا تفعل ذلك.
روى الشيخان وغيرهما، من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ، قال لعلي رضي الله تعالى عنه: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة أهله، بحيث إنه إذا اهتدى به رجل واحد لا يعلم العلم، كان ذلك خيرا له من حمر النعم، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس.
والنعم كثيرة ال
فائدة ، سهلة الانقياد، ليس لها شراسة الدواب، ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إليها، لم يخلق الله ﷾ لها سلاحا شديدا، كأنياب السباع وبراثنها، وأنياب الحشرات وابرها، وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش. وخلقها ذلولا تقاد بالأيدي، كما قال تعالى: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
وجعل الله تعالى قرنها سلاحا لها، لتأمن به من الأعداء، ولما كان مأكلها الحشيش، اقتضت الحكمة الإلهية أن جعل له أفواها واسعة، وأسنانا حدادا، وأضراسا صلابا، لتطحن بها الحب والنوى.
فائدة
: جعل الله تعالى الأنعام رفقا بالعباد ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، قال الله تعالى: وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ
فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع، ويذهبون نعمة الله فيها، ويزيلون المنفعة والمصلحة التي للعباد فيها بفعلهم الخبيث.
قال الله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
فلفظ جعل في الآية لا يتجه أن يكون بمعنى خلق، لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هو بمعنى ما سن ولا شرع، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد.
والبحيرة هي الناقة، كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي شقوها وحرموا ركوبها، والحمل عليها، ولم يجزوا وبرها، وتركوها تأكل حيث شاءت لا تطرد عن ماء ولا كلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها، فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها وتركوها، وحرّموا على النساء لبنها ومنافعها. وكانت منافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء، وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة إناثا سيبت، فلم تركب ظهورها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى بحر أذنها، أي شق ثم خلى سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما
فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السابئة. والبحر الشق. قيل: ومنه سمي البحر بحرا لشقه الأرض، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة.
والسائبة الناقة التي سيبت، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية، إذا مرض أو غاب قريبه نذر فقال: إن شفاني الله أو شفى مريضي، أو رد غائبي، فناقتي هي سائبة ثم يسيبها كالبحيرة، فلا تحبس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد. وقال علقمة: هي العبد يسيب، أي لا ولاء عليه، ولا عقل ولا ميراث.
وقد قال ﷺ: «إنما الولاء لمن أعتق». وقال سعيد بن المسيب: السائبة الناقة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والبحيرة الناقة التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، وقيل: السائبة الناقة إذا ولدت اثنتي عشرة أنثى سيبت. والسائبة فاعلة بمعنى مفعولة كقولهم: ماء دافق أي مدفوق وعيشة راضية أي مرضية.
روى محمد بن اسحاق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأكثم بن الجون الخزاعي رضي الله تعالى عنه: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منه به ولا بك منه، ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه». قال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر».
وعمرو بن لحي هو أول من غير دين اسماعيل ﵊، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحام.
والوصيلة من الغنم، كانت الشاة إذا ولدت ثلاثة بطون أو خمسة أو سبعة، فإن كان آخرها جديا ذبحوه لبيت الآلهة، وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان عناقا استحيوها. فإن كان جديا وعناقا استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها فلم يذبحوه. وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا.
والحام هو الفحل من الإبل، إذا لقح من صلبه عشرة أبطن، وقيل: إذا ضرب عشر سنين، وقيل: إذا ولد من ولد ولده، وقيل: إذا ركب من ولد ولده، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه شيء، ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء، فأعلم الله تعالى أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا بقوله ﷿: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
وإنما هذه كلها من أفعال الجاهلية التي نهى الله عنها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع